أخبار الاستدامة

إغلاق حكومي في الولايات المتحدة يهدد الاستقرار الاقتصادي والخدمات العامة

إغلاق حكومي

إغلاق حكومي في الولايات المتحدة يهدد الاستقرار الاقتصادي والخدمات العامة

دخلت الولايات المتحدة الأمريكية فجر الأربعاء الماضي أولَ إغلاق حكومي شامل منذ ما يقرب من سبع سنوات، بعدما فشل الحزبانِ الجمهوري والديمقراطي في التوصل إلى اتفاق حول قوانين تمويل السنة المالية الجديدة؛ ونتيجة لذلك أمر مكتب الميزانية في البيت الأبيض الوكالات الفيدرالية ببدء تنفيذ خطط الطوارئ المتعلقة بانقطاع التمويل.

ولذلك سوف تتناول مؤسسة حماة الأرض ما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية من إغلاق حكومي بقراءة معمقة لأبعاده، مبرِزةً كيف يمكن أنْ ينعكس الإغلاق الحكومي على مسار أهداف التنمية المستدامة، بما فيها العمل اللائق، الحد من الفقر، الصحة العامة؛ فتابعوا القراءة.

إغلاق حكومي منذ 1980

لقد شهدت الولايات المتحدة أكثر من حالة إغلاق حكومي منذ 1980، وجميعها توضح أنَّ القضية لا تتعلق بخلافات سياسية ظرفية فقط، بل تمتد لتؤثر تأثيرًا عميقًا في المجتمع واقتصاده؛ لأنَّ الأدلة السابقة -مثل إغلاق 2018–2019 الذي كلَّف الاقتصاد نحو 8 مليار دولار- تبرهن على أنَّ تعطيل المؤسسات يؤثر في النمو والاستثمار والاستقرار الاجتماعي.

وانطلاقًا من هذه الوقائع، يمكن قراءة الأزمة الحالية على أنها اختبار حقيقي لقدرة النظام المؤسسي على الاستجابة للتحديات؛ مما يستدعي الربط بينها وبين أهداف التنمية المستدامة، التي تمثل إطارًا جامعًا لحماية الحقوق وضمان النمو المتوازن.

إغلاق حكومي منذ 1980

انعكاسات اجتماعية واقتصادية

لكنَّ التأثير يتجاوز ذلك إلى مسار أعمق على محورينِ اثنينِ؛ هما:

التأثير الاجتماعي

إنَّ تعليق رواتب الموظفين الفيدراليين مؤقتًا يترك آلاف الأُسر بلا مصدر دخل ثابت، وهو ما يضاعف الضغوط الاجتماعية، ويقوِّض الهدف رقم (10) من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالحد من أوجه عدم المساواة.

من جهة أخرى، أدَّى قرار دونالد ترامب في عمل إغلاق حكومي إلى تعطيل صرف التعويضات لمشروعات النقل -خاصةً مشروع نفق هدسون- فيما بررت إدارته ذلك بأنه يرفض برامج “التنوع والإنصاف والشمول”؛ مما جعل الأزمة تجمع بين البعد السياسي والمالي والتنموي، في معارضة صريحة لمبدأ تعزيز العدالة بين جميع الفئات.

التأثير الاقتصادي

وأمَّا على الجانب الاقتصادي فإنَّ تعليق الرواتب أو وضع آلاف الموظفين في إجازات غير مدفوعة يؤدي إلى تراجع الإنفاق الاستهلاكي، ويضغط على الناتج المحلي؛ فلقد أظهر تقرير مكتب الميزانية بالكونجرس أنَّ إغلاق 2018 – 2019 الذي كلَّف الاقتصاد الأمريكي مليارات الدولارات تسبب في حدوث خسائر دائمة بسبب تراجع النشاط الاقتصادي.

المؤسسات تحت الضغط

من زاوية مؤسسية يكشف الإغلاق هشاشة آليات صنع القرار في واحد من أكبر الاقتصادات العالمية؛ فإنَّ تعطيل الوكالات الحكومية أو صدور تعليمات لإعداد “خطط تسريح” يضرب الثقة في سيادة القانون والأطر الإدارية. وهذا يتعارض مع الهدف 16 (السلام والعدل والمؤسسات القوية)، والذي يدعو إلى تنمية القدرات المؤسسية بما يعود بالنفع على المواطنين كافةً.

النمو الاقتصادي

خدمات حيوية متوقفة وأخرى مستمرة

وبينما تواصل قطاعات أساسية عملها -مثل الجيش والأمن وتفتيش الأغذية- تتأثر خدمات أخرى مرتبطة بالمواطنين، مثل مكاتب الجوازات والإدارات الضريبية.

وبالنسبة إلى الوكالات الصحية مثل “CDC” ” NIH” فإنها ستواجه تخفيضات كبيرة في أعداد الموظفين في أثناء الإغلاق؛ ما يحدُّ من القدرة على الاستجابة للأزمات الصحية. وهذا يهدد الهدف رقم (3) الصحة الجيدة والرفاه.

أزمة تتجاوز السياسة

ويكشف هذا الإغلاق عمق الأزمة السياسية التي تشهدها البلاد خلال الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، حيث يهدد بتسريح نحو 750 ألف موظف فدرالي، ويكلف الاقتصاد الأميركي مليارات الدولارات نتيجة خسائر الإنتاج.

وذلك يعكس الوضع الحالي لأهداف التنمية المستدامة في الإدارة الجديدة التي تقود الولايات المتحدة الأمريكية؛ لأنَّ تعطيلَ الرواتب، وتأخيرَ البيانات الاقتصادية، وإضعافَ الثقة في المؤسسات؛ كلها عوامل تُظهر أنَّ غياب الحلول التوافقية يقوِّض التنمية بشكل أو بآخر.

أزمة تتجاوز السياسة

ماذا بعدُ؟

ولإنقاذ الموقف والحفاظ على مسار التنمية المستدامة، تبرز الحاجة إلى حلول عاجلة تقوم على استمرار صرف المزايا الاجتماعية الأساسية عبر آليات طوارئ، كما يمكن تعزيز الاستقرار عبر إقرار تشريع يضمن التمويل التلقائي للمؤسسات في حال تعثر الموازنة، وتخصيص تمويل مستقل للإحصاءات الوطنية.

وعلى المدى الأطول، فإنَّ إعادة هيكلة عملية إعداد الموازنة وفرض عقوبات على التأخير، إلى جانب حماية برامج الضمان الاجتماعي، تعد خطوات جوهرية لضمان مؤسسات قوية قادرة على مواجهة الأزمات دون المساس بالتنمية.

في النهاية، فإنَّ أيَّ إغلاق حكومي يقدم درسًا قاسيًا بأنَّ الاستقرارينِ الاجتماعي والاقتصادي لا ينفصلانِ عن قوة المؤسسات ومرونتها. ومن منظور أهداف التنمية المستدامة يتضح أنَّ هذا التعطيل يترك أثرًا عميقًا على أسواق العمل، والعدالة الاجتماعية، والصحة العامة.

لذلك تشدد مؤسسة حماة الأرض على ضرورة إدخال إصلاحات عاجلة وهيكلية لحماية استمرارية الخدمات والبيانات، والعمل على حماية المجتمعات من آثار القرارات السياسية القصيرة الأمد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى