صناعات مستدامة

الموضة والبيئة.. نفايات الملابس وتحديات الاستدامة في أوروبا

الموضة

الموضة والبيئة.. نفايات الملابس وتحديات الاستدامة في أوروبا

في العقود الأخيرة، تحوّلت الموضة من كونها تعبيرًا عن الذوق والهوية إلى صناعة شرسة تجري وراء التجدد الدائم وتُغذّي نزعة الاستهلاك السريع؛ فلم تعد الملابس تُنتج لتُستخدم طويلًا، وإنما لتُستبدل بسرعة، في دورة مفرغة تُنهك موارد الأرض وتترك خلفها جبالًا من النفايات.

وسوف تتناول حماة الأرض في هذا المقال العلاقة بين الموضة السريعة والتدهور البيئي، بدءًا من استنزاف الموارد، مرورًا بتلوّث المياه والهواء، ووصولًا إلى تراكم النفايات وغياب التدوير الفعّال، كما تسلّط الضوء على استراتيجيات الاتحاد الأوروبي التي تهدف إلى إعادة توجيه هذا القطاع نحو مسار أكثر استدامة، وتوضح مدى ارتباط ذلك بأهداف التنمية المستدامة، في محاولة لفهم الصورة كاملة بعيدًا عن التغليف التجاري البراق.

التأثيرات السلبية للموضة السريعة

تُنتَج الملابس اليوم بكمّيات كبيرة جدًّا، وتُرمى دون تفكير، في دورة استهلاك لا تتوقف، ويعززها تسويق عدواني عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتحوّل الموضة إلى موجة يومية تُقاس بالـ”إعجاب” أكثر من الجودة أو الضرورة، وهذا ما جعل من الموضة السريعة عامل ضغط بيئي متسارع؛ إذ تُستخدم موارد طبيعية شحيحة، وتُلوَّث أنظمة بيئية هشة، دون حساب لتبعات ذلك على الكوكب.

الموضة السريعة عامل ضغط بيئي متسارع

تحتاج صناعة تيشيرت واحد إلى أكثر من 2700 لتر من المياه العذبة، وهو ما يكفي لسدّ عطش الإنسان لعامين ونصف، أما حين نتحدث عن القطع التي تُنتج سنويًّا؛ فالأرقام تصبح صادمة، وبحسب بيانات أوروبية، فإن الملابس والأحذية التي يستهلكها كل فرد في الاتحاد الأوروبي تطلبت في عام واحد تسعة أمتار مكعبة من المياه و400 متر مربع من الأرض وقرابة 400 كجم من المواد الخام.

الأثر البيئي لصناعة الملابس

تُعدّ صناعة الأزياء من أكثر القطاعات استهلاكًا للموارد وإنتاجًا للانبعاثات؛ ففي عام 2020 وحده، أسهمت مشتريات الملابس في دول الاتحاد الأوروبي بإطلاق ما يزيد عن 121 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، أي ما يعادل نحو 270 كجم من الغازات المسببة للاحتباس الحراري لكل فرد.

لا يقتصر الأثر البيئي لصناعة الأزياء على مراحل الإنتاج والنقل فحسب، وإنما يمتد ليشمل ما بعد الاستهلاك، حيث تنتهي كميات هائلة من الملابس غير المرغوب فيها إلى الحرق أو الدفن، ومع أن بعض الدول الأوروبية بدأت تتجه نحو تشريعات تهدف إلى تقليل الانبعاثات في هذا القطاع، فإن المشكلة أعمق من أن تُحل بتعديلات قانونية محدودة؛ إذ يتطلب الأمر تحولًا جذريًّا في أنماط الإنتاج والاستهلاك.

وفي خضم هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري: أين تذهب كل هذه الأكوام من الملابس المستعملة؟ بحسب بيانات الاتحاد الأوروبي، لا يُجمَع سوى أقل من نصفها، ويُعاد تدوير نسبة لا تتجاوز 1% فقط. أما البقية فيُتخلَّص منها غالبًا بالحرق أو الدفن؛ مما يضيف مزيدًا من الغازات الدفيئة إلى الغلاف الجوي، ويتسبب في تلويث التربة والمياه الجوفية في مكبات النفايات.

وتزداد المشكلة تعقيدًا بسبب محدودية تقنيات إعادة التدوير الحالية، وندرة استخدامها على نطاق واسع، خاصة أن كثيرًا من الملابس الحديثة يُصنع من مواد صناعية مركبة يصعب فصلها أو إعادة معالجتها، ونتيجة لذلك يصبح التخلص منها الخيار الأسهل والأسرع، ولو كان الأكثر ضررًا على البيئة في المدى الطويل.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا العبء لا يتوقف عند حدود أوروبا؛ إذ تُصدَّر كميات كبيرة من هذه الملابس المستعملة إلى دول نامية، غالبًا ما تفتقر إلى البنية التحتية المناسبة للتعامل مع هذا النوع من نفايات الملابس، وهكذا تتحول الأزياء الرخيصة إلى صادرات خفية للأزمات البيئية، تُرحَّل من دول الشمال الصناعي إلى الجنوب المثقل بالتحديات التنموية.

نفايات الملابس

أوروبا تبحث عن مخرج من الأزمة

ومع تصاعد الأثر البيئي لصناعة الملابس، بدأت أوروبا تتحرك بشكل جاد لتقليل الضرر؛ ففي عام 2022 أطلقت المفوضية الأوروبية خطة واسعة لجعل صناعة النسيج أكثر استدامة، وتركز الخطة على إنتاج أقمشة يمكن إصلاحها وإعادة استخدامها، والحد من الملابس الرديئة التي ينتهي بها الحال سريعًا في النفايات.

تسعى هذه الاستراتيجية إلى وضع قواعد جديدة لتصميم المنتجات بحيث تكون صديقة للبيئة، وتشمل أيضًا استخدام جوازات رقمية للملابس توضح مصدرها ومكوناتها؛ مما يعزز الشفافية. كما تدعم الخطة تطوير تقنيات إعادة التدوير، وتعمل على تغيير طريقة تعامل الناس مع الموضة، لتصبح أكثر وعيًا وجودة واستدامة.

وفي عام 2024، تم اقتراح قانون جديد يُعرف باسم “مسئولية المنتج الممتدة”، يجبر الشركات على تحمل تكلفة جمع وفرز وتدوير الملابس التي تطرحها في السوق، وفي بداية عام 2025 أصبحت دول الاتحاد الأوروبي ملزمة بجمع النفايات النسيجية بشكل منفصل، مع تعزيز البنية التحتية الخاصة بفرز هذه النفايات، ومراقبة صارمة للصادرات خارج أوروبا.

ورغم أهمية هذه التحركات، فإن القوانين وحدها لا تكفي؛ فالمستهلك ما زال يلعب الدور الأكبر في استمرار الموضة السريعة، وإذا لم يتغير نمط الشراء والطلب المستمر على الجديد، فلن تنجح أي خطة؛ لذلك فإن الحل لا يكمن فقط في إدارة النفايات، وإنما في الحد من إنتاجها منذ البداية، عبر وعي استهلاكي جديد.

تأثير الموضة في التنمية المستدامة

تمتد تأثيرات صناعة النسيج إلى عدد من أهداف التنمية المستدامة بشكل واضح؛ فهي من أكثر القطاعات استهلاكًا للمياه وتلويثًا لها، مما يهدد الهدف (6) المتعلق بالمياه النظيفة، كما ترتبط بالهدف (12) المعني بالإنتاج والاستهلاك المسئولين، نظرًا لأن الموضة السريعة تشجع على الاستهلاك المفرط والهدر، فضلًا عن علاقتها المباشرة بالهدف (13) الخاص بتغيّر المناخ، نظرًا لبصمتها الكربونية المرتفعة وإسهامها المتزايد في الانبعاثات.

وختامًا، تؤكد مؤسسة حماة الأرض أن أزمة الموضة ليست مجرد قضية نفايات أو انبعاثات، وإنما هي مرآة لاختلال أعمق في علاقة الإنسان بالموارد؛ فصناعة الأزياء  -كما تكشف الوقائع- تحولت إلى نموذج لا يُراعي حدود الطبيعة ولا يلتفت إلى الكلفة البيئية التي يدفعها الكوكب مقابل رفاهية استهلاكية قصيرة العمر، وهذا يتطلب إعادة نظر جذرية في أنماط الإنتاج، وفي سلوكيات الشراء والتسويق التي تدفع نحو المزيد بلا توقف.

وإذا كانت أوروبا بدأت بخطوات إصلاحية جادة، فإن النجاح الحقيقي يظل مرهونًا بتحوّل عالمي يعيد تعريف معنى الأناقة في ضوء الاستدامة؛ فالثياب التي نرتديها لا ينبغي أن تكون حملًا إضافيًّا على البيئة أو عبئًا يُصدَّر إلى دول لا تملك أدوات المواجهة، وإنما يجب أن تصبح تعبيرًا عن وعي جديد، يوازن بين الذوق والمسئولية، ويضع مصلحة الكوكب في أولويات كل قرار استهلاكي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى