خطى مستدامة

أسرتي قوتي.. مبادرة مصرية لدعم أسر ذوي الإعاقة نحو مجتمع أكثر عدلًا واستدامة

أسرتي قوتي

أسرتي قوتي.. مبادرة مصرية لدعم أسر ذوي الإعاقة نحو مجتمع أكثر عدلًا واستدامة

في مشهد إنساني يعكس جوهر العدالة الاجتماعية والتكافل المجتمعي، شهدت محافظة كفر الشيخ انطلاق المرحلة الثالثة من المبادرة القومية “أسرتي قوتي”، تحت رعاية السيدة انتصار السيسي، حرم فخامة رئيس الجمهورية. المبادرة التي ينظمها المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، كانت خطوة عملية نحو تعزيز حقوق الإنسان، وترسيخ مبادئ التمكين، ودعم الأسر باعتبارها الحصن الأول لأفرادها من ذوي الإعاقة، وقد جسّد الحضور المكثف والتفاعل المجتمعي الواسع، عمق الوعي المتزايد بأهمية دمج هذه الفئة في التنمية الوطنية.

المبادرة جاءت لتؤكد أن الأسرة هي وحدة اجتماعية، كما أنها ركيزة أساسية للاستدامة الإنسانية والتنموية؛ إذ يرتبط تمكين ذوي الإعاقة وأسرهم بشكل مباشر بأهداف التنمية المستدامة، لا سيما الهدف (3) المتعلق بالصحة الجيدة والرفاه، والهدف (4) الخاص بالتعليم الجيد، والهدف (8) المرتبط بالعمل اللائق ونمو الاقتصاد، فضلًا عن الهدف (10) الذي يسعى إلى الحد من أوجه عدم المساواة.

الأسرة كركيزة للتمكين والتنمية

ومع هذا الفهم العميق لأهمية الأسرة، يصبح من الضروري أن نتطرق إلى التوجهات العملية التي تم تبنيها في فعاليات “أسرتي قوتي”، والتي تسعى إلى تطوير آليات دعم الأسرة وتمكينها بشكل يتوافق مع أهداف التنمية المستدامة؛ فمنذ اللحظة الأولى لافتتاح فعاليات المبادرة في كفر الشيخ، برزت فكرة مركزية واضحة، تتمثل في أن الأسرة هي الحصن الأول والداعم الأقوى لذوي الإعاقة.

والكلمات الرسمية التي أُلقيت خلال الجلسات لم تكتفِ بالتأكيد على الحقوق، وإنما أبرزت الدور العملي للأسرة في تمكين أبنائها، بدءًا من الصحة والتعليم وصولًا إلى الدمج الاجتماعي والاقتصادي، وهذه الرؤية تتناغم مع أهداف التنمية المستدامة، التي تعتبر الأسرة محورًا رئيسيًّا لتحقيق المساواة وبناء مجتمع عادل.

أسرتي قوتي

تمكين الأسرة

فتمكين الأسرة من أدوات الدعم النفسي والاجتماعي الذي يفتح الباب أمام جيل جديد من المواطنين القادرين على الإسهام في التنمية بشكل فعال، كما أن تعزيز دور الأسرة ينعكس على بنية المجتمع بأكمله، من خلال نشر قيم التكافل، وترسيخ ثقافة الدمج، وتقوية النسيج الاجتماعي، وهنا يبرز البعد الاستراتيجي للمبادرة، التي لا تقتصر على تقديم خدمات مؤقتة، وإنما تسعى إلى بناء وعي طويل الأمد يضمن الاستدامة.

المشاركة المجتمعية

الحوارات المفتوحة التي أُجريت مع الأسر خلال الفعاليات شكّلت نقطة تحول مهمة؛ إذ لم تكن جلسات استماع شكلية، بل مساحة حقيقية للتعبير عن التحديات اليومية، بدءًا من تأخر إصدار بطاقات الخدمات المتكاملة، ووصولًا إلى مشكلات التأمين الصحي والمعاشات، وإن إشراك الأسر بهذه الطريقة يعكس فلسفة تقوم على المشاركة المجتمعية وصناعة القرار التشاركي، وهو ما يتوافق مع جوهر التنمية المستدامة.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول بأن مبادرة “أسرتي قوتي” تسعى إلى بناء مجتمع شامل ينطلق من الداخل، من وعي الأسرة وتمكينها؛ ليصل إلى الخارج حيث يندمج الأفراد في منظومة تنموية متكاملة.

الحق في الصحة والدمج التعليمي

أحد المحاور البارزة التي تناولتها المبادرة كان الحق في الصحة، حيث شددت الفعاليات على ضرورة المسح الطبي المبكر، والكشف عن الإعاقات في مراحلها الأولى، بما يتيح التدخل المبكر والرعاية المناسبة، وهذه الرؤية تعكس التزامًا واضحًا بالهدف (3) من أهداف التنمية المستدامة، الذي ينص على ضمان حياة صحية وتعزيز الرفاه للجميع.

الصحة الجيدة

نحو المساواة

إلى جانب الصحة، جاء التعليم الذي يمثل جسرًا أساسيًّا نحو الدمج المجتمعي، حيث تم إطلاق مبادرة “مدرستي الدامجة”، ضمن هذه المرحلة من مبادرة “أسرتي قوتي” للتأكيد على إيمان الدولة بأن التعليم الجيد لا يكتمل إلا إذا شمل الجميع دون استثناء؛ فالتعليم الدمجي لا يقتصر على توفير مقاعد دراسية لذوي الإعاقة، بل يتطلب بيئة تعليمية تراعي الفروق الفردية، وتُنمّي قدرات التلاميذ على التفاعل والتعايش.

التمكين الاقتصادي

كما أولت المبادرة اهتمامًا ببرامج التمكين الاقتصادي عبر مشروع “فرصة عمل”، الذي يسعى إلى دمج الأسر في سوق العمل وتحسين فرص الدخل، ومن خلال هذا يتحول الدعم من مساعدات آنية إلى فرص حقيقية تُمكّن الأسر من الاعتماد على نفسها، بما يعزز الاستقلالية، واستدامة الدخل.

التنمية الشاملة

إضافة إلى ذلك، لم تهمل المبادرة الجانب النفسي والاجتماعي، حيث أطلقت برامج للدعم النفسي، ومبادرات لتعزيز الفنون والثقافة، إلى جانب الأنشطة الرياضية والترفيهية، هذه الأبعاد المتكاملة تترجم فلسفة تقوم على التنمية الشاملة التي لا تقتصر على بُعد واحد، بل تدمج الصحة والتعليم والاقتصاد والثقافة في منظومة واحدة.

شراكات استراتيجية لضمان الاستدامة

ومن أبرز نقاط القوة في المرحلة الثالثة من “أسرتي قوتي” هو التوجه نحو بناء شراكات استراتيجية مع الجهات الحكومية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني؛ فهذه الشراكات تمثل حجر الزاوية في استدامة المبادرة؛ إذ لا يمكن لمجلس واحد أو جهة بعينها أن تتحمل مسئولية بهذا الحجم منفردة، وهذا التعاون بين الأطراف المختلفة يضمن تنوع الموارد، وتكامل الأدوار، واستمرارية الدعم.

كما أن إشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني لا يعكس فقط مسئولية مجتمعية، بل يعزز من قدرة المبادرة على الانتشار والوصول إلى شرائح أوسع، وهذا يتوافق مع الهدف (17) من أهداف التنمية المستدامة، الذي يركز على عقد الشراكات لتحقيق الأهداف؛ فعندما تتضافر الجهود بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، يصبح من الممكن تحقيق قفزات نوعية في مجال دمج وتمكين ذوي الإعاقة.

تمكين

في السياق ذاته، يبرز عنصر آخر وهو نشر الوعي على نطاق واسع، عبر تطوير محتوى توعوي مبسط وفعّال يصل إلى الأسر في جميع المحافظات؛ فالوعي هو الخطوة الأولى نحو التغيير، والمجتمع الواعي بحقوق ذوي الإعاقة وبقدراتهم يصبح أكثر قدرة على دعمهم ودمجهم في جميع المجالات.

ومع توسع المرحلة الثالثة لتشمل عشر محافظات، ووصولها إلى آلاف الأسر، ترى مؤسسة حماة الأرض أن مبادرة “أسرتي قوتي” تعد نموذجًا يُمكن تعميمه على نطاق وطني أوسع؛ فهي تجسد فلسفة شاملة تتعامل مع ذوي الإعاقة باعتبارهم مواطنين كاملي الحقوق، وتؤكد أن دمجهم في المجتمع هو مسار أساسي للتنمية.

هذا التوسع يعكس التزامًا وطنيًّا يتجاوز حدود المبادرات المؤقتة، ليضع الأساس لنهج طويل الأمد؛ فالمبادرة التي بدأت في سوهاج، وانتقلت إلى كفر الشيخ، تستعد لتغطي محافظات من الصعيد إلى الدلتا، ومن الوادي الجديد إلى البحر الأحمر؛ لتؤكد أن التنمية المستدامة لا تعرف حدودًا جغرافية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى