علوم مستدامة

كيف تواجه التنمية الدولية الفقر من أجل تمكين الإنسان؟

كيف تواجه التنمية الدولية الفقر من أجل تمكين الإنسان؟

لمَّا حلَّ منتصفُ القرن العشرين على البشرية أصبح مفهوم التنمية الدولية محورًا أساسيًّا في جهود المجتمع العالمي لتحسين حياة الإنسان، وتخفيف حدة الفقر في مختلف أنحاء العالم، وتعزيز التنمية البشرية والتنمية المستدامة الشاملة.

وعلى الرغم من أنَّ العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الدول كانت موجودة منذ قرون، فإنَّ مفهوم التنمية الدولية قد ظهر بوضوح بعد الحرب العالمية الثانية، عندما أدركت الدول الكبرى مدى حاجتها إلى إعادة بناء العالم، وضمان استقرار الدول النامية وكذلك الدولة المستقلة حديثًا، حيث كان هذا الاستقرار شرطًا أساسيًّا للسلام، والازدهار العالمي، وتحقيق المساواة بين الجنسين، وحماية حقوق الإنسان، وتعزيز الاستدامة بصورة شاملة.

وفق هذه الصورة التاريخية العالمية نناقش معكم في هذا المقال –كيف تواجه التنمية الدولية الفقر من أجل تمكين الإنسان؟– أهميةَ التنمية الدولية، وما لصورِها الواقعيةِ مِن حضورٍ طاغٍ في كثير من مناحي الحياة كالصحة والتعليم والمساواة؛ لذا تابعوا القراءة.

المؤسسات الدولية على خط المواجهة

لقد تبلور مفهوم التنمية الدولية الذي يشمل المساعدات الخارجية، وتعزيز الصحة، وتوفير التعليم الجيد، والحد من الفقر، وتحقيق المساواة، ومواجهة الكوارث؛ حين أُنشئت المؤسساتُ الدولية المهمة، مثل البنك الدولي، إلى جانب برامج إعادة الإعمار، فضلًا عمَّا بدأته الولايات المتحدة الأمريكية في مجال الدعم الدولي الإنساني عبر المساعدات الخارجية المقدمة إلى الدول النامية.

وقد ظهرت آنذاك نظرياتٌ شديدةُ التنوعِ، فكانت نظرية التحديث التي ركزت على التقدمينِ الاقتصادي والاجتماعي، ثم نظرية التبعية التي انتقدت هيمنةَ الدول الغربية على اقتصادات الدول النامية، وبعدهما نظرية النظم العالمية التي حاولت فهم العلاقات الدولية ضمن منظومة مترابطة ومعقدة، مع اعتماد التكنولوجيا الملائمة لتسهيل التنمية العملية.

ومع مرور الوقت تحولت التنمية الدولية من نهج تقني معتمِدٍ على إصلاح البنى الاقتصادية والاجتماعية إلى مفهوم أكثر شمولية يركز على الإنسان نفسه؛ فأصبح التعليم حجر الزاوية في هذه الجهود؛ لأنه يوفر المهارات اللازمة لتمكين الأفراد من مواجهة الفقر، وتحسين جودة حياتهم، والمشاركة الفعالة في اقتصاد مجتمعاتهم، بما يعزز المساواة في التعليم، ويدعم التنمية البشرية.

المؤسسات الدولية على خط المواجهة

نحو عدالة اجتماعية شاملة

أيضًا، يرتكز مفهوم التنمية الدولية في العصر الحالي على أنَّ لكل إنسانٍ حقوقًا تجب حمايتها، خصوصًا النساء والأطفال والفئات المهمشة؛ لضمان المساواة بين الجنسين، وتحقيق العدالة الاجتماعية الشاملة دون النظر إلى الدين أو العِرق.

سبب ذلك أنه قد تبينَ للعالم أنَّ تمكينَ المرأة من التعليم والرعاية الصحية العامة يعزز -بشكل أو بآخر- القدرةَ المجتمعية على النمو والازدهار، كما يسهم هذا التمكين في تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية، ويدعم برامج الأمم المتحدة، تحديدًا برنامج الأمم المتحدة الإنمائي؛ وذلك كله مما يكافح الفقر ويواجه أبعاده المتعددة والمتشابكة مع كثير من مناحي حياة الإنسان.

الفقر العالمي مشكلة كبرى

تلك العدالة الاجتماعية الشاملة لا يمكن فهم الفقر وأبعاده بمعزل عنها؛ إذْ لا يعكس اتساع رقعة الحرمان نقصًا في الدخل الاقتصادي بقدر ما يكشف عن اختلال شديد العمق في توزيع الفرص والموارد والخدمات الأساسية بين الأفراد والمناطق.

ولكشف هذا الاختلال نجد أنَّ أحدث بيانات البنك الدولي تشير إلى أنَّ الفقر قد ضرب نحو  800  مليون إنسان في عام 2025، حيث كانت هذه النسبة تعيش بأقل من ثلاثة دولارات في اليوم الواحد. ويمكننا هنا أنْ نشير أيضًا إلى أنَّ مؤشر الفقر المتعدد الأبعاد لعام 2024 قد أعلن عن أنَّ أكثر من  مليار إنسان -نصفهم من الأطفال- يعيشون في هذا النوع من الفقر، ولا يجدون الخدمات الأساسية، ومنها:

  • نقص السكن اللائق
  • الصرف الصحي
  • الكهرباء النظيفة
  • التغذية الصحية
  • الانتظام في الدراسة

التنمية الدولية تكافح الفقر

تلك الصورة العالمية التي تفرضها علينا معدلاتُ الفقر العالمي توجِّه أنظارنا نحو ذلك الدور الاقتصادي الذي تقوم به التنمية الدولية؛ حتى يمكننا مكافحة الفقر في كل مكان، غير أنَّ السؤال الأهم هنا، هو: كيف تكافح التنميةُ الدولية الفقرَ العالمي؟ وإجابته في السطور الآتية.

الدور الاقتصادي

التعليم أداة أساسية للتمكين الاقتصادي

أُولى الخطوات التي تكافح بها التنميةُ الدولية الفقرَ تتمثل في التعليم، الذي هو أبرز وسائل محاربة الفقر؛ لأنه يزود الأفراد بالمعرفة والمهارات اللازمة لمواكبة كل التغيرات التي قد تطرأ على أسواق العمل، ورفع مستواهم الاقتصادي؛ مِنْ ثَمَّ الإسهام في الاقتصادات الوطنية. كما يعزز التعليمُ قدرةَ الإنسان على التفكير النقدي واتخاذ القرارات؛ وهو مما يؤدي إلى تحسين الفرص الاقتصادية للأجيال القادمة، وكسر دائرة الفقر المستمرة عبر الأسرة والمجتمع.

الصحة لأجل الإنتاجية واستدامة النمو

كذلك لا يمكن للجانب الاقتصادي من التنمية أنْ يتحقق دون مجتمع أفراده أصحاء، ومن هنا تعالج التنمية الدولية كل ما يمكن أنْ يوفر برامجَ الصحة العامة، مثل التطعيمات، والرعاية الصحية الأساسية، وخدمات الأمومة والطفولة، والوقاية من الأمراض المزمنة والمعدية التي قد تعيق القدرة على العمل والإنتاج.

المساواة وتمكين الفئات المهمشة

ثم إنَّ التنميةَ الدولية ترتكز في أهدافها على الحد من التفاوت الاجتماعي، وتمكين النساء والأطفال والفئات المهمشة؛ من أجل ضمان استفادة جميع الفئات من النمو الاقتصادي والاجتماعي؛ فقد أكدت دراسة نشرتها المجلة الدولية لأبحاث البيئة والصحة العامة أنَّ تمكينَ المرأة في المناطق الريفية -على سبيل المثال- يحدُّ من فقرِ هذه المناطق.

المساواة وتمكين الفئات المهمشة

البنية التحتية والتأهب للكوارث

وعلى نحوٍ واضحٍ يشمل العملُ التنموي الدولي -أيضًا- الاستثمارَ في البنية التحتية، مثل الطرق، والمواصلات، وشبكات المياه والكهرباء؛ وذلك كله ييسر الوصولَ إلى الأسواق والخدمات الأساسية. كما تضع برامجُ التنمية خططَ مواجهةِ الكوارث الطبيعية والأزمات الإنسانية؛ كي تحدَّ من تأثيرها السلبي في السكان الأكثر هشاشةً.

في النهاية ليستِ التنميةُ الدولية إلَّا استراتيجية عملية ومستمرة، وتهدف إلى بناء مجتمعات قادرة على تحسين جودة حياتها بنفسها، مع ضمان العدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، والاستدامة والاقتصادية. وهي رحلة طويلة تستلزم الجمعَ بين التعليم، والصحة، والمشاركة المجتمعية، وبناء القدرات، وتمكين الفئات المهمشة.

وفي هذا الإطار لا ينكر أحدٌ ذلك الدورَ المهمَّ الذي تؤديه مؤسساتُ المجتمع المدني مثل مؤسسة حماة الأرض، حينما يجب أنْ تتكاتف جهود الجميع لترجمة أهداف التنمية إلى برامج عملية تعزز القدرة الإنتاجية للأسر، وتكسر دوائرَ الفقر المتوارثة، بما يحقق العدالة الاجتماعية، ويؤسس لمستقبل مستدام لكل إنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى