أخبار الاستدامة

إشبيلية تستضيف المؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية

إشبيلية تستضيف المؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية

مع تصاعد التحديات الاقتصادية والبيئية عالميًّا، تتجه الأنظار في نهاية هذا الشهر إلى مدينة إشبيلية الإسبانية، التي تستضيف المؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية؛ وهو حدث مفصلي يعتبر فرصة لا تتكرر سوى مرة كل عقد؛ لإعادة التفكير في السؤال الجوهري: كيف نمول مستقبلًا أكثر عدالة واستدامة؟

فتمويل التنمية ليس مجرد مفهوم تقني أو اقتصادي، وإنما هو في عمقه محاولة للإجابة عن سؤال وجودي: كيف يمكن للدول -خصوصًا النامية- أن تؤمّن الموارد الكافية لتوفير تعليم جيد، ورعاية صحية، وفرص عمل، وتحقيق تنمية مستدامة لا تترك أحدًا خلف الركب؟ في إطار الإجابة عن هذا السؤال سعى المجتمع الدولي، منذ مؤتمر أديس أبابا عام 2015، إلى بناء منظومة تمويل شاملة تسخّر أدوات التجارة، والضرائب، والدعم الرسمي، والمساعدات الإنمائية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

إلا أن مرور السنوات على تلك الوعود كشف واقعًا أكثر قسوة: الديون تتصاعد، وتدفقات الاستثمار تتراجع، في حين تتكبد الدول النامية كلفة نظام مالي غير منصف، لا يزال يميل لصالح الأقوياء؛ من هنا تبرز أهمية مؤتمر إشبيلية ليس باعتباره مجرد محطة لمراجعة البرامج، وإنما باعتباره لحظة فاصلة لإعادة التفكير في أسس هذا النظام.

شعوب تدفع الفاتورة

ترسم البيانات التي تصدر عن الأمم المتحدة صورة مقلقة لمستقبل التمويل العالمي؛ فبحلول عام 2030، قد يبقى600  مليون إنسان في حالة فقر مدقع، إذا لم تتغير المعادلة، وهذا لا يرتبط فقط بنقص التمويل، وإنما بعدم عدالته. تخيل أن يعيش3.3  مليار إنسان في دول تنفق على سداد ديونها أكثر مما تنفق على صحة شعوبها أو تعليمهم، هذا ليس فشلًا ماليًّا فقط، وإنما فشل إنساني أيضًا.

واليوم أصبحت أزمة التمويل متعلقة بالأولويات؛ فحين يُطلب من دولة تعاني من الجفاف أو الهشاشة الاقتصادية أنْ تدفع فوائد ديونها أعلى من نظيرتها المتقدمة، فإننا أمام نظام يكافئ القوي ويعاقب الضعيف، وهذا الوضع يُنتج حلقة مفرغة، تتمثل في تقشف يحدّ من الاستثمار في البشر؛ مما يُضعف النمو، ويزيد الحاجة إلى الاقتراض، وهكذا بلا نهاية.

تقشف يحدّ من الاستثمار في البشر؛ مما يُضعف النمو، ويزيد الحاجة إلى الاقتراض

وتزداد حدة الأزمة عندما نكتشف أن تمويل التنمية يتطلب4  تريليونات دولار سنويًّا، في وقت تتقلص فيه المساعدات، وتزداد تكاليف الاقتراض، وتصبح الأسواق المالية أقل مرونة أمام احتياجات الدول الفقيرة، بالإضافة إلى ذلك تتقلص مساعدات المانحين عامًا بعد عام، وتتراجع الاستثمارات، وتتفاقم تكلفة رأس المال؛ لتخلق ما وصفه الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو جوتيريش” بأنه بيئة تمويل خانقة للدول النامية، تمنعها من الاستثمار الحقيقي في شعوبها ومؤسساتها وبنيتها التحتية؛ ولذلك كله يصبح مؤتمر إشبيلية محطة مفصلية لمراجعة النظام بأكمله، لا مجرد مناسبة لطرح الشعارات.

نهوض الجنوب العالمي

أحد أهم ملامح مؤتمر إشبيلية هو أنه يمنح الدول النامية مقعدًا فعليًّا في صياغة الحلول، لا مجرد دور المتلقي؛ فلأول مرة تُفتح طاولة النقاش الدولي لتشمل وجهات نظر الجنوب العالمي، وتعرض احتياجاته بشكل مباشر، وضمن سياق تفاوضي متعدد الأطراف.

نهوض الجنوب العالمي

وتتنوع الإصلاحات المطروحة ما بين إعادة هيكلة الديون، وخفض تكاليف رأس المال، وتوجيه السياسات الضريبية العادلة نحو أولويات التنمية، إلى جانب تعزيز دور البنوك التنموية في تقديم دعم فني ومالي فعّال، وكل ذلك يتطلب تجاوز منطق العمل المعتاد، وتبني طرق تمويل أكثر مرونة وشمولية، تسمح لكل دولة بصياغة نموذجها الإنمائي الخاص، دون أن تُفرض عليها وصفات جاهزة لا تراعي ظروفها.

غير أن الطريق ليس خاليًا من التحديات؛ فقد أعلنت الولايات المتحدة أنها لن تشارك في المؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية؛ مما يلقي بظلال سياسية بالغة الأثر، ورغم هذا فإن توافق الأغلبية الدولية يفتح الباب أمام تحالف جديد من الدول، يسعى إلى نظام تمويل أكثر عدالة، وفي هذا السياق، قالت “شاري شبيجل” مديرة تمويل التنمية المستدامة في الأمم المتحدة: «إن إشبيلية ليست النهاية، وإنما بداية لعملية إصلاح طويلة، لا يمكن أن تنجح إلا إذا تحركنا جماعيًّا، بإرادة سياسية واضحة، وإيمان بقدرة التعددية على صناعة الفارق».

وفي العالم الذي نعرفه، لا يزال يُنظر إلى التمويل بوصفه أداة للربح والاستثمار، غير أنَّ حماة الأرض ترى وسيلة لحماية الحياة، وصون الكوكب، وتمكين الإنسان؛ فكل دولار يُوجَّه نحو الطاقة المتجددة، أو الزراعة المستدامة، أو التعليم، هو استثمار في استقرار طويل الأمد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى