علوم مستدامة

%93 من الخبراء.. أجندة الاستدامة تحتاج إلى إعادة هيكلة

%93 من الخبراء.. أجندة الاستدامة تحتاج إلى إعادة هيكلة

لم يعد المشهد العالمي يحتمل المزيد من الإجراءات البطيئة أو التجميلية التي تُقدَّم تحت شعار الاستدامة؛ فالإشارات واضحة في كل اتجاه، حيث يتسارع التغير المناخي، وتتفكك الثقة في معايير البيئة والمجتمع والحوكمة (ESG)، وتتراجع مكانة الاستدامة داخل مجالس الإدارة، لتتحول في كثير من الأحيان إلى مجرد التزام شكلي أو إجراء امتثالي.

لذلك أظهرت مؤسسة “ERM” و”Globe Scan” و”Volans” (مؤسسات عالمية متخصصة في الاستشارات التنموية) في استطلاع حديث -تحت عنوان الاستدامة على مفترق طرق– أنَّ 93% من خبراء الاستدامة حول العالم يؤكدون أن الأجندة الحالية لم تعد مناسبة للمرحلة، فيما يرى أكثر من نصفهم أنها تحتاج إلى إعادة هيكلة جذرية.

هذه أزمة متشابكة تجمع بين انهيارات بيئية متسارعة، وانتكاسات اجتماعية، وردود فعل سياسية ضد الحوكمة البيئية والاجتماعية؛ لذلك فإنها أزمة مترابطة تهدد الاستقرار والأسواق وثقة الناس في المؤسسات. وفي هذا السياق يطرح السؤال الأهم نفسه: هل ستستسلم القيادات المؤسسية لردود فعل دفاعية عبر الدعاية والعلاقات العامة، أم أنها ستعيد ابتكار دورها لتشكيل أنظمة أكثر مرونة وتجددًا قادرة على مواجهة الصدمات المتسارعة والتكيف معها؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كانت الاستدامة ستظل شعارًا باهتًا أم ستتحول إلى قوة دافعة لتغيير جذري حقيقي، وهذا ما سوف تناقشه معكم حماة الأرض في السطور التالية؛ فتابعوا القراءة.

هل يمكن إصلاح المسار؟

كثيرًا ما يُستخدم تعبير “مفترق الطرق”، إلا أنه في حالة الاستدامة يبدو المعنى في مكانه تمامًا؛ فالاستدامة لم تصل إلى مرحلة الانهيار الكامل، لكنها تعاني من بطء في مواكبة الواقع السياسي والاقتصادي الجديد، ومن عدم قدرتها على مجاراة تسارع الأزمات المناخية والاجتماعية.

الاستطلاع -الذي استند إلى آراء حوالي 800 خبير من 72 دولة في مجالات الأعمال والحكومات والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية- يرسم صورة واضحة تؤكد أن المسار الحالي لم يعد مجديًا؛ إذ إن 93% من هؤلاء الخبراء يجمعون على أن الأجندة القائمة لم تعد مناسبة، وهو مستوى من الاتفاق نادر في مجال تتباين فيه عادة الأولويات والرؤى المتعلقة بالاستدامة.

التغيرات المناخية

اللافت أن هذا التشخيص لا يأتي من منتقدين خارجيين، وإنما من داخل المنظومة نفسها، من أشخاص يضعون الأهداف المناخية ويقيسون مؤشرات “ESG“، ويقدمون الاستشارات لمجالس الإدارة، وهؤلاء يرون بأعينهم أن الاستراتيجيات القائمة فشلت في مجاراة ديناميكيات السياسة والاقتصاد السريعة، وأنها أصبحت عائقًا بدلًا من أن تكون دافعًا.

ما معايير ESG؟

جزء من الإشكالية الراهنة يكمن في الطريقة التي يُفهم ويُطبق بها إطار البيئة والمجتمع والحوكمة (ESGفهو في الأصل أداة وُضعت للمستثمرين لقياس المخاطر المتعلقة بالبيئة والمجتمع والحوكمة، لكنه مع مرور الوقت تحوّل إلى شعار فضفاض يمكن لأي مؤسسة أنْ ترفعه حتى لو كان التزامها الفعلي محدودًا.

فعلى مستوى البيئة (E)، يركز الإطار عادةً على قياس الانبعاثات وإدارة الطاقة والموارد، غير أنَّ بعض الشركات تستطيع تحسين نتائجها عبر مشروعات كفاءة بسيطة، في حين تواصل توسعها في أنشطة عالية التلويث.

أمَّا في جانب المجتمع (S)، فإنَّ المؤشرات تُعنى بحقوق العمال، والتنوع، والمساواة، إلا أنَّ التطبيق العملي قد يقتصر على تقارير شكلية عن التدريب أو المبادرات الخيرية دون تأثير ملموس في العدالة الاجتماعية أو ظروف العمل الفعلية.

وفي ما يتصل بالحوكمة (Gفإنَّ التركيز ينصبّ غالبًا على الإفصاح والشفافية وتكوين مجالس الإدارة، وهو ما يجعل بعض المؤسسات تحصل على تقييمات مرتفعة رغم أنَّ ممارساتها البيئية أو الاجتماعية مثيرةً للجدل.

ومن هنا تتجلى المفارقة؛ فقد تحصل شركة كبرى على تصنيف عالٍ في مؤشرات ESG بفضل جودة إفصاحها المالي وإجراءات الامتثال، وفي الوقت نفسه تظل إسهاماتها في تخفيض الانبعاثات الكربونية -أو الحد من تفاقم التفاوتات الاجتماعية- دون المستوى المطلوب؛ مما يبين أنَّ الأزمة لا تكمن في فكرة ESG نفسها، بل في غياب معايير موحَّدة عالميًّا تضمن أنْ يكون التقييم انعكاسًا حقيقيًّا للأثر الواقعي على البيئة والمجتمع، لا مجرد تمرين بيروقراطي على كتابة التقارير.

التباس المفاهيم

جزء آخر من المعضلة يعود إلى الارتباك اللغوي نفسه؛ إذ يتم استخدام معايير الحوكمة ESG والاستدامة باعتبارهما مترادفينِ، في حين يخدم كل منهما غاية مختلفة؛ فإنَّ مصطلح ESG عبارة عن معايير لقياس تأثير الأعمال في البيئة والمجتمع، بالإضافة إلى قياس قوة وشفافية حوكمة هذه الأعمال، من حيث القيادة الإدارية، والضوابط الداخلية. وأمَّا الاستدامة فهي رؤية شاملة لتلبية احتياجات الحاضر دون المساس بحقوق الأجيال القادمة.

هذا الخلط بين المفهومين أدَّى على نحوٍ ملحوظ إلى تضخيم التوقعات من مؤشرات ESG، كأنها قادرة بمفردها على قيادة التحول المستدام؛ مما دفع كثير من المؤسسات إلى الاكتفاء بتحسين تصنيفاتها في جداول ESG عبر الإفصاح والشفافية الشكلية؛ أي دون تغيير فعلي في أنماط إنتاج واستثماراتها.

ريادة الأعمال

انقسام مجالس الإدارة.. ثلاث اتجاهات

وبخصوص المشهد في أروقة القيادة التنفيذية فإنه يكشف بدوره عن انقسام آخر لافت، ويمكن تقسيم ردود فعل القادة في هذا الشأن إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية؛ هي:

الاتجاه الأول

أمَّا الفريق الأول فيعيش حالة من الشلل؛ لأنه غير قادر على اتخاذ قرار وسط الجدل السياسي والتشريعات المتزايدة الصرامة.

الاتجاه الثاني

وأمَّا الثاني فيواصل التمسك بالنهج التقليدي: تقارير سنوية، وحوكمة شكلية، وإدارة مخاطر السمعة.

الاتجاه الأخير

وفي المقابل أعاد الاتجاه الثالث –هو الأكثر إثارة للاهتمام– تعريف الاستدامة لتصبح عدسة للنظر في المرونة واستمرارية الأعمال، لا مجرد التزامات خارجية.

يمكننا القول بأنَّ هذا التحول جوهري؛ لأنه يضع الاستدامة في قلب الاستراتيجية، باعتبارها مسألة بقاء واستقرار، إنه منظور يرى في المخاطر المناخية وهشاشة سلاسل الإمداد وتآكل الثقة المؤسسية تهديدات مترابطة، ويعتبر مواجهتها فرصة لبناء أنظمة أكثر قدرة على الصمود والتكيف، كما يفتح الباب أمام تحول التحديات إلى فرص للنمو والتجديد.

وبذلك تتقاطع هذه الرؤية مباشرة مع أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، فهي تدعو إلى نهج متكامل يوازن بين الربحية وحماية البيئة وتعزيز العدالة الاجتماعية، وهو بالضبط ما تهدف إليه أجندة 2030.

حدود التفاؤل التكنولوجي

وفي هذا السياق، يظل الابتكار التكنولوجي سلاحًا جذابًا في نظر الكثيرين؛ فالاستطلاع يكشف أن الخبراء يرون في البحث والتطوير ونماذج الاقتصاد الدائري وتسعير الكربون أدوات واعدة وواقعية، غير أن هناك تحذيرات من “عقلية الأفق الثاني”، أي الاعتقاد بأن التكنولوجيا وحدها قادرة على إنقاذنا من الأزمة.

المشكلة أن هذه الابتكارات غالبًا ما تعمل داخل النظام القائم، في حين يكمن الخلل في النظام نفسه، من دون معالجة الاعتماد على الوقود الأحفوري، والنماذج المالية الاستخراجية، ومنطق المدى القصير في الاقتصاد العالمي، ستظل الحلول التكنولوجية ترقيعًا لا إصلاحًا جذريًّا، بعبارة أخرى، الابتكار مطلوب لكنه ليس كافيًا؛ فالرهان على التكنولوجيا بمعزل عن إصلاح المنظومة يعني إطالة عمر نموذج غير مستدام، بدلًا من الانتقال إلى نموذج جديد يضمن توازنًا بين الإنسان والكوكب.

الاقتصاد الدائري

4 عقليات متنافسة.. من التقليديين إلى الراديكاليين

يرسم الاستطلاع -أيضًا- خريطةً جديدة للعقليات التي تتشكل داخل حقل الاستدامة؛ هي:

  • التقليديون الذين يسعون إلى تحسين النظام القائم.
  • المؤسسيون الذين يراهنون على إصلاح منسق عبر المؤسسات.
  • الرواد الذين يبتكرون ضمن آليات السوق.
  • الراديكاليون الذين يدفعون نحو تحول جذري في كل المستويات.

والرسالة الأهم في هذا الصدد أن المستقبل لن يكون حكرًا على عقلية واحدة، وإنما سيُبنى على القدرة على الجمع بين هذه المسارات، وعلى انفتاح الخبراء والمؤسسات على الحوار والتجريب والمخاطرة.

أزمة تحمل بذور الفرصة

ربما يكون اقتباس تشرشل الشهير “لا تدع أزمة جيدة تذهب سدى” أفضل تعبير عن اللحظة الراهنة؛ فالضغط المتزايد على الأنظمة البيئية والاجتماعية والسياسية ليس مجرد مؤشر على الفشل، وإنما هو أيضًا دعوة إلى تجاوز الحدود القديمة وصياغة حلول مبتكرة.

وإن تآكل الثقة في المؤسسات، وتفاقم الضغوط المناخية ليست نهايات، وإنما هي حدود جديدة يمكن أن تكون منطلقًا لتحولات كبرى؛ لذا يقدم الاستطلاع بارقة أمل، فهو يشير إلى أنَّ هناك شهية حقيقية للتغيير، وهناك تفويض يتشكل لقيادات جريئة مستعدة لتصميم المستقبل.

أهداف التنمية المستدامة

إذنْ، يمكن القول بأنَّ الاستدامة معركة وجودية تحدد شكل المستقبل الذي سنتركه للأجيال القادمة؛ فالخلل لم يعد كامنًا في التفاصيل الفنية أو أدوات القياس وحدها، وإنما في عمق النموذج الاقتصادي والسياسي الذي يقود العالم، وهو ما يجعل أي محاولة للإصلاح الجزئي أو التجميل السطحي أشبه بتأجيل الانهيار لا منعه. إن اللحظة الراهنة -بكل ما تحمله من ضغوط وانقسامات- قد تكون الفرصة الأخيرة لإعادة تعريف الاستدامة باعتبارها مشروعًا لتجديد العقد الاجتماعي والاقتصادي بين الإنسان والكوكب.

وهنا تبرز مسئولية المؤسسات والقيادات الفكرية والمجتمعية في إحداث التحول المطلوب، من خلال تجاوز منطق الامتثال إلى منطق الإبداع، ومن الاعتماد على مؤشرات شكلية إلى بناء أنظمة أكثر صلابة وقدرة على التكيف، وهذا ما تؤكده مؤسسة حماة الأرض التي ترى أنَّ الأزمة الراهنة تحمل بذور الحل، وأن الاستدامة يمكن أن تتحول من شعار مأزوم إلى قوة دافعة لتغيير عميق، يفتح الطريق أمام مستقبل أكثر عدلًا وتوازنًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى