أزمة المياه في جنوب إفريقيا وآثارها على الصحة والتنمية المستدامة

أزمة المياه في جنوب إفريقيا وآثارها على الصحة والتنمية المستدامة
يُمثل الوصول إلى مياه الشرب الآمنة ركيزة أساسية لاستقرار النظم الحضرية وضمان الصحة العامة، إذ يرتبط توفر هذا المورد ارتباطًا وثيقًا بمسار التنمية المستدامة وقدرة المجتمعات على مواجهة التحديات المعاصرة. ومع تصاعد الضغوط المناخية والديموجرافية، يبرز تراجع جودة واستمرارية إمدادات المياه باعتبارها قضية تنموية محورية تمس جوهر العدالة الاجتماعية وحق الإنسان في حياة كريمة.
وتقدِّم تجربة جنوب إفريقيا مثالًا كاشفًا على هذا التحول، إذ تكشف التحدياتُ المتراكمة في المدن الكبرى كيف يمكن لتدهور خدمات المياه أن يتحول إلى عامل ضغط اجتماعي وصحي يهدد مسار التنمية المستدامة.
أزمة المياه في جنوب إفريقيا وتداعياتها الحضرية
جرى توثيق مشكلات واسعة في جنوب إفريقيا تتعلق بتوافر وجودة مياه الشرب في المدن الكبرى، وغالبًا ما أدت هذه الأوضاع إلى احتجاجات شعبية على ضعف الخدمات. فقد شهدت مدينة إيثيكويني، وهي مدينة ساحلية وميناء رئيسي، احتجاجات متكررة نتيجة انقطاعات الكهرباء والمياه، كما لم تسلم جوهانسبرج، المركز الاقتصادي للبلاد، من موجات غضب مماثلة.
وتكمن خطورة أزمة المياه في تلوث المياه المتاحة وليس فقط في انقطاع الإمدادات؛ فالمياه قد تحتوي على كائنات ممرِضة ومواد كيميائية سامة تهدد الصحة العامة، ما يجعل الأزمة ذات أبعاد صحية واجتماعية واضحة، تتقاطع مباشرة مع أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما ما يتعلق بالصحة الجيدة والرفاه.

مؤشرات التدهور وسيناريوهات المستقبل
تواصل جودة المياه المقدَّمة للمواطنين في جنوب إفريقيا تدهورها بفعل تقادم البنية التحتية، وضعف أنظمة معالجة المياه والصرف الصحي، ونقص الكوادر المؤهلة، إلى جانب وجود مصادر تلوث غير خاضعة للرقابة. وتشير البيانات الصادرة عن وزارة المياه والصرف الصحي إلى تراجع واضح في أداء عدد كبير من أنظمة إمداد المياه، مقابل ارتفاع نسبة الأنظمة المصنَّفة ضمن الحالة الحرجة، مقارنة بسنوات سابقة.
وفي السياق ذاته، أظهرت اختبارات مستقلة أجرتها منظمة أفري فورم (AfriForum) خلال عام 2024 في مئات المدن والبلدات تراجعًا في نسبة مياه الشرب الصالحة للاستهلاك الآدمي مقارنة بالعام السابق، ما يعكس تآكل الثقة في قدرة الخدمات العامة على ضمان الحق في الوصول إلى مياه آمنة.
ولا تقف أزمة المياه عند تدهور الجودة فحسب، فإنها تمتد إلى التوافر؛ إذ شهدت مناطق واسعة انقطاعات متكررةً وطويلةً للمياه نتيجة الجفاف المرتبط بتغير المناخ، والنمو السكاني، وسوء الإدارة، الأمر الذي دفع السلطات إلى تبني سياسات تقنين المياه وخفض ضغط الإمدادات. كما تحذر تقارير رسمية من أن أقاليم رئيسية، مثل غاوتينغ وكيب الغربية، مرشحة لمواجهة شح مائي متزايد خلال السنوات المقبلة، مدفوعًا بارتفاع عدد السكان نتيجة الهجرة الداخلية، بما ينذر بتحديات اقتصادية واجتماعية أعمق.
مياه الشرب بين الاستخدام اليومي والحق في الصحة
وتمتد آثار هذه المؤشرات والتحذيرات على السياسات العامة ومستقبل الموارد، إلى جانب تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، وفي مقدمتها استخدامات مياه الشرب المرتبطة بالصحة والنظافة، إذ يمتد مفهوم مياه الشرب ليشمل أيضًا المياه اللازمة لتنظيف الأسنان، وغسل الطعام، وغسل الأيدي، خاصة عند التعامل مع الأطفال، إضافة إلى غسل أدوات الطعام. وفي ظل شح المياه النظيفة، ينبغي إعطاء الأولوية لهذه الاستخدامات الأساسية، باعتبارها شرطًا للحفاظ على الصحة العامة ومنع انتشار الأمراض.
ومن خلال هذه الاستخدامات اليومية البسيطة، تتكشف أبعاد أزمة المياه بوصفها أزمة تمس الصحة العامة بشكل مباشر، إذ يرتبط خطرها بقدرة الأفراد على الحفاظ على ممارسات أساسية للنظافة وسلامة الغذاء. حيث يجعل من أزمة نقص المياه الآمنة عاملًا مضاعفًا للمخاطر الصحية، خاصة لدى الأطفال والفئات الأكثر هشاشة، بما يحوِّل المياه من خدمة أساسية إلى عنصر حاسم في الوقاية من الأمراض وحماية الصحة الإنسانية.
وفي ظل هذا الواقع، يجد كثير من السكان أنفسهم مضطرين إلى البحث عن حلول مؤقتة للتعامل مع المياه المتاحة، خاصة في فترات الطوارئ والانقطاعات، وهو ما يفتح الباب أمام التساؤل حول ما يمكن فعله لحماية الصحة العامة في مثل هذه الظروف.
حلول مؤقتة في ظل أزمة المياه: ما الذي يمكن فعله وقت الطوارئ؟
في حالات الكوارث أو الطوارئ، قد يُضطر السكان إلى تنقية مياه الشرب بأنفسهم لفترات محدودة، وفي هذا السياق تنقل لنا جو بارنيز المحاضِرة الفخرية بجامعة ستيلينبوش والباحثة المتخصصة في قضايا المياه والصحة وجودة مياه الشرب، بعض الأساليب المنزلية البسيطة التي تساعد في تنقية المياه وتقليل عوامل التلوث، مع العلم بأن تنقية المياه المنزلية يوميًّا بوسائل فردية ليست حلًّا عمليًّا على المدى الطويل، نظرًا لارتفاع تكلفتها والجهد المطلوب لتنفيذها، وهو ما يجعل هذه الإجراءات حلولًا مؤقتة تفرضها أزمة المياه في لحظات استثنائية فقط.

وتشمل أبرز الإجراءات التي يمكن اللجوء إليها في أوقات الطوارئ ما يلي:
ترشيح المياه لإزالة الشوائب الأولية
يُعد الترشيح خطوة تمهيدية ضرورية عندما تكون المياه غير خاضعة لأي نظام رسمي للمعالجة. ويمكن تنفيذ هذه الخطوة باستخدام وسائل بسيطة ومتاحة في المنازل، مثل تمرير المياه عبر مصفاة عادية مُبطنة بطبقات من القماش النظيف أو المناديل الورقية، تعمل عمل فلتر يساعد على إزالة الأتربة والجسيمات العالقة التي قد تعوق عمليات التنقية اللاحقة أو تقلل من فعاليتها، لكنه لا يكفي وحده لجعل المياه آمنة صحيًّا.
غلي المياه للقضاء على الكائنات الممرِضة
بعد الترشيح، يمكن غلي المياه لفترة كافية للقضاء على معظم الكائنات الحية الدقيقة المسببة للأمراض. ويُعد الغلي من أكثر الطرق فعالية لمواجهة المخاطر البيولوجية، رغم محدوديته في التعامل مع الملوثات الكيميائية، ما يؤكد طابعه الوقائي المؤقت.
تعقيم المياه باستخدام الكلور المنزلي غير المعطر
في حال تعذر الغلي، يمكن استخدام كميات محسوبة من الكلور المنزلي غير المعطر لتعقيم مياه الشرب. ويسهم هذا الإجراء في القضاء على نسبة كبيرة من مسببات الأمراض، شريطة الالتزام بالجرعات الموصى بها، وتجنب أي منتجات تنظيف تحتوي على مواد إضافية قد تشكل خطرًا صحيًّا.
التطهير الشمسي للمياه في البيئات المناسبة
يعتمد التطهير الشمسي على تعريض المياه لأشعة الشمس المباشرة لفترات زمنية كافية، مستفيدًا من الحرارة والأشعة فوق البنفسجية في تقليل الحمل الميكروبي. وتُعد هذه الطريقة خيارًا متاحًا في المناطق المشمسة، لكنها تظل محدودة النطاق ولا تصلح لكميات كبيرة من المياه.
ورغم أن هذه الأساليب تسهم في الحد من المخاطر الصحية المرتبطة بتلوث المياه خلال الطوارئ، فإنها لا تُغني عن الحاجة إلى أنظمة مياه آمنة ومستقرة. وتبقى المعالجة المستدامة لأزمة المياه مرهونة بإصلاح البنية التحتية، وتحسين الإدارة، وضمان الحق في الوصول إلى مياه شرب آمنة باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من مسار التنمية المستدامة.
وختامًا تكشف أزمة المياه في جنوب إفريقيا عن خلل بنيوي يتجاوز الإمداد اليومي ليمتد إلى جوهر التنمية المستدامة، حيث تتقاطع المياه مع الفقر والصحة والعدالة الاجتماعية والحوكمة الرشيدة. إذ يمثل ضمان الوصول العادل إلى مياه شرب آمنة ركيزة أساسية لتحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة (المياه النظيفة والنظافة الصحية)، ودعامة لا غنى عنها للاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي.
وفي هذا السياق، ترى مؤسسة حماة الأرض أن حماية الموارد المائية وتعزيز إدارتها المستدامة تعد مدخلًا رئيسيًّا لبناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود، عبر دعم الوعي المجتمعي، وتشجيع السياسات العادلة، وربط قضايا المياه بحقوق الإنسان والتنمية الشاملة، بما يضمن ألا تتحول ندرة المياه إلى عامل دائم لإعادة إنتاج الفقر وعدم المساواة.




