علوم مستدامة

الاقتصاد الحضري وتأثيره في تطور النشاط الاقتصادي داخل المدن

الاقصاد الحضري

الاقتصاد الحضري وتأثيره في تطور النشاط الاقتصادي داخل المدن

للمدن في عصرنا الحالي موقع ذو أهمية كبرى، من حيث كونها محركًا رئيسيًّا من محركات الاقتصاد الحضري والاقتصاد العالمي كله، وهو مما يتوازن توازنًا واضحًا مع تلك الجهود الدولية الخاصة بتحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030.

لذلك نتناول معكم في السطور القادمة مفهومَ الاقتصاد الحضري، موضحينَ مدى تأثيره الإيجابي في المدن ليحولها إلى مدن مستدامة، لا لتحقيق النمو الاقتصادي فحسب، وإنما لتحقيق جميع أهداف التنمية المستدامة السبعة عشرة؛ فتابعوا القراءة.

ما الاقتصاد الحضري؟

هذا النوع من الاقتصاد -أي الاقتصاد الحضري- مسار خاص بآليات عمل الاقتصاد الكليِّ داخل المساحات الحضرية، ويقود التوجهات التنموية التي تعمل على تحقيقها المدن -تحديدًا المدن المستدامة– حيث يهتم بتحليل القضايا الاقتصادية المرتبطة بالمناطق الحضرية، مثل الإسكان، والنقل.

ويركز هذا المجال على البعد المكاني للنشاط الاقتصادي؛ أي العلاقة بين الموقع الجغرافي وتوزيع الموارد والأُسر والشركات داخل المدينة الوحيدة، وهذا في ظل ما تشير إليه التقارير العالمية الخاصة بعام 2025، التي أكدت أنَّ حوالي 68% من سكان العالم يعيشون في المناطق الحضرية.

ما الاقتصاد الحضري؟

نموذج المدينة التقليدية

ولإدراك طبيعة الاقتصاد الحضري لنا أنْ نعلم أنَّ التحليل الحضري كان في الماضي معتمدًا على نموذج المدينة أحادية المركز، وهو النموذج الذي كان يفترض وجودَ منطقة أعمال مركزية تحيط بها مناطق سكنية. وبالرغم من أنَّ هذا النموذج أسهم في تفسير كثير من الظواهر الحضرية، فإنَّ تطورَ وسائل النقل والاتصال منعه من تفسير الواقع المعاصر على نحوٍ دقيقٍ، وذلك حينما كان السكن محصورًا في مركز واحد.

ومع توسع المدن وزيادة الامتداد العمراني وتغير أنماط الإنتاج، ظهرت نماذج تفسر الطابع ذا المراكز المتعددة للمدن الحديثة، فضلًا عن ارتباط هذا التحول الحضري بعوامل عدة متشابكة، من بينها:

  • انخفاض تكاليف الأراضي في المناطق الواقعة على أطراف المدن.
  • ظهور تجمعات اقتصادية جديدة تتمركز حول الكثافة السكانية.

قوى السوق وتشكُّل المدن

مما سبق، يظهر لنا أنَّ لقوى السوق دورًا محوريًّا في تحديد مواقع الشركات ومناطق تجمُّع السكان والأُسر، وهو ما ينعكس بصورة واضحة على حجم المدن وتركيبها الاقتصادي؛ فعندما تتجمع أنشطة اقتصادية متشابهة في منطقة واحدة تنشأ أقاليم حضرية متخصصة، وهو ما يعرف بـ”التجمع الصناعي أو الاقتصادي”.

ومن بين أبرز الأمثلة على ذلك: وادي السيليكون في كاليفورنيا بالولايات المتحدة، حيث تجمعت شركات التكنولوجيا الكبرى مثل Apple وGoogle وIntel وFacebook ضمن مساحة محددة، وعندئذٍ وفَّر هذا بيئة حاضنة للابتكار وريادة الأعمال، وزاد من فرص التعاون بين الشركات والجامعات والمستثمرين.

دعم جوجل يمثّل إشارة قوية لسلاسل الإمداد ومجتمع الاستثمار بأن طاقة الاندماج النووي باتت قابلة للتحقيق

النقل الحضري وتأثيره الاقتصادي

وأمَّا عن أبرز عناصر الاقتصاد الحضري فهو مجال النقل الحضري، الذي يؤثر تأثيرًا مباشرًا في سهولة الوصول إلى التعليم، الخدمات، والأسواق داخل المدن، وهو ما يعزز الإنتاجية، ويقلل من تكاليف الوقت والتشغيل على الأفراد والشركات.

ويربط النقل بين المناطق الجغرافية، ويمكِّن -وهو الأهم- القوى العاملة من الوصول إلى وظائفها، ويزيد من كفاءة استخدام الموارد الاقتصادية؛ لذا يُعد النقل الحضري أحد دعامات التنمية الاقتصادية المستدامة.

وفي هذا السياق، تشير دراسة نشرتها جمعية النقل العام الأمريكية (APTA) إلى أنَّ الاستثمارات الكبيرة في قطاع النقل الحضري ضرورية لدعم النمو الاقتصادي المستدام، مع توقعات بأنَّ كل دولار يُستثمر في بنية النقل الحضري المستدام قد يُدرُّ أكثر من 5 دولارات مع فوائد اجتماعية في بعض الدول، خاصة في الدول النامية.

في المقابل، فإنَّ تكلفة التغاضي عن تطوير النقل الحضري تَظهرُ بجلاءٍ في عواقبَ صحية واقتصادية فادحة! مثل تلوث الهواء الذي قد يتسبب في حدوث ملايين الوفيات المبكرة داخل المدن، وهو ما يرفع من التكاليف الصحية، ويقلل من الإنتاجية.

وفي الختام يظهر لنا مما سردته مؤسسة حماة الأرض في هذا المقال أنَّ الاقتصاد الحضري له دوره البالغ وإسهامه الواضح في تعزيز المدن؛ فهو إطار تحليلي متكامل يربط بين الموقع الجغرافي، تراكم الموارد، وتوزيع السكان والشركات، مع التأثير العميق في قوى السوق.

وبذلك يقدم هذا المفهوم فرصة لتحقيق جميع أهداف التنمية المستدامة؛ حتى تستطيعَ المدنُ أنْ تتحول إلى فضاءات مستدامة، قادرة على مواجهة تحديات التحضر السريع، والتغير المناخي، والضغط على الموارد، مع ضمان أنْ يسهم النمو الاقتصادي في تحسين جودة حياة الجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى