علوم مستدامة

القمة العالمية لمجتمع المعلومات + 20.. مراجعة دولية لمسار التحول الرقمي

التحول الرقمي
القمة العالمية لمجتمع المعلومات + 20.. مراجعة دولية لمسار
 التحول الرقمي

أصبح التحول الرقمي أحد المحددات الأساسية لمسارات التنمية والعدالة والشمول في العالم المعاصر، وفي ظل تسارع الابتكار، واتساع الفجوات بين الدول والمجتمعات؛ بات السؤال المطروح على مستوى العالم متجاوزًا سرعةَ تبني التكنولوجيا، ليركِّز على كيفية توظيفها بما يدعم التنمية المستدامة، ويُسهم في تقليص أوجه عدم المساواة الرقمية.

في هذا السياق، جاء اجتماع مراجعة القمة العالمية لمجتمع المعلومات (WSIS + 20) بعد عشرين عامًا على إطلاقها، ليعيد طرح ملف التحول الرقمي من زاوية تنفيذية: ماذا تحقق؟ وأين تعثَّر المسار؟ وكيف يمكن الانتقال من الأطر العامة إلى سياسات أكثر فاعلية وقدرة على إحداث أثر ملموس؟

قمة WSIS + 20 تقود مسار التحول الرقمي

انطلقت القمة العالمية لمجتمع المعلومات (WSIS) في مطلع الألفية الجديدة، عبر اجتماعين رئيسيين في جنيف عام 2003 وتونس عام 2005؛ من أجل وضع إطار دولي ينظم استخدام الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات لخدمة التنمية وبناء مجتمع معلومات أكثر شمولًا.

ومنذ ذلك الحين صارت القمة حدثًا أمميًّا دائمًا، تُتابَع مخرجاتُه من خلال منتديات واجتماعات دورية سنوية تناقش قضايا التحول الرقمي، وتقيس مدى تأثيره في الاقتصادات والمجتمعات. وبعد مرور عشرين عامًا على إطلاق هذا المسار عُقد في ديسمبر 2025 اجتماع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة، أُقرت خلاله مراجعة شاملة لقمة WSIS + 20؛ بهدف تقييم ما تحقق في أرض الواقع، وما بقي دون إنجاز.

وقد انتهت هذه المراجعة باعتماد وثيقة ختامية عكست ملامح المرحلة المقبلة، وتناولت مجموعة من القضايا المحورية، شملت معالجةَ الفجوة الرقمية، وبناءَ القدرات، وحمايةَ الحقوق في الفضاء الرقمي، إضافةً إلى آلياتِ المتابعة والتنفيذ داخل منظومة الأمم المتحدة.

الفجوة الرقمية

وفي هذا الإطار، برزت أيضًا مسألة تنظيم الفضاء الرقمي وإدارته باعتباره أحدَ أبرز محاور الوثيقة، وهو ما انعكس بوضوح في القرارات المتعلقة بمستقبل منتدى حوكمة الإنترنت (IGF).

منتدى حوكمة الإنترنت: من آلية مؤقتة إلى مؤسسة دائمة

إنَّ تحويل منتدى حوكمة الإنترنت (IGF) من آلية مؤقتة إلى منتدى دائم تابع للأمم المتحدة يأتي ضمن أبرز مخرجات الوثيقة الختامية، وهو منصة عالمية تجمع أطراف متعددة لمناقشة سياسات إدارة الإنترنت في العالم كله؛ إذْ يعكس هذا القرار اعترافًا دوليًّا بأهمية الحوار المتعدد الأطراف في إدارة القضايا الرقمية، خاصةً في ظل تزايد التعقيدات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات.

الاقتصاد الرقمي

ولتعزيز فاعلية المنتدى، دعت الوثيقة إلى:

  • توسيع مشاركة الحكومات وأصحاب المصلحة من الدول النامية.
  • دعم المبادرات الوطنية والإقليمية لحوكمة الإنترنت.
  • تطوير أساليب عمل أكثر مرونة وشفافية.

والهدف من وراء هذه الخطوات هو جعل المنتدى -منتدى حوكمة الإنترنت- مساحةً عالميةً أشدَّ تأثيرًا في توجيه مسار التحول الرقمي العالمي، بدلًا من الاكتفاء بالنقاش التقليدي، غير أنَّ تعزيز أطر الحوكمة وحده لا يكفي؛ إذْ يبقى التحدي الأهم هو ضمان أنْ ينعكس هذا التنظيم المؤسسي على تقليص الفجوات القائمة في الوصول إلى التكنولوجيا والخدمات الرقمية.

