كيف يعيد الاقتصاد الدائري تشكيل سلاسل توريد الطاقة النظيفة؟

كيف يعيد الاقتصاد الدائري تشكيل سلاسل توريد الطاقة النظيفة؟
يبرز الاقتصاد الدائري اليوم بوصفه أحد المفاهيم الأساسية في خضم التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، مع اتجاه الدول لتوسيع الاعتماد على الكهرباء والتقنيات منخفضة الانبعاثات. فهذا التحول لا يقوم على مصادر الطاقة وحدها، وإنما يعتمد مباشرةً على معادن حرجة تشكِّل المكوِّن الأساسي للبطاريات، والمركبات الكهربائية، والألواح الشمسية، وشبكات الكهرباء الحديثة.
ويشير مفهوم المعادن الحرجة إلى تلك المعادن التي يعتمد عليها التحول للطاقة النظيفة، بوصفها مكونات أساسية لمعظم التقنيات المرتبطة بها، فمع الارتفاع السريع في الطلب على هذه التقنيات، لم يعد تأمين تلك المعادن ممكنًا بالاعتماد على الاستخراج التقليدي فقط، ليظهر الاقتصاد الدائري حلًّا عمليًّا يتيح إعادة استخدام هذه المعادن بعد انتهاء دورة حياتها، ويوفر كميات إضافية منها، ويعزز مرونة سلاسل الإمداد اللازمة لاستمرار التحول نحو الطاقة النظيفة.
وفي ضوء هذا الترابط بين التحول للطاقة النظيفة وتأمين المعادن اللازمة لها، ينتقل هذا المقال إلى تفكيك التحديات التي تواجه سلاسل توريد المعادن الحرجة عالميًّا، ولماذا أصبحت أحد القيود الرئيسية أمام تسريع نشر تقنيات الطاقة النظيفة. كما يتناول كيفية تقديم الاقتصاد الدائري بديلًا عمليًّا لتعزيز مرونة الإمدادات، عبر إعادة التدوير واستعادة الموارد وتقليل الاعتماد على التعدين الأولي، قبل أن يستعرض الشروط التنظيمية والاستثمارية المطلوبة لتوسيع هذا النموذج على نطاق دولي، ودوره في دعم أمن الطاقة والتنمية المستدامة.
الاقتصاد الدائري مدخل لتأمين المعادن الحرجة عالميًّا
أكدت مخرجات مؤتمر المناخ COP30، الذي عُقد في نوفمبر 2025 بمدينة بيليم البرازيلية، وجود إجماع دولي على ضرورة تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة خلال العقد المقبل، عبر رفع الطموحات المناخية وتعزيز مسارات الكهرباء. وبرغم ذلك فقد ظهرت نقطة ضعف مركزية في هذا المسار، أفادت بأن تحقيق هذه الأهداف يظل مرهونًا بقدرة الدول على تأمين إمدادات مستقرة ومستدامة من المعادن الحرجة، ما يعيد طرح الاقتصاد الدائري باعتباره ضرورةً تنمويةً وصناعية لضمان استمرارية التحول للطاقة النظيفة.

وفي هذا الإطار، تعهَّدت دول عدة بتعزيز المساهمات الوطنية المحددة (NDCs)، وهي الخطط التي تترجم التزامات اتفاق باريس إلى سياسات وطنية لخفض الانبعاثات، وتوسيع استخدام الطاقة النظيفة، والتكيُّف مع آثار التغير المناخي. إلا أن توسيع هذه الالتزامات كشف في الوقت نفسه عن هشاشة سلاسل التوريد العالمية، خاصة تلك المرتبطة بالموارد المعدنية الحرجة المستخدمة في التقنيات النظيفة، لينتقل النقاش من مستوى التعهدات المناخية إلى سؤال التنفيذ الصناعي الفعلي، وقدرة الاقتصادات على تأمين متطلبات التحول دون التعرض لاختناقات هيكلية.
وبحسب تقرير Global Critical Minerals Outlook الصادر عن وكالة الطاقة الدولية، تبين أن الطلب الزائد على البطاريات، والمركبات الكهربائية، وتقنيات الطاقة الشمسية، وشبكات الكهرباء، سيؤدي لزيادة متوقعة في الطلب على الليثيوم والنيكل والكوبالت والجرافيت والعناصر الأرضية الحرجة. غير أن المعروض من هذه المعادن لا يزال شديد التركز جغرافيًّا، وفي أيدي عدد محدود من الدول والشركات، ما يحوِّل مسألة الإمدادات من قضية سوقية إلى تحدٍّ يرتبط مباشرة بأمن الطاقة والقدرة الصناعية.
ومن هنا، تتغير الأولوية بعد COP30 من مجرد توسيع قدرات التوليد إلى بناء سلاسل توريد أكثر مرونة وقدرة على الصمود أمام الصدمات الجيوسياسية والتجارية، تمهيدًا للبحث عن بدائل أكثر استدامة للإمداد التقليدي، وفي مقدمتها النماذج التي يتيحها الاقتصاد الدائري.
لماذا لا يكفي التعدين وحده؟
مع تسارع التحول في مجال الطاقة، تتزايد الضغوط الناتجة عن تقلب الأسعار، والقيود التجارية، وتشديد المعايير البيئية، وتأخر مشروعات التعدين الجديدة، ما يجعل تلبية الطلب المتزايد عبر التعدين الأولي فقط أمرًا بالغ الصعوبة. ومع اعتماد الدول بشكل أكبر على مواردها المحلية من الطاقة النظيفة، تتحول استدامة سلاسل توريد المعادن الحرجة إلى أولوية وطنية ترتبط بأمن الطاقة والقدرة الصناعية، لا مجرد قرار تجاري للشركات.
وفي هذا السياق، يقدِّم الاقتصاد الدائري مسارًا عمليًّا لتجاوز هذه القيود، عبر استعادة المعادن وإعادة تدويرها من مصادر تُعد تقليديًّا نفايات، مثل الألواح الشمسية المستهلكة، والبطاريات، والمخلفات الصناعية. ولا يقتصر أثر هذا المسار على تعزيز مرونة سلاسل الإمداد؛ فإنه يتماشى كذلك مع أهداف COP30 المتعلقة بخفض الانبعاثات، وحماية التنوع البيولوجي، وكفاءة استخدام الموارد. ومع الانتقال من مجرد “إعادة تدوير” إلى بناء مصدر ثانٍ للإمداد، تتراجع مخاطر التركز الجغرافي للموارد، ويتعزز أمن التحول في مجال الطاقة عالميًّا.
ومن هنا، نجد أن دور الاقتصاد الدائري يمتد ليؤثر في كفاءة الصناعة واستقرار سلاسل التوريد، وهو ما يفتح المجال لفهم كيف يمكن لهذا النموذج أن يمنح سلاسل توريد الطاقة النظيفة ميزة تنافسية عملية.
كيف يخلق الاقتصاد الدائري ميزة تنافسية؟
يمتد دور الاقتصاد الدائري ليصبح أداة فاعلة في تعزيز التنافسية الصناعية، وتقوية أمن الإمدادات، وتخفيف المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بسلاسل توريد المعادن الحرجة. فمن خلال إعادة تصميم تدفقات الموارد، يقدِّم هذا النموذج مزايا ملموسة للدول والشركات العاملة في قطاعات الطاقة النظيفة.
- خفض الانبعاثات والامتثال للمعايير الكربونية العالمية
تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن استعادة المعادن الحرجة عبر إعادة التدوير تخفِّض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنحو 80% مقارنة بالتعدين التقليدي، ما يمنح سلاسل الإمداد منخفضة الكربون أفضلية تنافسية متزايدة في ظل تشديد اللوائح والمعايير البيئية عالميًّا. - تقليل التعرض للمخاطر الجيوسياسية والسوقية
الاعتماد على الموارد الثانوية بدلًا من المناجم الأولية شديدة التركز جغرافيًّا يخفف من مخاطر القيود التصديرية، والتقلبات السياسية، واضطرابات الأسواق العالمية. - مواكبة متطلبات السوق العالمية
مع تصاعد تأثير معايير الاستدامة على قرارات الاستثمار والشراء والتنظيم، يتيح استخدام المعادن المعاد تدويرها لموردي البطاريات والمركبات الكهربائية والطاقة الشمسية الوصول إلى أسواق أوسع تبحث عن مواد أقل أثرًا مناخيًّا وأكثر توافقًا مع متطلبات الاستدامة.

وتكشف هذه المسارات مجتمعة أن الاقتصاد الدائري قادر على إعادة صياغة التنافسية الصناعية في قطاع الطاقة النظيفة. تحويل هذه الإمكانات من نماذج ناجحة محدودة إلى ممارسة واسعة النطاق يطرح تحديات تتعلق بالسياسات، والاستثمار، والبنية المؤسسية اللازمة لتطبيقه على أرض الواقع.
ما الذي يتطلبه توسيع الاقتصاد الدائري؟
يتطلب توسيع الاقتصاد الدائري شراكة وثيقة بين الحكومات والصناعة. فأنظمة جمع المنتجات في نهاية عمرها التشغيلي، والاستثمار في البنية التحتية لإعادة التدوير والتنقية، يشكِّلان الأساس لتحويل الموارد الثانوية إلى مدخلات موثوقة للتصنيع المتقدم.
كما تُعد الأطر التنظيمية الواضحة عنصرًا حاسمًا لوضع معايير جودة المواد المعاد تدويرها، وتنظيم انتقالها عبر الحدود، وحساب بصمتها الكربونية، وتحديد مسئوليات المنتجين. ويوازي ذلك دورٌ محوري للتكنولوجيا والابتكار، حيث تمثل العمليات عالية الكفاءة ومنخفضة الانبعاثات شرطًا للتعامل مع تيارات نفايات معقدة. ومع تلاقي السياسات والتكنولوجيا وحوافز السوق، يصبح الاقتصاد الدائري ركيزة للاستراتيجية الصناعية، لا مبادرة بيئية هامشية.

وختامًا، يعتمد مستقبل تنافسية الطاقة النظيفة على قدرة الدول على تأمين المعادن التي تقوم عليها هذه التقنيات وإدارتها بكفاءة على المدى الطويل. فدمج الاقتصاد الدائري في السياسات الصناعية وحوكمة سلاسل التوريد، إلى جانب تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، يمنح الاقتصادات قدرة أكبر على دعم التحول للطاقة النظيفة بشكل مستقر ومستدام.
وفي هذا الإطار، ترى مؤسسة حماة الأرض أن تعزيز الوعي بدور الاقتصاد الدائري يسهم في دعم أهداف التنمية المستدامة، من خلال الربط بين أمن الطاقة، والتنمية الصناعية المسؤولة، والحفاظ على الموارد للأجيال المقبلة.




