علوم مستدامة

5 مليارات دولار كل ساعة.. كيف تسببت الأزمات البيئية في خسائر اقتصادية متصاعدة؟

الخسائر البيئية
5 مليارات دولار كل ساعة.. كيف تسببت الأزمات البيئية في خسائر اقتصادية متصاعدة؟

لم تعد الخسائر الاقتصادية الناتجة عن التلوث وأنماط الإنتاج السائدة مسألة بيئية معزولة، فقد تحولت إلى عبء مباشر يضغط على الاقتصادات والمجتمعات في آن واحد؛ فوفق تقرير حديث صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، يتسبب الإنتاج غير المستدام للغذاء والوقود الأحفوري في أضرار بيئية تُقدَّر بنحو 5 مليارات دولار كل ساعة، وهي كلفة تمتد إلى الأمن الغذائي، والصحة العامة، والاستقرار الاقتصادي، ولا تقف عند حدود الطبيعة.

وتكمن خطورة هذه الخسائر في أنها غالبًا ما تكون غير مرئية في الحسابات الاقتصادية التقليدية؛ فلا تظهر في أسعار السلع ولا في ميزانيات الشركات، لكنها تنتقل تدريجيًّا إلى كاهل الدول والمجتمعات، عبر تدهور الصحة العامة، وارتفاع كلفة الرعاية، وتراجع الإنتاجية، وزيادة الضغوط على الموارد العامة. ويناقش هذا المقال تلك الخسائر الاقتصادية، ولماذا أصبح معالجتها ضرورة اقتصادية لا تقل أهمية عن بعدها البيئي.

تحول الأزمات البيئية إلى خسائر اقتصادية

يشير تقرير التوقعات البيئية العالمية Global Enviroment Outlook (GEO) إلى أنَّ أزمات المناخ وتدمير البيئة والتلوث باتت أزمات اقتصاديةً واجتماعيةً مترابطة. فهذه الأزمات تُضعف قدرة الاقتصادات على توفير الغذاء والمياه، وتضغط على النظم الصحية، وتزيد من احتمالات عدم الاستقرار والنزاعات.

ومع نمو عدد سكان العالم، يزداد الطلب على الغذاء والطاقة، في وقت لا تزال فيه تلبية هذه الاحتياجات قائمة على أساليب إنتاج ملوِّثة ومدمِّرة للموارد الطبيعية. ويؤكد التقرير أن استمرار هذا المسار يعني تراكم الخسائر الاقتصادية بوتيرة أسرع، ما يهدد قدرة الدول، خاصة النامية، على تحقيق نمو مستدام أو الحفاظ على مكاسبها الاجتماعية. ويكشف التقرير بالأرقام التالية الحجم الحقيقي لهذه الخسائر الاقتصادية، وما تعنيه فعليًّا على مستوى القطاعات والاقتصادات.

أرقام تكشف حجم الخسائر الاقتصادية

يقدِّر التقرير حجم الأضرار البيئية السنوية المرتبطة بأنماط الإنتاج الحالية بنحو 45 تريليون دولار، وهي تكلفة تتحمَّلها المجتمعات والدول لاحقًا. ويقع العبء الأكبر على قطاع الغذاء العالمي، الذي يسهم بنحو 20 تريليون دولار من هذه الخسائر، نتيجة ممارسات مثل الزراعة الصناعية المكثفة، واستنزاف الأراضي، وتلوث المياه، وما يترتب عليها من تراجع الإنتاج وارتفاع كلفة الرعاية الصحية.

وفي قطاع النقل، تُقدَّر الخسائر بنحو 13 تريليون دولار سنويًّا، بسبب الانبعاثات وتلوث الهواء والحوادث وما تسببه من أعباء صحية، بينما تصل كلفة الكهرباء المعتمدة على الوقود الأحفوري إلى نحو 12 تريليون دولار، نتيجة آثار التلوث وتغير المناخ. ويصف الاقتصاديون هذه الأعباء بـ “التكاليف غير المحسوبة”، لأنها لا تظهر في أسعار السلع أو فواتير الطاقة، رغم أن المجتمع يدفع ثمنها لاحقًا في صورة أمراض، وكوارث، وتراجع في جودة الحياة. ومع هذا الحجم الهائل من الخسائر الاقتصادية غير المحسوبة، يبرز السؤال الأهم: كيف تُوزَّع هذه الأعباء داخل المجتمعات، ومن يتحمَّل الجزء الأكبر منها؟

الاستغناء عن الوقود الأحفوري

من يدفع ثمن الأضرار؟ البعد الاجتماعي للأزمة

إن الخسائر الاقتصادية الناتجة عن أنماط الإنتاج الحالية تنعكس مباشرة على المجتمعات، حيث تتحمَّل الفئات الأقل دخلًا الجزء الأكبر من آثار ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وتدهور جودة الهواء والمياه، وزيادة الضغط على الخدمات الصحية. ففي حين تستفيد تلك القطاعات من دعم حكومي واسع، تُنقل التكلفة الفعلية لهذه الأنشطة إلى المجتمع بأكمله في صورة أعباء معيشية وصحية طويلة الأجل.

ويشير التقرير إلى أن الحكومات تنفق سنويًّا نحو 1.5 تريليون دولار في صورة دعم مباشر أو غير مباشر لأنشطة ملوِّثة، تشمل الوقود الأحفوري والزراعة الصناعية والتعدين. هذا الدعم، بحسب الخبراء، لا يشجِّع فقط استمرار أنماط إنتاج عالية الكلفة بيئيًّا واقتصاديًّا، فإنه يعرقل في الوقت نفسه انتقال الاستثمارات نحو بدائل أكثر كفاءة واستدامة.

ومن منظور اقتصادي، يؤكد التقرير أن إدراج “التكلفة الحقيقية” للإنتاج في أسعار الغذاء والطاقة يمثل خطوة ضرورية لتقليص الخسائر الاقتصادية على المدى الطويل. غير أن هذا التحول لا يمكن أن يتم بمعزل عن سياسات اجتماعية مرافقة، مثل توسيع شبكات الأمان الاجتماعي، ودعم الدخل، وإعادة توجيه الدعم نحو الأغذية الصحية والطاقة النظيفة، بما يضمن ألا تتحمل الفئات الأكثر هشاشة عبء الإصلاح وحدها. وفي ظل هذا العبء غير المتكافئ الذي تتحمله المجتمعات، يطرح التقرير سؤالًا أوسع: هل التحرك لمعالجة هذه الاختلالات أقل تكلفة فعلًا من استمرارها، وما الذي يعيق هذا التحرك؟

عوائق التحرك في مواجهة الأزمة

يشدِّد التقرير على أن تكلفة التحرك لمعالجة هذه الأزمات أقل بكثير من تكلفة تجاهلها. فخفض الانبعاثات، والحد من تدهور الموارد الطبيعية، وتحسين كفاءة إنتاج الغذاء والطاقة، يعني تقليل الأعباء الصحية، وخفض خسائر الكوارث، وتحسين الإنتاجية على المدى الطويل.

وبحسب تقديرات التقرير، فإن المكاسب الاقتصادية الناتجة عن الحد من هذه المشكلات قد تصل إلى نحو 20 تريليون دولار سنويًّا بحلول عام 2070، وترتفع إلى 100 تريليون دولار بحلول عام 2100. وهو ما يوضح أن التحول نحو نماذج إنتاج أكثر استدامة هو استثمار اقتصادي يخفض الخسائر المتراكمة ويعزِّز الاستقرار على المدى البعيد.

ثاني أكسيد الكربون

لكن رغم وضوح هذه المكاسب، يظل التحول بطيئًا، بفعل اعتبارات سياسية واقتصادية متشابكة. فقد حالت اعتراضات عدد من الدول دون التوصل إلى توافق دولي حول ملخص التقرير الموجَّه لصنَّاع القرار، خاصةً فيما يتعلق بالوقود الأحفوري وتقليل استهلاك اللحوم والبلاستيك، وهو ما يعكس فجوة قائمة بين المعرفة العلمية ومتطلبات القرار السياسي.

وختامًا، تكشف الخسائر الاقتصادية الناتجة عن أنماط الإنتاج الحالية أن الأزمة تتجاوز حدود البيئة إلى صميم الاقتصاد والمجتمع. فاستمرار هذا المسار يعني استنزافًا متزايدًا للموارد، وضغوطًا أكبر على الدول، واتساعًا للفجوات الاجتماعية.

وترى مؤسسة حماة الأرض أن مواجهة هذه الخسائر تتطلب سياسات اقتصادية تعترف بالتكلفة الحقيقية للإنتاج، وتعيد توجيه الاستثمارات نحو نماذج أكثر كفاءة وعدالة؛ لأنَّ التحول ضرورة اقتصادية واجتماعية لضمان استقرار المجتمعات وقدرتها على الصمود في مواجهة أزمات المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى