كيف تعيد التكنولوجيا الحديثة تشكيل مسار التنمية البشرية المستدامة؟
تمثل التنمية البشرية اليوم معيارًا حاسمًا لقياس تقدم المجتمعات، في عالم يتسارع فيه الابتكار التكنولوجي والتحول الرقمي بوتيرة غير مسبوقة. فقد أعادت تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات المتقدمة وحلول الاتصال الرقمي تشكيل أنماط الإنتاج والعمل والحياة اليومية، وفتحت آفاقًا واسعة لتحسين جودة الحياة وتعزيز النمو الاقتصادي. غير أن هذا التقدم، رغم زخمه، لا ينعكس بالقدر نفسه على جميع المجتمعات، ما يضع التنمية البشرية في قلب نقاش عالمي حول العدالة وتكافؤ الفرص.
وفي هذا السياق، تشير تقديرات صادرة عن معهد ماكينزي العالمي (McKinsey Global Institute) إلى أن الذكاء الاصطناعي وحده قد يضيف نحو 13 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، وهو ما يعكس حجم الإمكانات الكامنة في التكنولوجيا إذا ما جرى توجيهها ضمن مسارات تنموية شاملة.
ومن هذا المنطلق، يتناول المقال العلاقة بين التكنولوجيا والتنمية البشرية، بدءًا من الإقرار بتأثير الابتكار الرقمي على مسارات التقدم الإنساني، مرورًا بالعوامل التي تحد من وصول هذا الأثر إلى جميع المجتمعات، وعلى رأسها الفجوة الرقمية وضعف الشمولية المؤسسية، وصولًا إلى استعراض الكيفية التي يمكن من خلالها توظيف التكنولوجيا لدعم أبعاد التنمية البشرية وتعزيز مسار التنمية المستدامة.
أسهم التقدم التكنولوجي خلال العقدين الماضيين في إحداث تحولات عميقة في مسارات التقدم الإنساني، من خلال تحسين إنتاجية الاقتصادات، وتوسيع فرص الوصول إلى المعرفة، وتطوير أنظمة الصحة والتعليم والخدمات العامة. وقد انعكس هذا التقدم على مؤشرات التنمية البشرية، عبر دعم القدرة على العيش حياة أطول وأكثر صحة، ورفع مستويات التعليم، وتحسين فرص العمل والدخل.
وبفضل الأدوات الرقمية والتقنيات الذكية، باتت المجتمعات تمتلك إمكانات غير مسبوقة لتعزيز مشاركة الأفراد في النشاط الاقتصادي والاجتماعي، بما يجعل التكنولوجيا عنصرًا محوريًا في تشكيل ملامح التنمية البشرية المعاصرة ومسارها المستقبلي.
ومع اتساع هذا الدور للتكنولوجيا في دعم مسارات التنمية البشرية، يبرز التفاوت في قدرة المجتمعات على الوصول إلى هذه الأدوات والاستفادة منها باعتبارها عاملًا حاسمًا في تحديد من يجني ثمار التقدم ومن يظل خارج دائرته، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش أعمق حول الفجوة الرقمية بوصفها أحد أبرز التحديات التي تعيق التنمية البشرية عالميًّا.
فجوة رقمية تعمّق اختلالات التنمية البشرية
رغم ما يتيحه التقدم التكنولوجي من فرص، تكشف التجربة العالمية عن تباين حاد في القدرة على الاستفادة من هذه الأدوات. ففي الدول المتقدمة، أصبح الاتصال عالي السرعة بالإنترنت واستخدام الهواتف الذكية والتقنيات المتقدمة جزءًا من الحياة اليومية، بما يعزز فرص التعليم والعمل والمشاركة الاقتصادية.
في المقابل، يفتقر أكثر من ملياري شخص حول العالم إلى اتصال رقمي موثوق، إذ لا تتجاوز نسبة انتشار الإنترنت في دول إفريقيا جنوب الصحراء 39% مقارنة بنحو 93% في أوروبا. ويؤدي هذا الخلل في البنية الرقمية إلى تهميش مجتمعات كاملة والحد من قدرتها على الاندماج في الاقتصاد العالمي، ما ينعكس مباشرة على مسارات التنمية البشرية.
ويمتد أثر هذه الفجوة إلى صورة أوسع من عدم التوازن التنموي؛ فبينما تواصل الدول الأكثر ثراءً تسجيل مستويات مرتفعة من التنمية البشرية، لا تزال الدول الأشد فقرًا دون مستويات ما قبل جائحة كوفيد-19. وبعد عقدين من التقارب النسبي، بدأت الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة في الاتساع مجددًا منذ عام 2020، بما يفضي إلى تعميق التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية وزيادة الاستقطاب على المستوى الدولي.
ويكشف هذا التفاوت في الوصول إلى التكنولوجيا أن معالجة الفجوة الرقمية ترتبط بدرجة أعمق بطبيعة المؤسسات والسياسات التي تنظّم استخدام التكنولوجيا وتحدد من يستفيد من آثارها التنموية، ولا تتوقف عند توسيع البنية التحتية أو تحسين الاتصال فقط.
الشمولية والعدالة في عصر التكنولوجيا
تؤكد التجارب الدولية أن التقدم التكنولوجي، رغم أهميته، لا يكفي وحده لإحداث تحسن واسع ومستدام في أوضاع البشر. فتحويل الابتكار إلى تنمية بشرية مستدامة يتطلب وجود مؤسسات شاملة تتمحور حول الإنسان، وتضمن تكافؤ الفرص، وتدعم العدالة الاجتماعية في توزيع الموارد والخدمات.
وفي هذا الإطار، تتيح المؤسسات الشاملة توظيف التكنولوجيا بما يخدم مختلف أبعاد التنمية البشرية، من تحسين الصحة والتعليم، إلى تعزيز المساواة بين الجنسين ورفع مستويات الدخل، على نحو ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف الثامن الداعي إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام وتوفير فرص عمل لائقة للجميع.
وعندما تتوافر هذه الشروط المؤسسية الشاملة، تتحول التكنولوجيا من مجرد أداة تقنية إلى رافعة فعلية قادرة على تحسين مؤشرات التنمية البشرية على نحو ملموس، عبر تأثيرها المباشر في الصحة والتعليم وفرص العمل ومستويات المعيشة.
التكنولوجيا كرافعة لتحسين مؤشرات التنمية البشرية
يتحول أثر التكنولوجيا على التنمية البشرية إلى واقع ملموس عبر مجالات تطبيقية واضحة تمس حياة الناس بشكل مباشر. وتأتي الحوكمة الرقمية وسوق العمل في مقدمة هذه المجالات، لما لهما من دور في تحسين جودة الخدمات العامة، وتوسيع فرص العمل، وتعزيز الوصول إلى التعليم والمهارات، وهو ما ينعكس في النهاية على الصحة ومستوى المعيشة.
الحوكمة الرقمية وتعزيز الثقة في المؤسسات
على مستوى الحوكمة، تلعب الرقمنة دورًا مهمًّا في تحسين طريقة تقديم الخدمات العامة، من خلال تبسيط الإجراءات، وتسريع إنجاز المعاملات، وتعزيز الشفافية في التعامل بين المواطن والمؤسسات. ويسهم هذا التحول في تقليل الأعباء الإدارية ورفع كفاءة الأداء الحكومي، بما ينعكس إيجابًا على جودة حياة الأفراد وثقتهم في المؤسسات العامة.
وتُعد تجربة إستونيا مثالًا بارزًا في هذا المجال، حيث أتاحت معظم الخدمات الحكومية عبر الإنترنت، ما سهَّل وصول المواطنين إليها، وقلَّل التعقيد الإداري، وأسهم في بناء علاقة أكثر ثقة بين الدولة والمجتمع.
التكنولوجيا وخلق فرص العمل
وفي سوق العمل، تسهم التكنولوجيا في فتح مجالات جديدة للتوظيف، خاصة في الدول النامية التي تسعى إلى تحسين فرص العمل ورفع مستويات الدخل. فالتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي تخلق أنواعًا جديدة من الوظائف التي تعتمد على المهارات والمعرفة. وتشير تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum) إلى أن الذكاء الاصطناعي والأتمتة قد يسهمان في خلق نحو 97 مليون وظيفة جديدة عالميًا مستقبلًا.
وتبرز دولة رواندا بوصفها نموذجًا عمليًّا في هذا المسار، من خلال شراكتها مع جامعة كارنيجي ميلون (Carnegie Mellon University) لتأسيس مركز إقليمي لتعليم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ما يدعم بناء المهارات الرقمية لدى الشباب، ويساعد على ربط التعليم باحتياجات سوق العمل وخلق فرص عمل أكثر استدامة.
في هذا السياق، يظل ما قاله الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفي عنان معبرًا عن جوهر التحدي العالمي، حين أشار إلى أن الرهان الحقيقي يتمثل في تحويل العولمة إلى قوة إيجابية لجميع شعوب العالم بدلًا من ترك مليارات البشر على هامش التقدم.
وختامًا.. يكشف تسارع الابتكار التكنولوجي عن إمكانات حقيقية لتحسين حياة البشر في مختلف أنحاء العالم، شريطة اقترانه بحوكمة شاملة، واستثمارات موجَّهة إلى التعليم والصحة والبنية التحتية، والتزام جماعي بتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
ومن هذا المنطلق، ترى مؤسسة حماة الأرض أن الاستثمار المتوازن في الإنسان والتكنولوجيا معًا يمثل مسارًا أساسيًّا لتعزيز التنمية البشرية، بما يضمن توزيعًا أعدل لثمار العصر الرقمي، ويفتح المجال أمام مجتمعات أكثر قدرة على الصمود والازدهار في عالم سريع التحول.