علوم مستدامة

كيف يقود التمويل المستدام التحول الاقتصادي وزيادة الاستثمارات؟

التمويل المستدام

كيف يقود التمويل المستدام التحول الاقتصادي وزيادة الاستثمارات؟

لم يعد بوسع الدول النامية أن تعوّل فقط على المساعدات أو الإعفاءات من الديون لمواجهة متطلبات التنمية، حيث إن التحديات البيئية والاقتصادية تتعاظم في العالم؛ فمواجهة أزمات البنية التحتية، وتوفير السكن الكريم، ودعم القطاع الخاص، كلها ملفات ضخمة تتطلب تدفقات رأسمالية طويلة الأمد.

وهنا تبرز مبادرة “مرفق التمويل المستدام (SFF)” التابعة لمجموعة البنك الدولي، باعتبارها آلية مبتكرة تسعى إلى تعبئة رءوس الأموال الخاصة، لا سيما في البلدان التي تفتقر إلى أسواق مالية متطورة، وتملك -في الوقت نفسه- إمكانات نمو عالية.

هذا المرفق -الممول من أمانة الدولة السويسرية للشئون الاقتصادية (SECO)- يقوم بدور محوري في تمهيد الطريق أمام استثمارات فعالة عبر دعم إصلاحات هيكلية في الأنظمة المالية الوطنية؛ فحين تتوافر بيئة تنظيمية مستقرة وعوائد مقبولة، يصبح بإمكان المستثمرين توجيه رءوس أموالهم نحو مشروعات تنموية ذات أثر حقيقي. والهدف النهائي هو تحويل إمكانات النمو الكامنة إلى فرص عمل محلية واقتصادات قادرة على الصمود.

كيف يقود التمويل المستدام التحول الاقتصادي

لا تقتصر مهمة مرفق التمويل المستدام على تقديم الدعم الفني فقط، وإنما يضرب أمثلة حية من خلال صفقات تجريبية في قطاعات رئيسية مثل الإسكان، والبنية التحتية، وتطوير المؤسسات. وهكذا يتحوّل الإصلاح من كونه فكرة نظرية إلى واقع ملموس يدفع المستثمرين إلى مزيد من الانخراط، ومع تزايد الوعي العالمي بأهمية التمويل المستدام، تبدو الفرصة سانحة لبناء نماذج اقتصادية أكثر مرونة وشمولًا.

فقط عبر أسواق مالية نابضة بالحياة يمكن تعبئة رأس المال الخاص على نطاق واسع، وهذا ما تسعى إليه مبادرة البنك الدولي، التي ترى في السياسات السليمة والسوق المنظمة البوابة الأساسية لجذب الاستثمارات المستدامة التي تُحدث فرقًا فعليًّا في حياة الشعوب.

رأس المال الخاص

لطالما اعتمدت الدول النامية على قنوات تقليدية مثل القروض منخفضة الفائدة أو الدعم المباشر من المانحين الدوليين، غير أن هذه الأدوات أثبتت محدوديتها؛ فحجم الفجوة التمويلية لتلبية الاحتياجات الأساسية من بنية تحتية ومؤسسات منتجة، يتجاوز بكثير ما يمكن أن توفره هذه الوسائل، خاصة في ظل المديونية العامة المرتفعة وتقلبات أسعار العملات الأجنبية التي تزيد من هشاشة الاقتصادات.

تحتاج التنمية المستدامة إلى أدوات أكثر كفاءة، وعلى رأسها تفعيل دور الأسواق المالية في تعبئة المدخرات المحلية والدولية؛ فحين تُتاح للمستثمرين فرص حقيقية مدروسة، يمكن توجيه هذه المدخرات إلى مشروعات تعزز النمو الشامل، ومن دون بنية مالية قوية، ستبقى الاقتصادات النامية عاجزة عن تمويل التحوّلات الحيوية التي يتطلبها المستقبل.

جهود التمويل المستدام تحفز الاستثمار

في السنة المالية لعام 2024، أسهمت جهود مرفق التمويل المستدام في تحفيز استثمارات خاصة بقيمة 14.9 مليار دولار، مدعومة بإسهام كبير من مؤسسة التمويل الدولية (IFC). هذا العائد اللافت يعكس كيف يمكن للتخطيط الذكي أن يحوّل الإصلاحات المالية إلى مكاسب اقتصادية ملموسة.

وما يبعث على التفاؤل أن اهتمام المستثمرين العالميين، ولا سيما المؤسسات الكبرى مثل صناديق التقاعد، يتجه بشكل متزايد نحو الفرص التي تجمع بين العائد المالي والأثر التنموي. هذا التحوّل في توجهات الاستثمار يعزز مكانة التمويل المستدام باعتباره أداة استراتيجية قادرة على تسريع الوصول إلى أهداف التنمية المستدامة، من خلال ربط رأس المال العالمي بمشروعات تخلق قيمة اقتصادية ومجتمعية طويلة الأمد.

الأسواق المحلية

رغم أن الأسواق المالية العالمية تشهد طفرة في إصدار السندات الخضراء والاجتماعية، التي تجاوزت قيمتها 5.97 تريليون دولار حتى الربع الثالث من عام 2024، فإن الاقتصادات النامية ما تزال تواجه فجوة تمويلية ضخمة تقدّر بنحو 2.4 تريليون دولار سنويًّا لاستكمال التحول نحو الطاقة المتجددة والتكيّف مع تغير المناخ.

في هذا السياق، تبرز الأسواق المحلية باعتبارها أداة محورية غير مُستغلّة يمكن أن تسهم في سد هذه الفجوة، عبر إتاحة المعاملات بالعملة الوطنية واستقطاب المدخرات الداخلية التي غالبًا ما تبقى محصورة في أدوات منخفضة العائد، إضافة إلى تقليص مخاطر تقلب العملات من خلال التعاملات بين الفاعلين المحليين مثل صناديق التقاعد والبنوك الخاصة، وهو ما يعزّز من جدوى الاستثمارات طويلة الأمد.

الطاقة المتجددة والتكيّف مع تغيّر المناخ

ومع ذلك فإنَّ طريق التنمية المستدامة لا يزال محفوفًا بتحديات معقّدة، تبدأ من ضعف القاعدة الاستثمارية ومحدودية الفرص، مرورًا بارتفاع تكاليف البنية التحتية للأنظمة المالية، وانتهاءً بأطر تنظيمية غير مكتملة تعيق النمو وتؤخّر تحقيق الأهداف. وتقدّر الحاجة في الدول النامية بضخ استثمارات تعادل نحو 4.5% من ناتجها المحلي الإجمالي سنويًّا لتلبية متطلبات البنية التحتية والمناخ، في حين تبقى مشروعات الإسكان والزراعة والمؤسسات الصغيرة مصنّفة باعتبارها استثمارات طويلة الأمد عالية المخاطر، وهو ما يُبعدها عن نطاق التمويل المصرفي التقليدي.

إصلاحات تُنتج الثقة

وهنا يتقدّم “مرفق التمويل المستدام” في سدّ الفجوة بين ما هو مطلوب وما هو ممكن، من خلال توفير حلول مبتكرة مدعومة بخبرة البنك الدولي، لتقوية قدرة الأسواق المحلية على تقديم التمويل اللازم، وتشمل هذه الحلول تحسين فرص حصول القطاع الخاص على رءوس أموال، وتوسيع خيارات الاستثمار، وتعزيز التنوع في الأدوات المتاحة للمستثمرين المحليين.

ومن خلال دعم مشروعات تجريبية، يقدّم المرفق نماذج عملية تثبت قدرة الإصلاحات على تحقيق نتائج ملموسة، وهو ما يشجع المستثمرين على التفاعل الإيجابي مع السوق. وكلما توسع نطاق هذه المشروعات، ازدادت الثقة بالاقتصاد، كما يسهم المرفق في تقليل الاعتماد على الديون المقومة بالعملات الأجنبية، بما يحمي الاقتصادات من تقلبات العملة ويعزز استقرارها المالي.

وفي ضوء التحولات العالمية المتسارعة، فإننا في مؤسسة حماة الأرض نرى أنَّ التمويل المستدام لم يَعُد مجرّد خيارٍ تنموي، بل بات ضرورةً هيكلية لإعادة تعريف العلاقة بين المال والتنمية؛ لأنَّ المسألةَ صارت مرتبطةً -أكثر من أيِّ وقت مضى- بتدفق الموارد وبكيفية توجيهها نحو إصلاحات تُحفّز الاقتصاد الحقيقي وتُعزّز الاستقلال المالي للمجتمعات النامية.

ومن هذا المنطلق، يَبرز دور الأدوات التمويلية الذكية والمؤسسات الوطنية الراسخة في بناء منظومة تمويل تُراعي الإنصاف المناخي، وتُمهّد الطريق لاقتصاد أخضر أكثر عدالة واستقرارًا، يكون فيه الإنسانُ محورًا لا طرفًا، والشمولُ قاعدة لا استثناء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى