استدامة الصرف الصحي.. كيف تعزز صحة الإنسان وتحقق التنمية المستدامة؟

استدامة الصرف الصحي.. كيف تعزز صحة الإنسان وتحقق التنمية المستدامة؟
ما زالت استدامة الصرف الصحي في السنوات الأخيرة عنوانًا بارزًا لتلك التحديات المتشابكة، التي تواجه البشرية على مستويات الصحة والبيئة والمجتمع والاقتصاد؛ فمع زيادة عدد السكان وتوسع النمو الحضري صارتْ إدارةُ الموارد الأساسية -مثل المياه والطاقة والخدمات الصحية- مسألة حيوية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بقدرة المجتمعات على البقاء والازدهار.
وفي هذا السياق، تأتي أهداف التنمية المستدامة التي أقرتها الأمم المتحدة لتكون في صميم السياسات العالمية، ويُعتبر توفير خدمات الصرف الصحي المستدامة أحد عناصرها الجوهرية؛ من أجل ضمان صحة الإنسان وحماية بيئته والارتقاء بمستوى معيشته.
وعلى هذه الأهميةِ التي يقوم عليها مفهومُ استدامة الصرف الصحي تسلط حماة الأرض الضوءَ، وتتناول سبلَ تعزيز هذا القطاع الحيوي، من حيث كونه عنصرًا من عناصر البيئة التي تحفظ للإنسان صحته، وتحقق استدامة حياته كلها؛ فتابعوا القراءة.
أزمة عالمية تتجاوز البنية التحتية
إنَّ مئات الملايين من البشر حول العالم يعيشون دون الوصول إلى مرافق صرف صحي آمنة، وهذا يضعهم في مواجهة مباشرة مع الأمراض المنقولة بالمياه، ويُضاعف من هشاشة الفئات الأضعف، خصوصًا الأطفال.
وتشير التجارب الدولية إلى أنَّ بطء التقدم في هذا القطاع يعود إلى نقص المعرفة التقنية، وغياب الإرادة السياسية، وتراجع أولوية الصرف الصحي مقارنةً بقطاعات أخرى؛ إذْ لا يزال أكثر من 3 مليارات إنسان حول العالم مفتقرينَ إلى خدمات صرف صحي مُدارة بأمان.
ولتحقيق التغطية الشاملة لخدمات الصرف الصحي المستدام بحلول عام 2030، تشير تقارير منظمة الصحة العالمية واليونيسف –البرنامج المشترك لرصد إمدادات المياه والصرف الصحي JMP– إلى ضرورة مضاعفة وتيرة التقدم الحالية أربع مرَّات على الأقل، محذِّرةً من أنَّ المسار الراهن غير كافٍ لتحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة: المياه النظيفة والنظافة الصحية!

الصرف الصحي المُحسَّن
يُعد نظام الصرف الصحي محسَّنًا -وفق المعايير الدولية- عندما يمنع التلامس المباشر مع الفضلات البشرية، ويحد من تلوث البيئة المحيطة. ويشمل ذلك: المراحيض المتصلة بشبكات صرف أو خزانات معالجة آمنة، وأنظمة الحفر المُحكمة.
وفي المقابل، تُصنَّف الممارسات المفتوحة أو البدائية، التي تُفرغ المخلفات في الشوارع أو المجاري المكشوفة، ضمن الأنظمة غير الآمنة؛ لما لها من أخطار صحية وبيئية، بالإضافة إلى الأضرار الاقتصادية؛ لأنَّ مثل هذه الممارسات في أنظمة الصرف الصحي تكلف الدول مليارات الدولارات سنويًّا؛ بسبب زيادة الإنفاق الصحي، وفقدان الإنتاجية، وتدهور البيئة؛ مما يجعل تحسين هذه المنظومة ضرورة تنموية لا تقل أهمية عن توفير المياه نفسها.
هل استدامة الصرف الصحي مفهوم تقني؟
قد يتبادر إلى الذهن أنَّ استدامة الصرف الصحي تعني إنشاء مرافق جديدة، والحقيقة هي أنَّ استدامة الصرف الصحي تقوم على رؤية شاملة توازن بين خمسة أبعاد رئيسية؛ هي:
البعد الصحي
إنَّ الغاية الأساسية لأي نظام صرف صحي هي كسر حلقة انتقال الأمراض، بدءًا من موقع الاستخدام، مرورًا بعمليات الجمع والمعالجة، وصولًا إلى إعادة الاستخدام أو التخلص النهائي، دون تعريض الإنسان أو العاملين في القطاع لأي أخطار.
حماية البيئة والموارد الطبيعية
وتتطلب استدامة الصرف الصحي تقليل استهلاك المياه والطاقة، والحد من الانبعاثات الملوثة، مع تعظيم الاستفادة من المخلفات عبر إعادة الاستخدام الآمن، سواء في الزراعة أو إنتاج الطاقة الحيوية، بما يدعم الاقتصاد الدائري، ويحافظ على الموارد غير المتجددة.

الكفاءة التقنية والمرونة
يجب أنْ تكون أنظمة الصرف الصحي قابلةً للتشغيل والصيانة محليًّا، ومناسبةً للظروف المناخية والاجتماعية، وقادرةً على الصمود أمام الكوارث الطبيعية والتغيرات السكانية وتداعيات تغير المناخ.
الجدوى الاقتصادية
أيضًا يُقاس الصرف الصحي المستدام بقدرة الأسر والمجتمعات على تحمل تكاليف الإنشاء والتشغيل، مقابل ما تحققه هذه الأنظمة من عوائد غير مباشرة، مثل تقليل الإنفاق الصحي، وخلق فرص عمل، وتحسين الإنتاجية العامة.
القبول الاجتماعي والمؤسسي
ولا ينجح أي نظام صرف صحي دون توافقه مع الثقافة المحلية، واحترامه لكرامة الإنسان، ومراعاته للفروق بين الجنسين، إلى جانب وجود أطر قانونية ومؤسسية داعمة تُنظم الإدارة والمتابعة والمساءلة.
مبادئ حاكمة لصرف صحي أكثر عدالة
وفضلًا عن هذه الأبعاد التي يُبنى عليها مفهوم استدامة الصرف الصحي، فإنَّ التجارب الدولية تؤكد أنَّ الصرف الصحي المستدام لا يمكن فرضه من أعلى؛ فهو يتطلب إشراكَ المجتمعات المحلية في اتخاذ القرار، والنظرَ إلى المخلفات باعتبارها موردًا لا عبئًا، وربطَ الحلول بالمستوى المحلي من الأسرة إلى الحي والمدينة ومحطات تجميع المياه ومعالجتها.
ومما سبق، تؤمن مؤسسة حماة الأرض بأنَّ استدامة الصرف الصحي قضية عدالة اجتماعية وحق إنساني أصيل؛ لذا يُعتبر ضمان وصول جميع المجتمعات -بغض النظر عن ظروفها الاقتصادية أو الجغرافية- إلى مرافق صحية آمنة، خطوة أساسية نحو الحد من الفقر وتحقيق التنمية المتوازنة.
وترى المؤسسة أنَّ الحل الأمثل يكمن في تطوير النظم المحلية بمشاركة المجتمع، وربط الممارسات الصحية بالأمن الغذائي والطاقة النظيفة، مع التركيز على تعليم الأفراد وتوعيتهم بأهمية الموارد وإعادة استخدامها.




