صنع في أوروبا: هل تعيد البطاريات رسم مستقبل التصنيع الأوروبي؟

صنع في أوروبا: هل تعيد البطاريات رسم مستقبل التصنيع الأوروبي؟
يتصدر ملف التصنيع الأوروبي أجندة السياسات الاقتصادية في بروكسل، في ظل سعي الاتحاد الأوروبي إلى تقليص اعتماده على سلاسل التوريد الخارجية في القطاعات الاستراتيجية، وعلى رأسها البطاريات. ويأتي ذلك في وقت تشير فيه تقارير حديثة إلى أن فجوة تكلفة البطاريات المصنعة في أوروبا مقارنة بتلك القادمة من الصين قد تصل إلى نحو 90% في الوقت الحالي، ما يضع الصناعة الأوروبية أمام اختبار مزدوج: تعزيز التنافسية من جهة، وترسيخ الاستقلال الصناعي من جهة أخرى.
ومع طرح خطة “صنع في أوروبا” المرتقبة، يتجدد السؤال حول قدرة التصنيع الأوروبي على تقليص هذه الفجوة دون تحميل المستهلكين أو الشركات أعباءً إضافية تؤثر على سوق السيارات الكهربائية والتحول الأخضر.
التصنيع الأوروبي للبطاريات وتقليص فجوة التكلفة
تشير التقديرات إلى أن زيادة إنتاج البطاريات داخل أوروبا يمكن أن يقلص الفارق السعري الكبير مع البطاريات الصينية بحلول عام 2030. فبدل أن يكون الفرق في التكلفة ضخمًا يصل لـ 90% كما هو اليوم، قد ينخفض إلى مستوى محدود نسبيًّا 30%. وتوضح الدراسة أن الفارق قد يصل إلى نحو 14 دولارًا لكل كيلوواط-ساعة، وهي الطريقة التي يُقاس بها سعر البطاريات عالميًّا.
وبشكل مبسط، كلما انخفض هذا الرقم، انخفضت تكلفة البطارية نفسها. ووفق هذه الحسابات، قد يعني ذلك أن بطارية سيارة كهربائية متوسطة ستكون أغلى بنحو 500 يورو فقط مقارنة بالبطارية المستوردة، وهو فارق يمكن تقليصه مرة أخرى عبر أساليب مختلفة، مثل الحوافز الحكومية، أو الإعفاءات الضريبية، أو اعتباره تكلفة مقبولة مقابل تعزيز التصنيع الأوروبي وتقليل الاعتماد على الخارج.
ويرتبط هذا التحسن المتوقع أيضًا بعوامل عدة، أبرزها خفض معدلات الهدر في الإنتاج، وتعزيز الأتمتة، وتراكم الخبرات التقنية، إلى جانب تحقيق وفورات الحجم مع توسع المصانع الأوروبية. فكلما ارتفعت القدرة الإنتاجية، انخفضت التكلفة للوحدة الواحدة، وهو ما يمثل ركيزة أساسية في أي استراتيجية لتعزيز التصنيع الأوروبي في قطاع البطاريات. غير أن تحقيق هذا السيناريو لا يعتمد على الكفاءة الصناعية وحدها، وإنما يرتبط أيضًا بالإطار السياسي والتنظيمي الذي تسعى بروكسل إلى ترسيخه عبر خطة “صنع في أوروبا”.

خطة “صنع في أوروبا”: إعادة تشكيل القاعدة الصناعية
في هذا السياق، تستعد المفوضية الأوروبية لطرح “قانون المسرِّع الصناعي” (Industrial Accelerator Act) ضمن توجه خطة “صنع في أوروبا” الذي يهدف إلى إعطاء أولوية للمنتجات المصنعة محليًّا عند استخدام الأموال العامة. وتشمل الخطة قطاعات استراتيجية عدة، من بينها البطاريات والطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين والمركبات الكهربائية، في محاولة لإعادة توطين سلاسل القيمة داخل القارة.
وتسعى هذه السياسة إلى ربط الدعم العام بمعايير محتوى محلي واضحة، بما يخلق طلبًا مستقرًّا على المنتجات الأوروبية ويمنح الشركات قدرة أكبر على التوسع. كما طُرحت مقترحات بإدراج حوافز ضريبية للسيارات الكهربائية ضمن منظومة الدعم، ما يعزز التكامل بين الصناعة والسياسات المناخية. وقد أثارت هذه السياسة نقاشًا واسعًا حول تأثيرها على تنافسية الشركات الأوروبية، وهو ما يقود إلى الجدل الدائر حول تكلفة الاستقلال الصناعي.
التنافسية أم السيادة الصناعية؟
بعض شركات السيارات حذرت من أن اشتراطات المحتوى المحلي قد ترفع أسعار البطاريات وتؤثر على القدرة التنافسية للسيارات الكهربائية الأوروبية في الأسواق العالمية. وفي المقابل، يرى مؤيدو الخطة أن الفارق السعري المحتمل يمثل “قسط سيادة” يمكن تحمله مقابل تقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على واردات خارجية، خاصة في ظل القيود التي فرضتها الصين سابقًا على تصدير بعض المعادن النادرة.
ويستند هذا الطرح إلى تجربة شركات أوروبية واجهت تحديات تمويلية وإنتاجية في السنوات الأخيرة، ما أبرز هشاشة سلاسل الإمداد عند غياب قاعدة صناعية محلية قوية. ومن هنا يُنظر إلى التصنيع الأوروبي للبطاريات بوصفه أداة تأمين استراتيجي، لا مجرد سياسة دعم صناعي تقليدية.

التصنيع الأوروبي وسلاسل التوريد العالمية
تُعد البطاريات عنصرًا محوريًّا في التحول نحو اقتصاد مستدام ومنخفض الكربون، سواء في قطاع النقل أو تخزين الطاقة المتجددة. ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية، أصبح أمن الإمدادات جزءًا من معادلة الاستدامة. فالاعتماد على موردين خارجيين في مكونات أساسية يعرِّض الاقتصاد الأوروبي لمخاطر تقلبات الأسعار والقيود التجارية.
ومن هذا المنطلق، يندرج تعزيز التصنيع الأوروبي ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى بناء مرونة اقتصادية، وضمان استقرار سلاسل القيمة في القطاعات المرتبطة بالطاقة النظيفة. ويعكس ذلك تحولًا في التفكير من التركيز الحصري على أقل تكلفة ممكنة إلى موازنة الكفاءة الاقتصادية مع اعتبارات الأمن الصناعي.
وختامًا، يمثل ملف البطاريات اختبارًا حقيقيًّا لقدرة التصنيع الأوروبي على الجمع بين التنافسية والاستقلالية. فالفجوة السعرية الحالية ليست معطى ثابتًا، وإنما نتيجة مرحلة انتقالية يمكن تعديلها عبر الاستثمار في الكفاءة والتوسع الصناعي. ويبقى السؤال الأساسي: هل ينظر الاتحاد الأوروبي إلى هذه التكلفة باعتبارها عبئًا قصير الأجل، أم بوصفه استثمارًا طويل الأمد في سيادة صناعية تدعم التحول الأخضر؟

وفي ظل التحولات الاقتصادية العالمية، يبدو أن الإجابة تميل إلى الخيار الثاني، حيث يصبح تعزيز التصنيع الأوروبي ركيزة لضمان استقرار الأسواق وتحقيق أهداف المناخ، في إطار معادلة توازن بين التكلفة والمرونة والاستدامة.
وتشير من جانبها مؤسسة حماة الأرض إلى أن دعم التصنيع الأوروبي في القطاعات الاستراتيجية، وعلى رأسها البطاريات، يمثل خطوة محورية نحو بناء اقتصاد أكثر مرونة واستدامة. فتعزيز الإنتاج المحلي يرتبط بإرساء قاعدة صناعية قادرة على دعم التحول الأخضر وتقليل المخاطر المرتبطة بسلاسل التوريد العالمية، بما يرتبط مع أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالطاقة النظيفة والعمل المناخي والصناعة المستدامة.