سد الفجوة الرقمية في قلب الأولويات

وقد ضعت الوثيقة الختامية مسألةَ سد الفجوة الرقمية في صميم أجندة المرحلة المقبلة، باعتبارها التحدي الأكبر أمام تحقيق تحول رقمي عادل. وتجاوزتِ المقاربةُ مسألةَ الاتصالِ بالإنترنت إلى أبعادٍ أوسع نطاقًا؛ من بينها:

  • تحسين جودة الاتصال وتكلفته.
  • ضمان وصول الخدمات الرقمية إلى المجتمعات الريفية والنائية.
  • تعزيز التعدد اللغوي والتنوع الثقافي على الإنترنت.
  • ربط جميع المدارس بالإنترنت، بوصفه شرطًا أساسيًّا للتعليم في عصر التحول الرقمي.

وكذلك أكدت الوثيقة أنَّ الرقمنة تتطلب -إلى جانب البنية التحتية المستدامة- مهاراتٍ رقميةً، وبيئاتٍ تمكينيةً، وأطرًا تحمي الحقوق وتضمن الشمول.

الحوكمة والحقوق في عصر التحول الرقمي

لم تغفل الوثيقة البُعدينِ الحقوقي والأخلاقي للتكنولوجيا، مؤكدةً أنَّ الحقوق نفسها التي تُكفل خارج الإنترنت يجب أن تُحترم داخله. وشملت الالتزامات:

  • حماية الخصوصية وحرية التعبير.
  • مواجهة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة.
  • رفض قطع الإنترنت، والمراقبة غير القانونية.
  • دعوة القطاع الخاص إلى مراعاة حقوق الإنسان في جميع مراحل تطوير التكنولوجيا وما يترتب عليها من آثار مجتمعية.

كما شددت الوثيقة على أهمية وجود أطر قانونية وتنظيمية واضحة وقابلة للتنبؤ، بما يدعم بيئة رقمية عادلة، ويعزز ثقة المستخدمين في مسار التحول الرقمي.

من القرارات إلى التنفيذ: أين يكمن التحدي الحقيقي؟

بالرغم من وضوح المخرجات وتعدد الالتزامات، يظل التحدي الأكبر في الانتقال من مستوى التعهدات إلى مستوى التنفيذ الفعلي في أرض الواقع. وفي هذا الشأن دعت الوثيقة إلى:

  • إعداد خرائط طريق تنفيذية تربط مسارات قمة WSIS بأهداف التنمية المستدامة.
  • تعزيز التنسيق بين الأطر الرقمية الأممية المختلفة؛ لتجنب الازدواجية.
  • تقديم تقارير دورية تقيس التقدم المحقق، وتكشف فجوات التنفيذ.

كما أولت الوثيقة الختامية الخاصة بجهود مراجعة قمة WSIS + 20 أهميةً خاصةً ببناء القدرات والتمويل، معتبرةً أنَّ التحول الرقمي لنْ يتحقق دون استثمارات في المهارات والمؤسسات، والبحث في مجالات التقنيات الناشئة، خاصة تقنيات الذكاء الاصطناعي. داعيةً إلى تدريب الكوادر الحكومية، وبناء القدرات البحثية، مع تأكيد أهميةَ تنسيق الجهود؛ لتجنب تكرار المبادرات، وضمان استخدام الموارد بكفاءة.

الذكاء الاصطناعي

وختامًا، تكشف مراجعة WSIS + 20 أنَّ التحدي الحقيقي في القدرة على التنفيذ والمتابعة؛ لأنَّ التحول الرقمي -كما تعكسه الوثيقة- مسار سياسي واجتماعي بقدر ما هو تقني، ويتطلب تنسيقًا دوليًّا، وإرادة سياسية، واستثمارات طويلة الأجل.

ومن منظور مؤسسة حماة الأرض فإنَّ نجاح هذا المسار مرهون بمدى تحويل الالتزامات الدولية إلى سياسات وطنية قابلة للتنفيذ، تراعي العدالة الرقمية، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة من مخاطر الإقصاء التكنولوجي، وتوازن بين الابتكار وحماية الحقوق.

كما تؤكد المؤسسة أنَّ الاستدامة الرقمية تُقاس بسرعة التحول، وبقدرته على تعزيز الشفافية، وتقليص فجوات النفاذ إلى التكنولوجيا، وضمان أنْ يكون الفضاء الرقمي أداة للتنمية المستدامة الشاملة، لا مصدرًا جديدًا لعدم المساواة أو التهميش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى