الاستدامة والقانون

واشنطن تعتزم إلغاء قرار تنظيم الانبعاثات الكربونية وسط جدل علمي وقانوني

الانبعاثات الكربونية

واشنطن تعتزم إلغاء قرار تنظيم الانبعاثات الكربونية وسط جدل علمي وقانوني

في وقت تتصاعد فيه الضغوط المرتبطة بالتحول المناخي عالميًّا، وتزداد فيه أهمية الأطر التنظيمية لضبط الانبعاثات الكربونية، تشهد الولايات المتحدة تطورًا قانونيًّا قد يعيد رسم حدود السياسة البيئية الفيدرالية. فالتنظيم المناخي في أكبر اقتصاد في العالم بات يرتبط باستقرار الأسواق، وتوجهات الاستثمار، ودور الحكومة في إدارة المخاطر طويلة الأجل.

في هذا السياق، تتجه الإدارة الأمريكية إلى إلغاء القرار التنظيمي الصادر عام 2009 الذي شكَّل الأساس القانوني لفرض قيود على الانبعاثات الكربونية بموجب قانون الهواء النظيف. هذا القرار، المعروف باسم “Endangerment Finding”، منح وكالة حماية البيئة صلاحية تنظيم الغازات الدفيئة بعد اعتبارها تهديدًا للصحة العامة والبيئة. ومع إعلان إلغاء هذا الإطار، تدخل السياسة المناخية الأمريكية مرحلة جديدة تتداخل فيها الاعتبارات القانونية والاقتصادية والعلمية، وسط توقعات بمواجهته طعونًا قضائية قد تعيد رسم ملامح التنظيم البيئي في البلاد.

القرار المعلن لا يقتصر على تعديل إداري محدود، إذ يمس حجر الأساس الذي بُنيت عليه معايير انبعاثات السيارات ومحطات توليد الكهرباء طوال أكثر من عقد. وفي ظل استمرار الجدل حول كلفة التنظيم وجدواه، تتسع دائرة النقاش لتشمل أثر هذه الخطوة على الأسواق والاستثمار واستقرار السياسات العامة.

أساس قانون تنظيم الانبعاثات الكربونية 2009

يرتبط تنظيم الانبعاثات الكربونية بالإطار القانوني الذي أرساه “قانون الهواء النظيف” الصادر في سبعينيات القرن الماضي، والذي يمنح وكالة حماية البيئة صلاحية تنظيم الملوثات الضارة بالصحة العامة. حيث إنه في عام 2007، قضت المحكمة العليا الأمريكية بأن الغازات الدفيئة تندرج ضمن تعريف “الملوثات” الوارد في هذا القانون، ما فتح الباب أمام إخضاعها للرقابة التنظيمية.

وبناءً على هذا الحكم، أصدرت الوكالة عام 2009 تقرير “Endangerment Finding” الذي أعدَّه 31 خبيرًا في علوم المناخ، وراجعته جهات فيدرالية من بينها وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) والإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي. وخلص التقرير إلى أن ستة أنواع من الغازات الدفيئة، في مقدمتها ثاني أكسيد الكربون، تشكل خطرًا على الصحة العامة والأجيال الحالية والمقبلة.

هذا التقييم وفَّر الأساس القانوني لتطبيق معايير الانبعاثات على المركبات ومحطات توليد الكهرباء، وأصبح ركيزةً للسياسات المناخية الفيدرالية خلال العقد الماضي. وبمرور الوقت، أسهم الاستقرار التنظيمي الناتج عنه في توجيه استثمارات قطاعي الطاقة والنقل نحو تقنيات أقل كثافة كربونية. غير أن هذا الاستقرار التنظيمي يواجه اليوم اختبارًا جديدًا مع إعلان الإدارة نيتها إلغاء الأساس الذي استندت إليه تلك السياسات.

ثاني أكسيد الكربون

قرار الإلغاء وأبعاده الاقتصادية

وصفت الإدارة الحالية إلغاء القرار بأنه خطوة واسعة في اتجاه تقليص القيود التنظيمية، معتبرة أن إزالة معايير الانبعاثات قد تخفف الأعباء عن الصناعة والمستهلكين. ويشمل مشروع الإلغاء أيضًا إلغاء جميع معايير انبعاثات المركبات الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، إضافة إلى التشكيك في صلاحية الوكالة لفرض أي معايير تتعلق بالمناخ.

غير أن هذا الطرح يقابله جدل اقتصادي حول التكلفة طويلة الأجل لارتفاع الانبعاثات الكربونية. فقد أشارت تقديرات من منظمات بيئية إلى أن التكلفة الاجتماعية المتراكمة للانبعاثات الصادرة عن الشركات الأمريكية قد تصل إلى 87 تريليون دولار، إذا أُخذ في الاعتبار أثرها على الصحة والبنية التحتية والكوارث المناخية. وبين من يرى أن خفض القيود يعزز القدرة التنافسية، ومن يحذر من كلفة التراخي التنظيمي، تتبلور معادلة اقتصادية معقدة ترتبط بمستقبل الاستثمار في الطاقة.

الجدل العلمي والطعن القانوني

استندت الخطوة الحالية إلى تقرير صدر العام الماضي قلل من مخاطر الاحترار العالمي، وأشار إلى آثار إيجابية مزعومة لزيادة ثاني أكسيد الكربون على نمو النباتات. غير أن محكمة فيدرالية قضت مؤخرًا بأن وزارة الطاقة انتهكت قانون اللجان الاستشارية لعام 1972 من خلال تشكيل مجموعة عمل بصورة سرية لتقديم توصيات سياسية، ما أضفى بعدًا قانونيًّا إضافيًّا على الملف.

يتوقع محللون أن يواجه إلغاء تنظيم الانبعاثات الكربونية طعونًا أمام محكمة الاستئناف في واشنطن، مع ترجيح حسم النزاع في المحكمة العليا. ويثير هذا المسار القضائي تساؤلات حول استقرار الإطار التنظيمي، إذ إن تغير القواعد المنظمة يخلق حالة من عدم اليقين للقطاعات الخاضعة للرقابة، ويؤثر في قرارات الاستثمار طويلة الأجل. ومع اتساع نطاق الجدل القانوني، يبرز سؤال أعم يتعلق باتجاه المناخ في الولايات المتحدة.

المسار العام للمناخ في الولايات المتحدة الأمريكية

رغم التحول على المستوى الفيدرالي، تواصل العديد من الولايات الأمريكية تبني سياسات لخفض الانبعاثات الكربونية. وتشير بيانات إلى أن 26 ولاية، تمثل نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي ونسبة مماثلة من الانبعاثات، تلتزم بأهداف تتماشى مع التعهدات المناخية السابقة. هذا الواقع يكرِّس ازدواجية في المسار التنظيمي بين المستوى الاتحادي ومستوى الولايات.

تعدد الأطر التنظيمية قد يخلق تحديات للشركات العاملة على مستوى وطني، لكنه يعكس أيضًا استمرار التوجه نحو سياسات مناخية محلية تسعى للحفاظ على استثمارات الطاقة النظيفة وتعزيز مرونة الاقتصاد أمام مخاطر التغير المناخي.

تغير المناخ

في الختام، يضع الجدل الدائر حول الانبعاثات الكربونية السياسة الأمريكية أمام اختبار قانوني ومؤسسي جديد. فالمسألة تتجاوز قرارًا إداريًّا إلى إعادة تقييم لدور الحكومة الفيدرالية في تنظيم ملف المناخ، وسط تداخل بين الاعتبارات الاقتصادية والعلمية والقضائية.

وترى مؤسسة حماة الأرض أن إدارة ملف الانبعاثات الكربونية تتطلب مقاربة قائمة على الاتساق والاستمرارية، بحيث لا تتحول السياسات البيئية إلى رهينة التغيرات الدورية في القرار السياسي. فوضوح الاتجاه العام في قضايا المناخ يعزز قدرة المؤسسات على التخطيط طويل الأجل، ويمنح المجتمع إطارًا أكثر استقرارًا للتعامل مع المخاطر المرتبطة بتغير المناخ. ومع تطور المسار القضائي، يظل التحدي قائمًا في الحفاظ على نهج متوازن يجمع بين حماية الصحة العامة وضمان استقرار القواعد المنظمة للعمل المناخي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى