خطى مستدامة

الاحتياطي المصري الأجنبي.. صعود متواصل يعزز الاستقرار المالي

الاحتياطي المصري

الاحتياطي المصري الأجنبي.. صعود متواصل يعزز الاستقرار المالي

في قلب مشهد اقتصادي عالمي يموج بالتقلبات، يسطع اسم مصر وهي ترفع رايتها فوق أفق مالي أكثر أمانًا، مدعومة بارتفاع تاريخي في احتياطاتها من النقد الأجنبي؛ فلم يعد الأمر مجرد أرقام تتداولها التقارير، وإنما أصبح شهادة ثقة في قدرة الدولة على حماية اقتصادها وتأمين احتياجات شعبها وسط أجواء من التحديات العالمية.

هذا الصعود لم يأتِ صدفة، وإنما هو ثمرة مسار طويل من الإصلاحات، وتنويع مصادر الدخل القومي، وتعزيز قطاعات حيوية كالتصدير والسياحة وتحويلات العاملين بالخارج. ومع كل دولار يضاف إلى رصيد الاحتياطي، تتعزز قدرة البلاد على تمويل وارداتها، وتثبيت سعر عملتها، وحماية سوقها الداخلي من هزات الأسعار.

في ظل ترقب الأسواق العالمية لخطوات البنوك المركزية في مواجهة التضخم وتداعيات الأزمات الجيوسياسية، تمضي مصر بثبات نحو تعزيز مركزها المالي، مستندة إلى سياسات مدروسة وموارد متنوعة، في مشهد يعكس أمنًا اقتصاديًّا وركيزة لاستدامة التنمية وضمانة لمستقبل أكثر استقرارًا.

قفزة تاريخية متوقعة في الاحتياطي المصري

تشير التوقعات الحديثة إلى أن الاقتصاد المصري مقبل على مرحلة توسع ملحوظة في احتياطاته من النقد الأجنبي خلال السنوات الخمس المقبلة، وفق تقديرات المؤسسات المالية الدولية؛ فمن المتوقع أن يقفز حجم الاحتياطي من مستوى 44.9 مليار دولار في العام المالي الحالي إلى نحو 73 مليار دولار بحلول عام 2030، بنسبة نمو تصل إلى 16%، وهو ما يعد تحولًا نوعيًّا في قدرات الدولة على مواجهة التحديات المالية العالمية.

تتوقع البيانات أن يصل الاحتياطي النقدي خلال العام المالي المقبل إلى 49 مليار دولار، بزيادة قدرها نحو 5 مليارات دولار عن مستوياته الحالية، مدفوعًا بارتفاع التدفقات الدولارية من الصادرات وتحويلات العاملين بالخارج. ويواكب ذلك توقعات بزيادة كبيرة في الصادرات المصرية من السلع والخدمات لتصل إلى 103.5 مليار دولار في 2030، مقابل 63.7 مليار دولار هذا العام، مع تسجيل نمو ملحوظ في الواردات أيضًا، وإن كان بوتيرة يمكن التحكم فيها؛ لتبلغ 142.6 مليار دولار في نفس الفترة.

أما على صعيد الحساب الجاري، فتشير التقديرات إلى تراجع العجز بنسبة 30% ليصل إلى 14.2 مليار دولار في العام المالي المقبل، مقارنة بـ 20.2 مليار دولار في العام المالي الحالي؛ مما يعكس تحسنًا في الميزان التجاري وزيادة القدرة على تمويل الاحتياجات الاستراتيجية. ويُتوقع أيضًا أن يحافظ الاقتصاد المصري على مكانته باعتباره ثالث أكبر اقتصاد عربي بحجم يصل إلى 586.9 مليار دولار بحلول 2030.

النقد الأجنبي

مكاسب استراتيجية من تجاوز الاحتياطيات الدولية حاجز الـ49 مليار دولار

وقد شهد شهر يوليو الماضي تسجيل زيادة ملحوظة في صافي الاحتياطيات الدولية لمصر، حيث ارتفعت إلى 49.036 مليار دولار، بزيادة بلغت 336 مليون دولار مقارنة بشهر يونيو. ويأتي هذا الارتفاع مدعومًا بمجموعة من العوامل الإيجابية، أبرزها نمو تحويلات المصريين العاملين بالخارج التي بلغت نحو 32.8 مليار دولار خلال 11 شهرًا فقط، إلى جانب تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة، سواء عبر مشروعات جديدة أو توسعات لمستثمرين قائمين.

كما لعب قطاع السياحة دورًا مهمًا في هذا التحسن، مع ارتفاع الإيرادات السياحية نتيجة انتعاش الحركة السياحية، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية؛ مما أسهم في رفع حجم الصادرات السلعية. هذه التطورات تعني أن الاحتياطي الأجنبي بات يغطي أكثر من 8 أشهر من الواردات، وهو ضعف المعدل العالمي الآمن البالغ 3 أشهر فقط، وهذا ما يعزز الثقة في قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات.

ارتفاع الاحتياطي إلى هذا المستوى يسهم في استقرار سوق الصرف عبر ضمان توفر العملة الصعبة، وهو ما ينعكس على المستوردين والمصنعين من خلال تسهيل الحصول على المواد الخام، وتقليل فترات الإفراج الجمركي عن البضائع في الموانئ، الأمر الذي يزيد من المعروض في السوق ويضغط على الأسعار نحو الانخفاض، وبالتالي تراجع معدلات التضخم.

ولا يقتصر الأثر الإيجابي على الاستقرار النقدي، وإنما يمتد إلى تحفيز التصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات، وهو ما يرفع من تنافسية الصادرات ويقلص العجز التجاري، في مسار يتوافق مع أهداف التنمية المستدامة، التي تدعو إلى تعزيز الإنتاج الوطني وتحقيق الاكتفاء الذاتي.

مصادر دعم الاحتياطي النقدي وأبعاد استدامته

يتكون الاحتياطي النقدي لمصر من مزيج متنوع من الموارد، تشمل عوائد الصادرات، وتحويلات العاملين بالخارج، وإيرادات قناة السويس، وأرصدة الذهب والعملات الأجنبية الأخرى، بالإضافة إلى العائدات السياحية. وقد أسهم تحسن هذه القطاعات مجتمعة في ترسيخ قاعدة الاحتياطي، بما يضمن استمرارية نموه.

وتؤكد الآراء الاقتصادية أن زيادة حجم الاحتياطي تمثل انعكاسًا لقوة المركز المالي للدولة، وتعزز الثقة في الاقتصاد، خاصة مع قدرته على تغطية فترة طويلة من الواردات بما يفوق المعايير الدولية. كما أن هذا الفائض يؤمن احتياجات البلاد من السلع الاستراتيجية، ويحافظ على استقرار المعروض النقدي من العملات الأجنبية في الأسواق.

استدامة هذا النمو تتطلب استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية، وتحفيز الصادرات عبر تحسين جودتها وتنافسيتها، مع تعزيز برامج التسويق الدولي للمنتجات المصرية، ويُضاف إلى ذلك تنمية القطاع السياحي عبر مشروعات مبتكرة تستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم، بما يسهم في رفد الاحتياطي بمصادر دولارية مستمرة.

كما أن ترشيد الإنفاق بالعملة الأجنبية من خلال تقليص استيراد السلع غير الأساسية، مثل الكماليات والمنتجات غير الاستراتيجية، يعزز من قدرة الدولة على الحفاظ على معدلات نمو مستقرة في الاحتياطي، بما يضمن بقاءه أداة فعّالة لدعم الاستقرار الاقتصادي الكلي.

نحو اقتصاد أكثر مرونة واستدامة

توضح البيانات أن البنك المركزي المصري يتبع سياسة متوازنة بين زيادة الاحتياطي النقدي بشكل مستدام والحفاظ على توافر السيولة اللازمة داخل النظام المصرفي، بحيث لا يؤدي السحب من السوق لزيادة الاحتياطي إلى إضعاف النشاط الاقتصادي. هذا النهج يحافظ على استقرار السوق النقدية ويدعم النمو دون التضحية بالسيولة.

البنك المركزي المصري

ومن منظور أوسع، فإن تعميق التصنيع المحلي، وزيادة الاعتماد على الإنتاج الوطني، ودعم الصادرات الصناعية والزراعية، مع التوسع في الصناعات ذات القيمة المضافة العالية مثل التكنولوجيا والدواء، كلها عوامل تدعم النمو المستدام وتقلل من الضغط على الاحتياطي في المستقبل.

وفي النهاية، ترى مؤسسة حماة الأرض أن نمو الاحتياطي النقدي الأجنبي هو مؤشر على مرونة الاقتصاد وقدرته على الصمود، وأداة لدعم استقرار العملة، وخفض التضخم، وتحسين مستوى معيشة المواطنين، وهو ما يتوافق مع رؤية مصر 2030، في ترسيخ أسس تنمية اقتصادية مستدامة تحفظ الموارد وتخدم الأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى