علوم مستدامة

أزمة البطالة.. لماذا لا تكفي المؤشرات التقليدية لفهم حجم المشكلة؟

البطالة

أزمة البطالة.. لماذا لا تكفي المؤشرات التقليدية لفهم حجم المشكلة؟

تمثل أزمة البطالة بين الشباب أحد أكثر التحديات إلحاحًا في عالم اليوم، بوصفها اختبارًا حقيقيًّا لقدرة الدول على تحقيق التنمية المستدامة العادلة؛ لأنَّ الشباب يشكلون الكتلة السكانية الأكثر ديناميكية؛ ولذا فإنَّ أي خلل في دمجهم بالتعليم الجيد والعمل اللائق ينعكس انعكاسًا مباشرًا على النمو الاقتصادي، والاستقرار الاجتماعي، ومستقبل رأس المال البشري.
وبالرغم من أهمية تلك الأزمة فإنَّ النقاش حول أزمة البطالة بين الشباب ظل محكومًا سنوات طويلة بمؤشرات تقليدية تختزل الأزمة في أرقام الباحثين عن عمل، دون الالتفات إلى فئات واسعة من الشباب التي خرجت كليًّا من دوائر العمل والتعليم.

ومع تصاعد التفاوت الاجتماعي بعد جائحة كوفيد-19، برزت حاجة ماسة إلى إعادة النظر في كيفية قياس البطالة نفسها، انطلاقًا من أنَّ القياس مدخل أساسي لفهم المشكلة، وصياغة حلول أكثر واقعية.

البطالة الشبابية: ما وراء الأرقام

وفي البدء علينا أنْ ندرك أنَّ معظم الدول تعتمد في قياس أزمة البطالة على معدل البطالة التقليدي، بوصفه مؤشرًا رئيسيًّا لقياس أوضاع الشباب في سوق العمل، غير أنَّ هذا المؤشر لا يرصد سوى فئة محدودة، وهم الشباب العاطلون والباحثون عن وظيفة بنشاط.

مواجهة البطالة

وبهذا التعريف تُستبعد شريحة واسعة من الشباب الذين فقدوا أملهم في العثور على عمل لائق، أو اضطروا إلى الانسحاب من سوق العمل؛ بسبب ضعف الفرص، أو بسبب القيود الاجتماعية، أو المسئوليات الأسرية.
هذه المقاربة الضيقة تؤدي في كثير من الأحيان إلى تقليل حجم أزمة البطالة، وتخلق فجوة بين الواقع المُعاش والبيانات الرسمية؛ ففي بعض السياقات قد يبدو معدل البطالة منخفضًا نسبيًّا، فيما تعاني فئاتٌ واسعة من الشباب إقصاءً اقتصاديًّا وعدمَ استقرارٍ اجتماعي.

مِن هنا، تتحول البطالة من مسألة أرقام إلى ظاهرة مُركبة تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية؛ ولهذا أصبحت هناك ضرورة -من أجل تجاوز هذا القصور في قياس الأزمة- لوجود مؤشرات أكثر شمولًا، وقادرة على أنْ تعكس واقع الشباب خارج سوق العمل والتعليم معًا.

مؤشر NEET عدسة أوسع لفهم البطالة

في مواجهة هذه المحدودية، برز مؤشر (NEET)، وهو اختصار (Not in Education, Employment, or Training)، وهو يشير إلى الشباب غير الملتحقين بالتعليم أو العمل أو التدريب، ويُستخدم عالميًّا لقياس اندماج الشباب بمجالات التعليم وسوق العمل، وتكمن أهميته في كونه مؤشرًا مبكرًا وإنذارًا لمخاطر الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي؛ مما يجعله أداة أساسية لتوجيه سياسات تمكين الشباب وفق أهداف التنمية المستدامة.

وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أنَّ نحو 262 مليون شاب وشابة في العالم يندرجون ضمن فئة هذا المؤشر في عام 2025؛ أي ما يعادل شابًّا واحدًا بين كل أربعة شباب.
وعلى ذلك، يتجاوز مؤشر (NEET) كونه أداة قياس اقتصادية ليصبح مرآة للواقع الاجتماعي الذي يحدد فرص الشباب في الاندماج أو الإقصاء؛ فإذا تراكمتِ العوائقُ أمام التعليم والعمل تقاطعتِ البطالةُ مع أنماط أوسع من الهشاشة وعدم المساواة، وهو ما تظهره بوضوح قراءة أعمق لبيانات هذا المؤشر.

البطالة والهشاشة الاجتماعية وعدم المساواة

نعم، إنَّ قراءة أعمق لبيانات لمؤشر (NEET) تكشف عن أنَّ البطالة بين الشباب ترتبط ارتباطًا قويًّا بأنماط الهشاشة الاجتماعية وعدم تكافؤ الفرص؛ ففي كثير من البلدان ترتفع معدلات مؤشر  (NEET) في المناطق الريفية مقارنة بالحضر، حيث تقل فرص التعليم الجيد والعمل اللائق.

وكذلك تنخفض معدلات مؤشر (NEET) مع ارتفاع المستوى التعليمي؛ مِن ثَمَّ ينعكس ذلك انعكاسًا مباشرًا على الدور الحاسم الذي يقوم به التعليم الجيد في تقليص كل أوجه الإقصاء، ومكافحة جميع مخاطر سوق العمل ذي التغير الشديد والمتسارع.

وهنا، تبرز الفجوة بين الجنسين في سوق العمل بوصفها أحد أكثر أبعاد الأزمة حدةً؛ إذْ تمثل الشابات نسبة كبيرة من فئة مؤشر  (NEET)؛ بسبب البطالة، وأيضًا بسبب أعباء الرعاية غير المدفوعة، والقيود الثقافية، وضعف سياسات التوفيق بين العمل والحياة الأسرية.

وتُظهر هذه الأنماط أنَّ البطالة الشبابية ليست محايدة اجتماعيًّا؛ لأنها تُظهر خللًا عميقًا في توزيع الفرص والموارد داخل المجتمعات. وفي ضوء هذا التشابك بين البطالة والهشاشة الاجتماعية يتبين لنا أنَّ الاكتفاء بقياس حجم المشكلة لا يكفي؛ لذا فإنَّ علينا أنْ نستدعي الانتقال من التشخيص إلى إعادة توجيه السياسات العامة نفسها.

من قياس البطالة إلى إعادة توجيه السياسات

إنَّ أثر اعتماد مؤشر (NEET) على تحسين دقة القياس يمتد إلى إعادة صياغة السياسات العامة ذاتها، ويمكن أنْ يتحقق خفض تلك المعدلات عبر مسارينِ متكاملينِ:

أولهما– توسيع فرص العمل

آخرهما– تعزيز الالتحاق بالتعليم والتدريب

وعلى خلاف البطالة التقليدية التي قد تنخفض أحيانًا نتيجة خروج الشباب من سوق العمل، فإنَّ تراجع معدلات (NEET) يُظهر -بشكل أو بآخر- تحسنًا حقيقيًّا في فرص الاندماج الاقتصادي والاجتماعي.

وقد دفع هذا الفهم عددًا من الدول إلى تبني مقاربات شاملة لسياسات تشغيل الشباب، وهي سياسات تجمع بين التعليم، وبناء المهارات، والحماية الاجتماعية، ودعم الفئات الأكثر هشاشة.

إذنْ، يكشف هذا النقاش المتصاعد حول البطالة ومؤشر (NEET) عن أنَّ التحدي الحقيقي يرتبط بقدرة النظم الاقتصادية والمسارات الاجتماعية على دمج الشباب دمجًا فعليًّا بمسارات التعليم والعمل والإنتاج.

ومن هذا المنطلق، يصبح تطوير أدوات القياس خطوة أساسية لفهم أعمق لأزمة البطالة، ولتصميم سياسات تستجيب للواقع المركَّب الذي يعيشه ملايين الشباب حول العالم، وذلك بدلًا من الاكتفاء بمؤشرات جزئية لا تعكس حجم التحدي.

وبالنظر إلى استراتيجيتها القائمة على استهداف كل فئات المجتمع ترى مؤسسة حماة الأرض أنَّ معالجة أزمة البطالة بين الشباب تمثل مدخلًا محوريًّا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية، وهذا عبر الربط بين التعليم الجيد، وفرص العمل اللائق، والحماية الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى