علوم مستدامة

أزمة الاستثمار في التعليم وأثرها على مستقبل التنمية المستدامة

الاستثمار في التعليم

أزمة الاستثمار في التعليم وأثرها على مستقبل التنمية المستدامة

يمثِّل الاستثمار في التّعليم أحد المحركات الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية، لما له من دور مباشر في بناء رأس المال البشري، وتعزيز الإنتاجية، وتوسيع فرص المشاركة في النمو الاقتصادي. غير أن عودة التعليم إلى صدارة النقاش الدولي تعكس قلقًا متزايدًا من اتساع الفجوة بين الطموحات العالمية المعلنة، والقدرة الفعلية على توفير موارد مالية كافية لدعم نظم تعليمية عادلة وشاملة، لا سيما في الدول النامية.

وتكشف النقاشات الدولية أن التعليم قد أصبح عنصرًا حاسمًا في معالجة الفقر، وعدم المساواة، وضعف النمو الاقتصادي. ومن هنا، ينطلق هذا المقال لرصد فجوة الاستثمار في التعليم، وقراءة تداعياتها على فرص التنمية والعدالة، قبل استعراض الحلول الممكنة لتحويل الإنفاق التعليمي من عبء مالي إلى استثمار تنموي طويل الأجل.

فجوة الاستثمار في التعليم بالأرقام

تشير تقديرات دولية حديثة إلى أن نحو 17% فقط من الأهداف المرتبطة بالتعليم ضمن أهداف التنمية المستدامة تسير على المسار الصحيح، في حين تعاني بقية الأهداف من حالة جمود أو تراجع. ويُقدَّر أن تحقيق الهدف الرابع المتعلق بالتعليم الجيد والشامل يتطلب استثمارات سنوية بنحو 461 مليار دولار خلال السنوات المقبلة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.

وتوضح هذه الأرقام أن التحدي يرتبط بفجوة استثمارية حقيقية تعوق تحويل الأهداف إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ. كما تعكس هذه الفجوة تفاوتًا واسعًا بين الدول في قدرتها على الاستثمار في التعليم، ما ينذر بتكريس فجوات تنموية طويلة الأجل. غير أن آثار هذه الفجوة تمتد لتؤثر في مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية ككل.

التعليم من أجل التنمية المستدامة

لماذا يُعد الاستثمار في التعليم ركيزة للتنمية المستدامة؟

يُعد الاستثمار في التّعليم من أكثر الاستثمارات مردودًا على المدى الطويل، إذ يسهم في رفع إنتاجية العمالة، وتحسين فرص الحصول على وظائف لائقة، وتعزيز الابتكار. فكلما تحسنت الموارد الموجهة للتعليم، ازدادت قدرة الأفراد على اكتساب المهارات التي تسمح لهم بالاندماج في سوق العمل وتحسين مستويات دخلهم.

وعلى الصعيد الاجتماعي، يساعد الاستثمار في التعليم الممول بشكل كافٍ على تقليص الفجوات بين الفئات المختلفة، وتعزيز الحراك الاجتماعي، ودعم الاستقرار المجتمعي. كما تُظهر التجارب أن المجتمعات التي تولي الاستثمار في التعليم أولوية حقيقية تكون أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات الاقتصادية والصحية والمناخية. وانطلاقًا من هذا الدور المحوري، يبرز السؤال حول السبل المتاحة لسد فجوة الاستثمار في التعليم بصورة مستدامة.

كيف يمكن سد فجوة الاستثمار في التعليم؟

تشير المقاربات الدولية إلى أن معالجة فجوة الاستثمار في التعليم تتطلب حزمة متكاملة من السياسات، يمكن تلخيص أبرزها في المحاور التالية:

  • تعزيز الإيرادات المحلية

من خلال إصلاح النظم الضريبية، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، ومنح التعليم أولوية واضحة داخل الموازنات الوطنية، بما يضمن توجيه الموارد المتاحة نحو بناء نظم تعليمية أكثر شمولًا واستدامة.

  • دور المؤسسات المالية الدولية وبنوك التنمية

يُنظر إليها باعتبارها شريكًا أساسيًّا في توفير قروض منخفضة التكلفة ودعم مالي موجَّه للدول ذات الموارد المحدودة، بما يساعدها على توسيع الاستثمار في التعليم دون زيادة أعباء الديون غير المستدامة.

  • وفاء الدول المانحة بالتزاماتها الدولية

ولا سيما الالتزام بتخصيص 0.7% من الدخل القومي الإجمالي لتكون مساعدات إنمائية رسمية، مع توجيه جزء أكبر منها لقطاع التعليم، باعتباره استثمارًا طويل الأجل في التنمية البشرية.

  • التنسيق بين السياسات المالية والتعليمية

إذ يُعد التنسيق الفعَّال بين وزارات المالية والتعليم عاملًا حاسمًا لوضع استراتيجيات استثمار طويلة الأجل، تضمن استدامة الإنفاق التعليمي وتوافقه مع الأولويات الوطنية.

ومع أهمية هذه المسارات، يظل الاعتماد على الموارد العامة وحدها غير كافٍ لسد فجوة الاستثمار في التعليم، ما يفتح المجال أمام البحث عن أدوات مبتكرة وشراكات جديدة تعزز الكفاءة والاستدامة، وهو ما يقود إلى دور الابتكار والشراكات في المرحلة التالية.

دور الابتكار والشراكات في دعم الاستثمار في التعليم

إلى جانب الأدوات التقليدية، يبرز الابتكار المالي بوصفه مسارًا مكملًا لسد فجوة الاستثمار في التعليم، عبر آليات تمويل جديدة مثل الشراكات بين القطاعين العام والخاص، والسندات الاجتماعية، وربط جزء من التمويل بنتائج تعليمية قابلة للقياس. كما تتيح الرقمنة فرصًا لخفض تكاليف التعليم وتحسين كفاءته، خاصة في المناطق المحرومة.

وتُظهر التجارب الدولية أن إشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني في هذا النوع من الاستثمار يعزز دور الدولة، من خلال توسيع قاعدة الموارد وتحسين جودة الخدمات التعليمية. وفي هذا السياق، يصبح الاستثمار في التعليم مسؤولية مشتركة تتطلب تنسيقًا واسعًا بين الحكومات والمانحين والقطاع الخاص لضمان استدامته وأثره التنموي.

التنمية المستدامة في التعليم

وفي هذا الإطار، ترى مؤسسة حماة الأرض أن الاستثمار في التعليم يشكّل مدخلًا أساسيًّا لتحقيق تنمية مستدامة أكثر عدالة وشمولًا. فسدُّ فجوة الاسْتثمار في التعليم يتطلب بناء نظم تعليمية مستدامة قادرة على تمكين الأفراد اقتصاديًّا واجتماعيًّا، وتقليص الفقر، والحد من عدم المساواة.

وتؤكد المؤسسة أن جعل الاستثمار في التعليم أولوية حقيقية في السياسات العامة يُعد شرطًا أساسيًّا لتحويل النمو الاقتصادي إلى تحسُّن ملموس في حياة الناس، وضمان مسار تنموي أكثر توازنًا واستدامة للأجيال الحالية والمقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى