تغير المناخ من القطب الجنوبي إلى البحر المتوسط.. هل مستقبل الغذاء في خطر؟

تغير المناخ من القطب الجنوبي إلى البحر المتوسط.. هل مستقبل الغذاء في خطر؟
يبدو أنَّ تغير المناخ يكتب اليوم فصولًا جديدة من قصة الأرض التي تتأرجح بين البقاء والانهيار؛ فمن القارة القطبية الجنوبية يطلق العلماء تحذيرات غير مسبوقة من تغيرات مفاجئة تهدد بارتفاع مستويات البحار إلى أمتار؛ مما يعرض المدن الساحلية ومئات الملايين من البشر للخطر.
وفي الضفة الأخرى من العالم -على ساحل البحر المتوسط- يحترق المشهد الزراعي بين الجفاف والحرائق، حيث تتآكل محاصيل الزيتون والحمضيات والخضروات، وتتراجع قدرة المزارعين على الصمود في وجه التغيرات المناخية المتسارعة.
هذا التوازي المأساوي بين القطب الجنوبي وساحل البحر الأبيض المتوسط يوضح أنَّ تغير المناخ لم يعد شأنًا بيئيًّا محليًّا، بل تهديدًا عالميًّا لجميع أبعاد الاستدامة. ووفق ذلك فسوف تسلط مؤسسة حماة الأرض الضوء في هذا التقرير على أبعاد هذه الأزمة، مستنِدةً إلى الأدلة العلمية والواقع الزراعي؛ كي تبيِّن كيف تتقاطع هذه التغيرات مع أهداف التنمية المستدامة، وتطرح أسئلة ملحة حول مستقبل الأمن الغذائي العالمي.
ماذا عن ذوبان القطب الجنوبي؟
تكشف دراسة حديثة نشرتها مجلة “Nature” أنَّ القارة القطبية الجنوبية تشهد تغيرات مفاجئة وصادمة في أنظمتها المناخية والبيئية. وهذه التغيرات لا تتوقف عند ذوبان الجليد، بل تمتد إلى المحيطات والتيارات البحرية والأنظمة البيولوجية؛ مما يجعلنا أمام أزمة متشابكة تصعب علينا معالجتها لو لم نتكاتف!
لذا وصفتِ الوضعَ الباحثةُ “نيريلي أبرام” من الجامعة الوطنية الأسترالية بقولها: «إنَّ بعض هذه التغيرات ستكون صعبة الإيقاف». مؤكدةً أنَّ مساحة الجليد البحري قد تراجعت -منذ عام 2014- بمعدل 120 كيلومترًا، وأنَّ هذا الانكماش قد حدث بسرعة تعادل ثلاثة أضعاف تراجع الجليد البحري في القطب الشمالي خلال ما يقرب من خمسين عامًا.
مشكلات تغير المناخ
هناك كثير من المشكلات التي يتسبب فيها تغير المناخ؛ لأنَّ القضية لا تتعلق بفقدان طبقات جليدية، بل بانهيار أنظمة طبيعية متكاملة تهدد بتسريع الاحترار العالمي، وتغيير موازين الحياة البحرية والبرية. ومن أبرز هذه المشكلات:
الاحترار العالمي
إذا استمر هذا التراجع فقد نشهد صيفًا بلا جليد في القطب الجنوبي قبل الشمالي، الأمر الذي سيؤدي إلى تسارع الاحترار العالمي، وتهديد التنوع البيولوجي في المنطقة، بما في ذلك بطاريق الإمبراطور التي فقدت أعدادًا كبيرة من صغارها خلال العامين الأخيرين.
ذوبان الجليد
لا يقتصر الخطر على الجليد البحري، بل يشمل الأنهار الجليدية التي تدخل مرحلة انهيارٍ متسارعٍ، وقد أثبتت أبحاث مئات العلماء أنَّ تدفق المياه الناتجة عن ذوبان هذه الأنهار الجليدية قد تضاعف منذ تسعينيات القرن الماضي، متسببًا في رفع مستويات البحار.
التيارات البحرية
كذلك علينا الانتباه إلى التيارات البحرية الكبرى، التي تُعد المحرك الأساسي لنقل المياه المحملة بالكربون إلى الأعماق بعيدًا عن السطح؛ لأنَّ هناك مؤشراتِ تباطؤٍ واضحةً في هذه التيارات تنذرُ بتعطل قدرة المحيطات على امتصاص الكربون؛ مما يفاقم بدوره من معدلات الاحتباس الحراري العالمي.
حرائق المتوسط وتراجع الأمن الغذائي
بينما يذوب الجليد في أقصى الجنوب يعيش المزارعون في بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط أزمات لا تقل قسوة؛ فقد اجتاحت الحرائق إسبانيا واليونان، وامتدت موجات الجفاف إلى إيطاليا وفرنسا والبرتغال، وذلك يقوض المشروعات الزراعية في مناطق لطالما اعتُبرت من أغنى بقاع العالم إنتاجًا للزيتون والخضراوات، وغيرها من المحاصيل التي تمثل ركيزة غذائية وثقافية، وليست مجرد منتجات اقتصادية.
لقد فرض تغير المناخ على المزارعين إعادة التفكير في طرق الزراعة التقليدية؛ فلم يعد الاعتماد على الأمطار الموسمية ممكنًا، بل بات من الضروري أنْ نعمل على:
- تطوير أنظمة ري حديثة.
- تخزين المياه.
- زراعة أصناف مقاومة للجفاف.
غير أنَّ هذه الخطوات تتطلب استثمارات مالية ضخمة، وهو ما يفتقر إليه المزارعون الصغار، وكذلك يمكن أنْ تطال هذه التغيرات المناخية -وفقًا لتقارير البنك الأوروبي للاستثمار والمفوضية الأوروبية- المستهلكين الذين يواجهون ارتفاعًا متواصلًا في أسعار الخضراوات والفواكه، حتى في المواسم التي كانت تُعرف تاريخيًا بانخفاض الأسعار.
في المقابل، تبدلت تدريجيًّا الخريطة الزراعية في شمال أوروبا؛ إذْ تحركت محاصيل مثل الذرة نحو مناطق أبعد شمالًا، فيما تشهد بريطانيا تجارب لزراعة الحمص والفاصوليا وحتى الزيتون. وهذا المشهد يعكس كيف يعيد تغير المناخ توزيع الإنتاج الزراعي عبر القارة، لكنه في المقابل يضع المزارعين التقليديين في الجنوب أمام أعباء اقتصادية متزايدة.
ترابط الأزمات المناخية بين القطب والمتوسط
قد يبدو أنَّ ذوبان الجليد في القطب الجنوبي وظواهر الجفاف والحرائق في حوض المتوسط قضيتان منفصلتان عدَا أنَّ الواقع يكشف عن ترابط عميق بينهما؛ لأنَّ ارتفاع مستويات البحار يهدد المدن الساحلية على المتوسط ذاته، فيما يفاقم الجفاف أزمات سلاسل التوريد الغذائية العالمية.
وهاتانِ القضيتانِ -ذوبان الجليد في القطب الجنوبي والجفاف والحرائق في حوض المتوسط- تمثلانِ وجهًا لأزمة واحدة تضع البشرية أمام خيار واضح: إما التحرك الفوري للحد من الانبعاثات والتكيف مع التغيرات المناخية، وإمَّا مواجهة مستقبل من الانهيارات البيئية المتسارعة.
لا بديل عن أهداف التنمية
هذا الترابط يجسد جوهر أهداف التنمية المستدامة؛ لأنَّ الهدف رقم (13) الخاص بالعمل المناخي يرتبط بالهدف رقم (2) المعنيّ بالقضاء التام على الجوع، كما يتداخل مع الهدف رقم (14) المتعلق بالحياة تحت الماء. وهكذا يصبح الحديث عن القطب الجنوبي أو محاصيل المتوسط حديثًا عن منظومة كوكبية واحدة تتأثر أجزاؤها ببعضها بعضًا.
مِن هنا، تؤكد الأزمات المتزامنة في القطب الجنوبي وحوض المتوسط أنَّ العالم يقترب من نقطة اللاعودة إذا لم تُتخذ إجراءات جذرية؛ فالذوبان الجليدي والحرائق الزراعية ليسَا أحداثًا عابرة، بل إشارات واضحة إلى خلل بنيوي في علاقة الإنسان بالطبيعة.
لذلك فإنَّ المستقبل مرهون بقرارات العقد المقبل: تقليص الانبعاثات، دعم الزراعة المستدامة، الاستثمار في الطاقة المتجددة؛ وهو ما يدعو مؤسسة حماة الأرض إلى نشر الوعي حول أهمية حماية القطب الجنوبي وضمان استمرارية محاصيل المتوسط؛ لأنهما محركانِ لبقاء البشرية فوق كوكب واحد مشترك، حيث الاستدامة طوق النجاة الأخير لعالم يذوب جنوبه ويشتعل قلبه المتوسطي.








