علوم مستدامة

إصلاح التعليم.. جهود عالمية من أجل بناء مستقبل مستدام

اصلاح التعليم

إصلاح التعليم.. جهود عالمية من أجل بناء مستقبل مستدام

لجهود إصلاح التعليم مكانة بارزة في خطة أهداف التنمية المستدامة 2030، فإذا تحققتْ هذه الأهدافُ تحققتْ معها كرامةُ الإنسانِ؛ لأنها أداةٌ تساعد على مكافحة الفقر، وطريقٌ إلى تعزيز المساواة بين الجنسين، وصورةٌ من صور العدالة الاجتماعية الشاملة.

وبالنظر إلى هذه الأهمية البالغة سوف تسعى مؤسسة حماة الأرض في هذا المقال إلى التوقف أمام مفهوم الإصلاح التعليم بوصفه مدخلًا رئيسيًّا لبناء مجتمعات أكثرَ عدالةً وأشدَّ قدرةً على مواجهة التحديات المستقبلية، مجيبةً عن سؤال محوري: ما معنى إصلاح التعليم؟ وذلك عبْرَ تناول أبرز المسارات وأهم الآليات التي يمكن من خلالها تحقيق التعليم المستدام للجميع؛ فتابعوا القراءة.

ما إصلاح التعليم؟

إنَّ إصلاح التعليم مصطلح يُراد منه تحسين التعليم العام؛ من أجل الحصول على عوائد اجتماعية واقتصادية. وبعض هذه العوائد يتمثل في الصحة العامة، والنمو الاقتصادي، ومستوى الرفاهية في المجتمع.

ومن الناحية التاريخية اتخذت جهود إصلاح التعليم أشكالًا متعددة بحسب الدوافع المختلفة للمصلحين التعليميين؛ فتنوعت هذه الجهودُ بين تطوير المناهج، وتطوير طرائق التدريس، وإرساء حق التعليم للجميع، وتحسين البيئة التعليمية.

ما إصلاح التعليم؟

لم يحتاج العالم إلى إصلاح التعليم؟

واليوم أصبحنا جميعًا في حاجة إلى إصلاح التعليم -هذا بسبب ما نعيشه من عالم سريع التغير- لأنَّ التعليم نفسه صار حقًّا إنسانيًّا أصيلًا يتوقف عليه مستقبل الأفراد والمجتمعات، كما أنَّ استمرار التعليم التقليدي يهدد حقَّ ملايين الطلاب حول العالم في الحصول على المعرفة اللائقة بعالمنا المتغير، خاصةً مع ما نشاهده من اتساع الفجوة الرقمية والاجتماعية في كثير من البلدان.

ووفق تقارير اليونسكو بلغ عدد الأطفال والشباب خارج التعليم على مستوى العالم أكثر من 272 مليون في عام 2023، وهذا بالرغم من تسجيل زيادة نسب الالتحاق بالمدارس منذ عام 2015 بنحو 110 ملايين طفل إضافي. وكذلك هناك فجوة بين البلدان الغنية والفقيرة من حيث معدل عدم الالتحاق بالمدارس؛ إذْ وصل إلى 36% في الدول ذات الدخل المنخفض مقابل 3% في الدول الغنية.

كما يواجه كثيرٌ من أنظمة التعليم العالمية أزمةً في جودة التعلم والمهارات الأساسية؛ فلا تزال مستويات الكفاءة في القراءة ومبادئ الحساب أقل من المطلوب في كثير من البلدان؛ مما يعكس فجوة بين الالتحاق بالمدارس وأداء التعليم الفعلي.

أيضًا، تفرض تلك التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية ضرورةَ ربطِ النمو الاقتصادي بالتعليم ذاته؛ من أجل أنْ نضمن استدامة الرفاه الاجتماعي، وتوفير فرص متكافئة للجميع في شتَّى المستويات والمجالات.

ذلك كله مما يدفع جميع الشعوب إلى جعل المدارس وكل مؤسسات التعليم شاملةً وآمنةً وصحيةً، مع بيئات تعليمية تشجع التعلم النشط، وتنمي التفكير النقدي، وتغرس القيم التعليمية والثقافية بما يتوافق مع التحول الرقمي العالمي.

فإذنْ، لا شكَّ في أنَّ إصلاح التعليم يحقق عوائدَ اجتماعية واقتصادية، ويسهم في تقليل تكاليف التعليم، ويجعله أكثر إتاحة لجميع الفئات المختلفة، بما يضمن العدالة التعليمية، ويتيح للأطفال وغيرهم من جميع الطبقات الاجتماعية الوصولَ إلى التعليم الجيد.

ويهدف إصلاح التعليم أيضًا إلى تطوير نتائج التعليم، وربطها بالاحتياجات العملية من خلال:

تحديث المناهج الدراسية: تعديل محتوى الدروس؛ لتكون أكثر واقعية وملاءمة للعصر الحديث واحتياجات سوق العمل المتغير.

تقييم الأداء: متابعة مستوى الطلاب بطرق علمية؛ من أجل ضمان استيعاب ما يدرسونه بالفعل.

دمج التكنولوجيا التعليمية: استخدام أدوات رقمية، مثل الحواسيب، والبرامج التعليمية، والفصول الافتراضية؛ لتحسين طريقة التعلم، وجعلها أكثر تفاعلية.

التعليم المستدام للجميع

من جهة أخرى، يُنظر إلى إصلاح التعليم على أنه أداة لإصلاح المجتمع كله من خلال ترسيخ القيم العلمية والإنسانية، وتشجيع التفكير النقدي والإبداعي في التعليم، وتبني منهج التعلم مدى الحياة، فضلًا عن أهمية الفصول الافتراضية، والتعلم عبر الإنترنت، وتقليص الفجوة الرقمية بين المتعلمين. وذلك يدخل ضمن مفهوم التعليم المستدام، الذي يمكنه مواجهة كل التغيرات الاجتماعية والاقتصادية حاضرًا ومستقبلًا.

ويسهم إصلاح التعليم -بالإضافة إلى ما سبق- في توسيع المشاركة المجتمعية، والارتقاء بأساليب التدريس، وتشجيع المعلمين المبدعين على الابتكار، مع تعزيز أداء المعلم اجتماعيًّا، وزيادة دافعية التعلم عند الطلاب؛ ليصبح التعليم -بطلابه ومعلميه- حقًّا إنسانيًّا يمكِّن الجميع من الإسهام الفعَّال في مجتمعاتهم وبناء مستقبل مستدام للجميع.

التحديات العالمية أمام إصلاح التعليم

أمَّا عن التحديات العالمية أمام إصلاح التعليم فتشمل تفاوت جودة التعليم بين المناطق الحضرية والريفية، ونقص التمويل، والحاجة إلى تدريب مستمر للمعلمين، إضافةً إلى ضرورة تعزيز دور الإعلام في التعليم لتعزيز الوعي بأهمية التغيير وخلق بيئة تعليمية محفزة.

وتأتي الفجوة التعليمية بين الجنسين على رأس تحديات إصلاح التعليم، فلا تزال هذه الفجوةُ مؤثرةً في الحصول على التعليم الجيد، خاصةً الفتيات في بعض دول إفريقيا -جنوب الصحراء الكبرى- حيث يصل معدل عدم التحاق الفتيات إلى أكثر من 60% في أسوأ الحالات.

ومن هنا، تظهر أهمية التعاون الدولي بين الدول والمؤسسات، لتبادل الخبرات وتطبيق السياسات التعليمية الفعالة، وربط التعليم بالاحتياجات المجتمعية والاقتصادية؛ مما يضمن نتائج التعليم المرجوة، ويحقق إصلاح المجتمع على المدى الطويل.

الفجوة التعليمية بين الجنسين

ومما سبق، ينبغي لنا أنْ ندركَ أنَّ إصلاح التعليم استثمار استراتيجي شامل في الإنسان والمجتمع، وليس تطويرًا محدودًا في المناهج الدراسية؛ كي يمكننا بناء أجيال قادرة على تنمية مجتمعاتهم لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، بدءًا من الفجوة الرقمية والاجتماعية، وصولًا إلى المتطلبات الاقتصادية وسوق العمل المتغير بسرعة.

ذلك لأنَّ التعليم المستدام يعزز العدالة التعليمية وتكافؤ الفرص، ويمنح جميع الفئات الاجتماعية -دون النظر إلى ثقافاتهم- القدرة على الوصول إلى المعرفة والمهارات التي تمكنهم من المشاركة الفعالة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية.

وفي ضوء هذه الأبعاد تؤكد مؤسسة حماة الأرض أنَّ إصلاح التعليم شرط أساسي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030، وركيزة لبناء مستقبل أكثر عدالة واستدامة، حيث يكون الإنسان محورَ كل جهود التنمية، وتتحقق كرامته، وتزدهر مجتمعاته على نحو شامل ومستدام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى