عدم المساواة الاقتصادية.. حين تتركز الثروة في يد فئة محدودة
يشكل عدم المساواة الاقتصادية اليومَ إحدى القضايا المحورية التي تؤثر تأثيرًا مباشرًا في حياة ملايين البشر حول العالم؛ ففي ظل نمو اقتصادي عالمي غير متوازن، تتسع الفجوة بين مَن يملكون نصيبًا وافرًا مِن الثروة ومَن يواجهون صعوبات متزايدة عند تحسين أوضاعهم المعيشية؛ وهو ما يسلط الضوء على مسألة عدالة توزيع ثمار النمو لخدمة المجتمعات على نحوٍ شامل.
مِن هنا، تكشف تقارير دولية حديثة حول عدم المساواة في توزيع الثروات عن اختلال غير مسبوق؛ فإنَّ ثروات ضخمة تتركز في يد شريحة محدودة للغاية من سكان العالم، في مقابل تراجع قدرة الغالبية على الاستفادة من التحسن الاقتصادي العام.
وانطلاقًا من هذه المعطيات، يتناول هذا المقالُ عدمَ المساواة الاقتصادية من زوايا متعددة، عبر توضيح مفهومها، واستعراض حجمها بالأرقام، وتحليل آثارها الاجتماعية والمناخية، وصولًا إلى مناقشة دور السياسات العامة في التعامل معها والحد من تداعياتها.
يشير مفهوم عدم المساواة الاقتصادية إلى الفجوات الواسعة بين الأفراد والمجتمعات فيما يتعلق بالدخل الاقتصادي، والثروة، وفرص التعليم الجيد والعمل اللائق، والوصول إلى الخدمات الأساسية. وبينما يُنظر أحيانًا إلى بعض مستويات التفاوت باعتبارها أمرًا طبيعيًّا في أي اقتصاد، فإنَّ المشكلة تبدأ حين يتحول هذا التفاوت إلى فجوة دائمة ومتصاعدة، تعيق الحراك الاجتماعي، وتجعل تحسين الأوضاع المعيشية أمرًا بالغ الصعوبة للأغلبية، وتتضح خطورة هذا الخلل عند النظر إلى الأرقام التي ترصد حجم تركُّزِ الثروة عالميًّا.
أرقام تكشف حجم الخلل
في هذا السياق، تكشف بيانات موثوقة صادرة عن تقرير عدم المساواة في العالم (World Inequality Report 2026)، الذي يُعد أحد أهم المراجع الدولية في هذا المجال، عن مستوى بالغ الخطورة من التركز غير العادل للثروة عالميًّا؛ إذ تُظهر البيانات أنَّ واحدًا من كل مئة ألف إنسان حول العالم -وهم شريحة بالغة الصِغر من الأثرياء- يملكون ثروة تساوي 3 أضعاف ما يمتلكه 50% من سكان العالم مجتمعين. وبعبارة أبسط، فإنَّ نحو 60 ألف إنسان فقط على مستوى العالم يسيطرون على ثروة أكبر مما تملكه نصف البشرية!
ولا يتوقف الخلل عند هذا الحد؛ فإنَّ التقديرات تظهر أنَّ نصف سكان العالم -تقريبًا- لا يحصلون إلا على جزء محدود من ثمار النمو الاقتصادي، بالرغم من الارتفاع المستمر في حجم الثروة العالمية؛ ففي الوقت الذي تزداد فيه ثروات كبار المُلَّاك بوتيرة متسارعة، تظل دخولُ ملايين الأسر راكدة أو غير قادرة على مواكبة ارتفاع تكاليف المعيشة.
وتكمن خطورة هذه الأرقام في أنها تعكس مسارًا اقتصاديًّا لا يترجم النمو إلى تحسُّن واسع في مستويات المعيشة، ويعمق الفجوة بين القِلةِ الشديدةِ الثراء والغالبية، ويؤثر تأثيرًا سلبيًّا في جهود تحقيق الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة: العمل اللائق ونمو الاقتصاد.
ومع اتساع هذه الفجوة تتجلى مظاهر عدم المساواة الاقتصادية في آثار متعددة تمس بنية المجتمعات في جميع أنحاء العالم، وتوزيع فرص العمل اللائق بين النساء والرجال، وطريقة تحمل الفئات المختلفة لتداعيات ظاهرة التغير المناخي.
آثار وتداعيات عدم المساواة الاقتصادية
تمتد آثار عدم المساواة الاقتصادية لتشمل المجتمع كله، فتؤثر في فرص التعليم والعمل، وتنعكس على المساواة بين الرجل والمرأة، وتؤثر في قدرة المجتمعات على التعامل مع الأزمات الكبرى، وفي مقدمتها أزمة المناخ.
أولًا- الآثار الاجتماعية
يؤدي عدم المساواة الاقتصادية إلى تراجع فرص التعليم والعمل الجيد، وزيادة الشعور بالإقصاء بين فئات واسعة من المجتمع؛ فحين يدرك الأفراد أنَّ جهودهم لا تؤدي إلى تحسن حقيقي في أوضاعهم تتراجع الثقة في فكرة تكافؤ الفرص، ويزداد الإحباط الاجتماعي.
ويرتبط هذا الواقع بتصاعد التوترات الاجتماعية والاستقطاب، فتتحول الفجوة الاقتصادية تحولًا تدريجيًّا نحو فجوة في الثقة بين المواطنين والمؤسسات. ومع الوقت يصبح الحفاظ على التماسك المجتمعي أكثر صعوبة؛ بالتالي يحدث خلل في الاستقرارين الاجتماعي والاقتصادي على حد سواء.
ثانيًا- الآثار المهنية
أيضًا ينعكس عدم المساواة الاقتصادية بوضوح على أوضاع النساء في سوق العمل، خاصة على مستوى الأجور وفرص التقدم المهني؛ لأنَّ كثيرًا من الاقتصادات تتقاضى فيها النساءُ أجورًا أقل من الرجال في أعمال متشابهة، كما يتركزنَ في وظائفَ أقل استقرارًا وأضعف حماية؛ مما يحد من قدراتهنَّ على تكوين دخل اقتصادي مستدام، أو الادخار وبناء ثروة على المدى الطويل.
ثالثًا: الآثار المناخية
كذلك يرتبط عدم المساواة الاقتصادية ارتباطًا مباشرًا بأزمة المناخ؛ فإنَّ الدراسات الحديثة تشير إلى أنَّ الفئات الأعلى دخلًا تستهلك قدرًا أكبر من الطاقة والموارد، وتسهم باستثماراتها بنسبة أعلى في الانبعاثات المسببة لارتفاع درجات الحرارة.
في المقابل، تواجه الفئات الأقل دخلًا آثار التغير المناخي بشكل أشد، بالرغم من إسهامها المحدود في هذه الظاهرة. ويظهر هذا التفاوت بوضوح في موجات الحر الشديد، وانخفاض الإنتاج الغذائي، وتكرار الكوارث المناخية، التي تصيب المجتمعات الأضعف اقتصاديًّا.
السياسات الاقتصادية بين تعميق الفجوة وتقليصها
ولا يأتي عدم المساواة الاقتصادية من فراغ؛ إذْ تتأثر بشكل مباشر بالسياسات المتبعة في مجالات الضرائب، والأجور، والحماية الاجتماعية، وتنظيم الأسواق؛ فإنَّ النظمَ الضريبية غير العادلة، وضعفَ الاستثمار في الخدمات العامة، وتراجعَ شبكات الأمان الاجتماعي، كلها عوامل تسهم في تركُّز الثروة وتعميق الفجوة.
ومِن جهة أخرى، تُظهر التجارب أنَّ السياسات التي تعزز العدالة الضريبية، وتستثمر في التعليم، وتدعم العمل اللائق، وتوفر حماية اجتماعية فعالة، قادرة على تقليص فجوة التفاوت من دون الإضرار بالنمو الاقتصادي؛ لذا يشير تقرير عدم المساواة في العالم إلى أنَّ فرض ضريبة سنوية بنسبة 3% فقط على ثروات المليارديرات قد يكون كافيًا لتغطية الاحتياجات الأساسية للتعليم في الدول ذات الدخل المنخفض.
هل المساواة الاقتصادية شرط للنمو؟
وعلى خلاف الاعتقاد السائد فإنَّ المساواة الاقتصادية لا تمثل عبئًا على الاقتصادات، وهي عنصرُ دعمٍ للاستقرار والنمو على المدى الطويل؛ فحين تتحسن أوضاع الغالبية تتوسع قاعدة الطلب على السلع والخدمات، فتتحسن بيئة الاستثمار؛ مما يخلق دورة نمو أكثر شمولًا واستدامة.
كما أنَّ تقليص الفجوات الاقتصادية يعزز الثقة في المؤسسات، ويقوي التماسك الاجتماعي، ويحد من الاضطرابات التي كثيرًا ما تقوض مسارات التنمية في الدول التي تعاني اختلالاتٍ حادةً في توزيع الثروة.
وختامًا، فإنَّ مظاهر عدم المساواة الاقتصادية تكشف عن أنَّ التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق النمو الاقتصادي المستدام، وكيفية توزيع ثماره بعدالة؛ لأنَّ استمرار تركُّز الثروة في يد قلة يهدد الاستقرار الاجتماعي، ويقوض فرص التنمية المستدامة مهما تحسنت المؤشرات الاقتصادية العامة.
وعلى ذلك، ترى مؤسسة حماة الأرض أنَّ تقليص عدم المساواة الاقتصادية يتطلب سياسات واضحة تعيد توجيه الموارد إلى صالح الأغلبية، وتضمن وصول التعليم والصحة وفرص العمل إلى من حُرموا منها طويلًا، بما ينسجم مع الهدف العاشر من أهداف التنمية المستدامة المعنيّ بالحد من أوجه عدم المساواة.