التمويل وأسواق الكربون في مؤتمر بون للمناخ

التمويل وأسواق الكربون في مؤتمر بون للمناخ
في الأسبوع الأول من يونيو انعقدت الدورةُ الـ60 من اجتماعات بون لتغيـر المناخ؛ وهو اجتماع عالميّ نصف سنويّ -اجتماع خاص بالهيئة الفرعية للتنفيذ والهيئة الفرعية للمشورة العلمية والتكنولوجية التابعتيـن للأمم المتحدة- يُجرَى من خلاله تقييم العمل المناخيّ، والنظر في ما تحقق من أهداف اتفاقية باريس للمناخ، وكذلك الاتفاقيات المماثلة، مع الاستعداد لمؤتمر المناخ الجديد، الذي يُعقد كلَّ عامٍ في بلد مختلف.
لقد كانت المدينة الألمانية «بون» على موعد مع مباراة مناخية جديدة شديدة الحرارة، مثل كثيـر من هذا النوع من المؤتمرات! وبالرجوع إلى عدد ديسمبـر 2023 من حماة الأرض -تحديدًا بعد انعقاد COP28 في الإمارات- نجد أننا طرحنا سؤالًا بالغ الخطورة، وهو: أموال الوقود الأحفوريّ، أم حياة الإنسان؟ ويبدو أنَّ مؤتمر بون للمناخ أعاد إلى أذهاننا السؤال ذاته؛ فقد شهد المؤتمر نقاشاتٍ ساخنةً فيما يتعلق بقضيتَي التمويل وتجارة أسواق الكربون؛ ليتجدد النـزاع القديم حول مَن يدفع فاتورة المناخ؛ مما يوحي بأنَّ مؤتمر المناخ القادم لن يتمخَّضَ إلَّا عن خلافات أشد حدةً مما سبق.
إنَّ توقعنا هذا ليس توقعًا بلا داعٍ، وإنما هو توقع موضوعيّ، استنادًا إلى تاريخ مؤتمرات الأطراف، التـي شهدت انقساماتٍ أعوامًا وأعوامًا. وعلى الرغم من الحراك المصريّ في COP27، ومِن بعده الحراك الإماراتي في COP28؛ فإنَّ التنفيذَ يظل تحديًا صعبًا في طريق العمل المناخيّ، ومهما كان الماضي فها نحن أمام مؤتمر تحضيريّ آخر، شارك فيه مندوبون محليون ودوليون لم يخرجوا من جلساته إلَّا بمزيد من الخلافات والانقسامات.
فاتورة المناخ
نعم، كان COP28 خطوةً واسعةً نحو الدعوة إلى هدف عالميّ جديد، يتعلق بالتمويل المناخيّ، وهناك استطاعت الرئاسة الإماراتية للمؤتمر أنْ تدشن صندوق تمويل مناخيّ بقيمة 30 مليار دولار، فضلًا عن عملية التقييم العالمية، التي كانت خطوةً تاريخيةً. ومِن قبله نجح المصريون في تأسيس «صندوق الخسائر والأضرار» في مؤتمر المناخ السابع والعشرين، وهي سابقة تاريخية أيضًا في مسيرة مؤتمرات الأطراف المناخية، حيث جاء إطلاقُ هذا الصندوق استجابةً لنداءات الدول النامية، التي تَأِنُّ تحت وطأة التغيُّـرات المناخية، وتكلفة مكافحتها والتكيف معها.
كل ذلك يظل -مع الأسف- حبـرًا على ورق! والذي يُعبـر عن هذا أصدق تعبيـر قولُ «دييجو باتشيكو بالانزا» -رئيس مجموعة البلدان النامية غيـر الساحلية- حيث وصف تعليقات بعض الدول المتقدمة على قضية التمويل المناخيّ بأنها مثيـرة للقلق، مشيرًا إلى أنَّ هذه الدول تحاول الهروب من واجبها في توفيـر التمويل.
وهذا التعنت الأوروبيّ والمراوغة عند الحديث عمَّن يجب عليه دفع فاتورة التغيـر المناخيّ – كان موضعَ نزاعٍ شديدٍ في مؤتمر بون للمناخ، حيث كان مشاركوه أشد حيـرةً بيـن أهداف تمويلية لم تُنفذ إلى الآن، وأهداف تمويلية جديدة يُتوقع طرحها في مؤتمر المناخ التاسع والعشرين بمدينة «باكو» الأذربيجانية.
إنَّ الهدف العالمي الماضي قد تمثل في 100 مليار دولار، كان يُتوقع جمعها بحلول 2020، بموجب اتفاقية باريس في عام 2015؛ لذا ينبغي أنْ نتساءل عن مصيـر هذه الأموال، فبالرغم من هذا الفشل الواضح يجب أنْ تُصدِرَ الدولُ الأطرافُ هدفًا عالميًّا جديدًا في مؤتمر المناخ القادم، مثلما أشرنا سابقًا.
وسواء هذا أم ذاك لم يَرَ المشاركون في مؤتمر بون للمناخ سوى تعنت الدول الأوروبية -على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية واليابان- التي بررت تقاعسها عن دفع مستحقات التمويل المناخيّ بالأزمة الاقتصادية العالمية؛ وهي الأزمة التي طالت أغلب دول العالم بعد الحرب الروسية الأوكرانية.
وربما تشير بعض التقارير إلى أنَّ العالم استطاع تحصيل 100 مليار دولار -الهدف الماليّ القديم- إلَّا إنَّ نشطاءَ ومفاوضينَ عالميينَ يشككون في صحة هذه التقارير، بل أكدوا أنَّ هذه الأموال قد قدمتها القطاعات الخاصة في صورة قروض ومساعدات تنموية، وليست تمويلًا مناخيًّا التزمتْ به الدول الأوروبية؛ وإذًا نحن لا نزال -وفقًا لهذه البيانات- في منتصف الطريق.
ثلاث وستون ورقة
لم يكن ذلك الأزمةَ الوحيدةَ التي واجهت مؤتمر بون للمناخ، وإنما كانت هناك بعض الأزمات الفنية المتعلقة بالشكل الأساسيّ للمفاوضات المتوقعة في مؤتمر المناخ القادم؛ أي COP29، فقد عمل الخبـراء الفنيون لمؤتمر بون للمناخ على كتابة نَصٍّ من 63 صفحةً، وكان مِن المفتـرض أنْ يُعبِّـرَ عن جميع مداخلات الدول وتوقعاتها بخصوص COP29، غيـر أنَّ البيانَ جاء مخيبًا للآمال، بخاصة آمال الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبيّ في نَصٍّ خادمٍ لسياساتهم المناخية، التي رأتْ كيف أنَّ الدول الأعضاء لا تنظر بعيـن الاعتبار إلى مداخلاتها!
هناك مرَّ نَصُّ البيان بمراحلَ عدةٍ، حيث اختُـزل -مع شيء من التبسيط- إلى 45 ورقةً، ثم أُصدرتْ نسـخةٌ ثالثةٌ منه في 35 صفحةً، وبعدها جاء البيان -بالرغم من هذه المحاولات- غيـر متوازنٍ، وفقًا لآراء بعض الدول. ولم تكن هذه المشكلةُ الفنية المشكلةَ الأكثـر حضورًا في مؤتمر ألمانيا، وإنما كان الخلافُ حادًّا بخصوص مقدار الهدف التمويليّ العالمـيّ الجديد، وهو ما أشرنا إليه سابقًا. وعلى النقيض من هدف الـ100 مليار، فإنَّ الهدف العالمـيّ الجديد يُفترض أنْ يستند إلى معاييـرَ واعتباراتٍ تضع الدولَ الناميةَ واحتياجاتِهَا في الحسبان.
تخفيض أم تَخلُّص؟
في شهر نوفمبـر من عام 2023 كانت مفاوضات COP28 ساخنةً بسبب الخلاف اللفظيّ الذي ظل شبحًا في مؤتمرات المناخ منذ مؤتمر المناخ الخامس عشر في كوبنهاجن عامَ 2009. وبينما خرج البيان الختاميّ من مؤتمر المناخ الثامن والعشرين بلغة لا تشفي غليلَ الدول النامية، وربما تصب نوعًا ما في صالح الوقود الأحفوريّ والمستفيدينَ منه؛ إذا بهذا الضباب اللفظيّ يصبح موضعَ رفضٍ واستهجانٍ في مؤتمر بون للمناخ.
وهناك -على مدى أسبوعين- ظل هذا الخلاف بيـن الدول الأعضاء، والذي دعت الدول الأوروبية بسببه إلى تأجيل هذا النقاش إلى COP29؛ لأنه من السابق لأوانه الحديث عن تخفيض الوقود الأحفوريّ دفعةً واحدةً، أم التدرج.
وعلى الرغم من اتفاقهم المبدئيّ على تصدير لغة البيان الختاميّ بصيغة «الانتقال العادل»، إلَّا إنَّ مشكلةً أخرى تظل عالقةً، هي: ما الجدول الزمنيّ لهذا الانتقال «العادل»، وكيفية تحقيقه، وما المؤسسات والجهات القادرة على تفعيل برنامج مثل هذا؟

تجارة أسواق الكربون
بصفة رسمية أعلنت الرئاسة الأذربيجانية لمؤتمر المناخ التاسع والعشرين أنَّ قضية أسواق الكربون هي القضية الرئيسية ضمن القضايا التي ستدعو العالم إلى مناقشتها هناك. ويرجع الإشكال في هذه القضية إلى ما قبل COP28، حيث المادة رقم (6) من اتفاقية باريس، التي تنصُّ على شكل من أشكال الملكية الصناعية.
فحينما نصت إحدى فقرات المادة (6) من اتفاقية باريس على السماح بتداول أرصدة الكربون بيـن الدول الموقعة على الاتفاقية دون الرجوع إلى أيّ هيئة دولية، إذَا بفقرةٍ أخرى تنصُّ صراحةً على جواز تداول أرصدة الكربون تحت إشراف دوليّ؛ مما يوحي بشيء من التناقض والتضارب بيـن فقرات المادة، التي عدّها كثيـرون مادةً معقدةً.
هذه المادة الشائكة من اتفاقية باريس ظلت محورَ خلافٍ بيـن مشاركِي مؤتمر بون للمناخ، ولم يكن هذا في الدورة الستين منه فقط، وإنما كان الأمر كذلك في الدورة التاسعة والخمسين في عام 2022، قبيل انعقاد مؤتمر المناخ بنسـخته المصرية – COP27.
ومثلما حدث مع قضية التمويل المناخيّ أحال أعضاءُ المؤتمر مشكلةَ التجارة في أسواق الكربون إلى مؤتمر باكو نهايةَ العامِ الجاري، بعدما حدثت انقسامات عديدة؛ نتيجة مفاوضات بطيئة وبالغة التعقيد.
وبذلك كله سيكون الطريق إلى COP29 محفوفًا بأخطار كثيرة، ومُحمَّلًا بخلافات تاريخية، تظل ممتدةً؛ مما جعلنا لا نرى في المستقبل القريب بصيصًا من الضوء بخصوص الوصول إلى صيغة ملائمة لجميع الدول، مع وضعها موضع التنفيذ.
ولم تكن قضيتَا التمويل المناخيّ وأسواق الكربون القضيتيـن الوحيدتيـن اللتيـن نَشَبَ بشأنهما نزاعٌ في الدورة الستين من مؤتمر بون للمناخ بألمانيا؛ فقد شهدت طاولة المفاوضات نزعات عديدة أخرى، كقضية الخسائر والأضرار، وقضية التكيف. وكانت هذه القضية الأخيـرة في «بون» على أربعة محاور رئيسية: الهدف العالميّ للتكيف، ولجنة التكيف، وبرنامج عمل نيروبي، وخطط التكيف الوطنية.
وبالإضافة إلى ما سبق، شملت خلافاتُ مؤتمر بون للمناخ قضيةَ التقييم العالمـيّ، والمساهمات المحددة وطنيَّا، فضلًا عن التوقعات المستقبلية بخصوص المؤتمر القادم COP29، الذي تستضيفه دولة بترولية مثل سابقتها الإمارات، وما دور هذه الدولة البترولية في معالجة الخلاف القائم حول مشكلة «التخفيض، أم التخلص؟»، ومدى صدقها في التحول بعملياتها الصناعية نحو الغاز.
كل تلك القضايا بالغة الأهمية لدول العالم إذا أرادت تحقيق نجاح ملموس في مواجهة التحديات المناخية. وأهم نجاح يجب أنْ تسعى إليه هو الإبقاء على درجة الحرارة المنصوص عليها في اتفاقية باريس؛ إلَّا إنَّ العقبةَ هنا هي كيفية متابعة هذه القرارات في ظل نفي الدول المتقدمة مسئوليتها عن مشكلات المناخ ومعوقات أهداف التنمية المستدامة.
لذا، تابعت حماة الأرض حقيقة التقدم في تنفيذ الأهداف المناخية، منذ مؤتمر المناخ السابع والعشرين في مدينة شرم الشيخ، وحتى مؤتمر المناخ الثامن والعشرين في دبي، وهناك رأت أنهما مؤتمران تاريخيان في مسيرة العمل المناخيّ، إلَّا إنَّ دولًا كثيـرةً لا تزال بعيدةً عن الجدية في التعامل مع قضايا المناخ.





