علوم مستدامة

فطريات تهدد العالم.. والذكاء الاصطناعي يحقق في الأمر

فطريات تهدد العالم.. والذكاء الاصطناعي يحقق في الأمر

مع تصاعد وتيرة التغيرات المناخية التي يشهدها كوكب الأرض، تفاقمت الآثار السلبية في البيئة والصحة العامة، وامتدت هذه الآثار لتشمل اضطرابات عميقة في الأنظمة الحيوية، ومنها فطريات تؤثر بشكل مباشر في تنوع الكائنات الحية وسلوكها؛ مما يؤدي إلى اختلال التوازن البيئي.

ومن بين هذه التأثيرات البارزة التي تتسبب فيها الفطريات ما كشفت عنه دراسة حديثة؛ إذْ تبين أنَّ ثلاثة أنواع من فطريات أسبرجيلاس أو الرشاشية (Aspergillus) قد توسَّعت جغرافيًّا بصورة غير مسبوقة بسبب ارتفاع درجات حرارة الأرض؛ مما ينذر بعواقب خطيرة تهدد صحة الإنسان والمحاصيل الزراعية في مناطق واسعة من العالم.

وفي ضوء هذه النتائج المقلقة، تسلط حماة الأرض الضوء في هذا المقال على تفاصيل هذه الدراسة الحديثة، وتستعرض كيف أسهم الذكاء الاصطناعي في الكشف عن أنماط انتشار الفطريات، إلى جانب دوره المحتمل في بناء خطط فعالة لحماية الإنسان والمحاصيل من تهديدات بيئية لم تكن في الحسبان؛ فتابعوا القراءة.

فطريات مألوفة تهدد الصحة والغذاء العالمي

تُعد الفِطريات من الكائنات الدقيقة التي تحيط بنا في حياتنا اليومية، تتواجد في التربة والهواء، وحتى داخل منازلنا، ورغم أن معظم هذه الفِطريات غير ضارة، فإن هناك أنواعًا معينة تحمل في طياتها تهديدات صحية وزراعية خطيرة، لا يمكن تجاهلها، وتتفاقم هذه المخاطر في ظل التغيرات المناخية التي قد تعيد تشكيل بيئات انتشار هذه الفطريات، حيث تتوسع جغرافيًّا؛ مما يزيد من تحديات مواجهة تأثيراتها السلبية.

فطريات الرشاشية الدخناء

ومِن أبرز هذه الفِطريات الضارة: الرشاشية الدخناء (Aspergillus fumigatus) التي يمكن أن تقتل من يعانون من ضعف المناعة، وتسبّب أمراضًا رئوية قاتلة، وهناك أنواع أخرى، مثل الرشاشيات الصفراء (Aspergillus flavus)، والرشاشيات السوداء (Aspergillus niger)؛ وهي فطريات تُهاجم المحاصيل، وتُنتج سمومًا فطرية مسرطنة؛ وبهذا تتسبب في خسائر عالمية بمليارات الدولارات سنويًّا.

ومِن هنا تُظهر دراسة حديثة نُشرت على منصة “Research Square” كيف يمكن لتغير المناخ أن يُعيد توزيع هذه الفطريات على نطاق جغرافي أوسع، حيث من المتوقع أن تنتشر في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية؛ مما يضع ملايين الأشخاص والمحاصيل الزراعية في مناطق متنوعة تحت تهديد مباشر، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو ملياري شخص يعيشون حاليًّا في مناطق تُعد بيئة مثالية لتكاثر فطر (الرشاشية الدخناء Aspergillus flavus)، وهذا ما يستدعي تخطيطًا عاجلًا لمواجهة هذا التهديد القادم.

لتغير المناخ أن يُعيد توزيع هذه الفطريات على نطاق جغرافي أوسع

قراءة المستقبل بمساعدة الخوارزميات

وفي محاولة لاستشراف المستقبل استخدم العلماء بيانات مناخية مفصلة، ونماذج تعتمد على الذكاء الاصطناعي؛ لرسم خريطة انتشار الفطريات في العقود القادمة، وكانت النتيجة صادمة، حيث أوضحت الدراسة أنه إذا استمر الاحترار العالمي بنفس الوتيرة، فإن أماكن كثيرة في أوروبا وروسيا وأمريكا الشمالية ستُصبح بيئة خصبة لهذه الفطريات القاتلة.

أحد أكثر السيناريوهات تشاؤمًا يُظهر زوال فطر الرشاشية الدخناء من إفريقيا وأمريكا الجنوبية، وظهورها المفاجئ في شمال الصين وروسيا وأجزاء من كندا والولايات المتحدة، وهذا يعني أن الخطر ينتقل من الجنوب إلى الشمال، ومعه أمراض جديدة وسُموما في الغذاء.

ولم تقتصر توقعات الذكاء الاصطناعي على رسم خريطة الفطريات فحسب، وإنما دمج خرائط الكثافة السكانية والأنشطة الزراعية العالمية، وقد كشفت هذه التحليلات عن تداخل خطير بين المناطق المتوقع أن تشهد ازدهار الفطريات، والمناطق التي يقطنها البشر أو تُزرع فيها محاصيل رئيسية مثل الذرة، والأرز، والقمح؛ مما يضاعف من خطورة هذا التهديد.

سلاسل الغذاء في خطر

من أبرز النتائج المثيرة للقلق في الدراسة هو الكشف عن كيفية تأثير هذه الفطريات في مستقبل الزراعة العالمي؛ فعلى سبيل المثال، يُتوقع أن يختفي فطر الرشاشية الدخناء من إفريقيا، مع احتمالية أن يظهر في مناطق جديدة لم تعتد على التعامل معه؛ مما يُهدد المحاصيل الأساسية، مثل الذرة في الولايات المتحدة وأوروبا الشرقية.

كما تشير التوقعات إلى انخفاض المساحات الزراعية المعرضة للفطر في بعض مناطق الجنوب، مقابل توسعها في مناطق الشمال، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد الغذائي العالمية، ويزيد من مخاطر تلوث الغذاء بالسموم الفطرية، بما يهدد الأمن الغذائي العالمي ويرفع الأسعار

ومن الجدير بالذكر أن تراجع الفطريات في مناطق معينة لا يعني بالضرورة زوال الخطر، وإنما يُعيد رسم خريطة المخاطر بطريقة أقل توقعًا وأكثر صعوبة في التعامل معها؛ فظهورها في بيئات جديدة قد يربك أنظمة الرقابة والسلامة الغذائية، ويفتح الأبواب أمام تحديات صحية وغذائية غير مسبوقة.

دعوة إلى تحرك عاجل

العلماء الذين أنجزوا هذه الدراسة بقيادة الدكتور/ نورمان فان راين من جامعة مانشستر، يوصون بالتحرك العاجل؛ فالفطريات لا تتأثر بالمضادات الحيوية، وعلاجها صعب، وتكلف الأنظمة الصحية مليارات الدولارات سنويًّا، والأسوأ من ذلك أن العديد من الأنواع أصبحت مقاومة للعلاج.

في ضوء هذه التحديات المتجددة، تؤكد حماة الأرض أهمية تعزيز الجهود العلمية والبيئية للتعامل مع هذا التهديد، وتدعو إلى بناء أنظمة إنذار مبكر فعّالة، تدعمها البحوث المتخصصة والتقنيات الحديثة؛ لضمان حماية صحة الإنسان والمحاصيل الزراعية على حد سواء؛ فالتقليل من شأن هذه المخاطر أو تجاهلها يشكل تهديدًا مباشرًا للصحة العامة ويُعيق تحقيق التنمية المستدامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى