التنمية الشاملة في مصر ضمن مناقشات معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026

التنمية الشاملة في مصر ضمن مناقشات معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026
تشهد مصر حاليًّا فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، وهو حدث ثقافي، ومساحة عامة لطرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بمستقبل الدولة ومسارات التنمية المستدامة؛ ففي ظل عالم يتسم بعدم اليقين الاقتصادي وتغيرات جيوسياسية متسارعة، يكتسب الحوار حول السياسات التنموية داخل فضاء معرفي مفتوح أهمية خاصة.
ومن هذا السياق، يبرز أحدُ المناقشات الدائرة حول التنمية الشاملة في مصر، وذلك في ندوة بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، وهي التي تلقي حماة الأرض الضوءَ عليها في السطور القادمة؛ فتابعوا القراءة
ملامح السردية الوطنية
استضاف معرض القاهرة الدولي للكتاب ندوة فكرية موسعة ناقشت ملامح السردية الوطنية للتنمية الشاملة والسياسات الداعمة للنمو والتشغيل، بمشاركة الدكتورة/ رانيا المشاط “وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي”، وبحضور نخبة من الأكاديميين والمفكرين وخبراء الاقتصاد ورواد المعرض.

التنمية الشاملة في مصر
وفي هذه الندوة الرفيعة المستوى استعرضت وزيرةُ التخطيط مسارَ إعداد السردية الوطنية للتنمية الشاملة، التي جرى الانتهاء منها في ديسمبر الماضي بعد حوار مجتمعي استمر أكثر من ثلاثة أشهر، وشارك فيه ما يزيد على 120 خبيرًا ومتخصصًا من مختلف المدارس الاقتصادية والفكرية.
وأوضحت الدكتورة/ رانيا المشاط أنَّ السردية في نسختها الحالية تعكس مخرجات هذا الحوار الواسع، وتستوعب مختلف الرؤى والملاحظات التي طُرحت خلاله، مشيرةً إلى أنَّ المرحلة المقبلة ستشهد تنظيم جلسات تعريفية؛ تمهيدًا لإطلاق إصدارٍ ثانٍ أكثر شمولًا.
التكامل بين رؤية مصر 2030 وبرنامج الحكومة
وفي هذا السياق، تناولت الوزيرة تطور أهداف التنمية المستدامة منذ اعتمادها أمميًّا عام 2015، موضحةً أنَّ مصر كانت من أوائل الدول التي دمجت هذه الأهداف في إطار وطني من خلال إطلاق “رؤية مصر 2030” عام 2016، ثم تحديثها في 2018.
ثم أشارت وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي إلى أنَّ المتغيرات العالمية منذ عام 2020 أثرت سلبًا في مسار التنمية بمعظم دول العالم، الأمر الذي استدعى صياغة سردية وطنية جديدة تحقق التكامل بين رؤية 2030 وبرنامج عمل الحكومة، مع مراعاة السياق الاقتصادي الراهن والاستثمارات الكبرى التي نُفذت في البنية التحتية.
كما أوضحت أن السردية تستند إلى مرجعية تشريعية واضحة، تتمثل في قانون المالية العامة الموحد وقانون التخطيط العام الصادرينِ عام 2022، اللذينِ حدَّدَا دور التخطيط التنموي المتكامل وربط الخطط القومية والإقليمية والقطاعية بسياسات الاقتصاد الكلي، مع التحول إلى إعداد خطة متوسطة المدى وفق منهجية البرامج والأداء لأول مرة.
ربط الأداء التنموي بالمالي
ونوَّهتِ الوزيرةُ إلى أنَّ جوهر السردية الوطنية للتنمية الشاملة يتمثل في الربط بين التنمية الشاملة في مصر والأداء المالي، عبر تطبيق موازنة البرامج والأداء، وتبني مفهوم التخطيط الاستراتيجي الشامل القائم على جودة السياسات.
وأشارت إلى أنَّ الإصدار الثاني من السردية سيغطي القطاعات الخدمية المختلفة، مثل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، مع رصد مستهدفاتها في جميع محافظات الجمهورية، بما يدعم العدالة المكانية ويحسن جودة حياة المواطنين. وذلك كله ضمن جهود تحقيق التنمية الشاملة في مصر.
العدالة المكانية وتوطين التنمية
وشددت وزيرة التخطيط على أنَّ العدالة المكانية والتخطيط الإقليمي يحتلانِ موقعًا متقدمًا ضمن أولويات السردية، من خلال توطين التنمية واستغلال المزايا التنافسية لكل محافظة. واستشهدت بنمو صادرات المنسوجات نتيجة التوسع في مصانع الملابس الجاهزة بمحافظات الصعيد، مؤكدة أنَّ الخطط الاستثمارية تراعي الخصائص الاقتصادية لكل إقليم.
وتطرقت الدكتورة/ رانيا المشاط إلى جهود الدولة في إنشاء تجمعات تنموية متكاملة في سيناء، إلى جانب الاستثمارات الضخمة في الموانئ والطرق والبنية التحتية، التي أسهمت في جذب صناعات جديدة بمحافظات مثل سوهاج والمنيا.
حوكمة الاستثمارات العامة
وفي ما يتعلق بحوكمة الاستثمارات العامة، أوضحت وزيرة التخطيط أنَّ وضع سقف للإنفاق العام أسهم في إتاحة مساحة أكبر أمام القطاع الخاص، الذي بات يمثل نحو 65% من إجمالي الاستثمارات، مع استهداف رفع هذه النسبة إلى أكثر من 70% بحلول عام 2030.
وأيضًا أشارت إلى أنَّ قطاعات الصناعة والسياحة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات تقود النمو الاقتصادي المصري من خلال دور محوري يقوم به القطاع الخاص في مجالَي الإنتاج والتصدير، وذلك ضمن “رؤية مصر 2030”.
سلاسل الإمداد والاستدامة المالية
وحول الاندماج في سلاسل الإمداد العالمية، أشارت إلى التطور المتسارع للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، واستقطابها استثمارات متنوعة في مجالات التكنولوجيا والصناعات المتقدمة، مؤكدة أنَّ السردية تتضمن خطة للنهوض بالصناعة مع التركيز على 28 صناعة ذات أولوية تتمتع فيها مصر بميزة تنافسية وطلب دولي متنامٍ.
وفي السياق ذاته، أكدت أنَّ التعاون الدولي يمثل ركيزة أساسية في التجربة التنموية المصرية، مشيرة إلى توثيق هذه التجربة في كتاب عن الدبلوماسية الاقتصادية، إضافة إلى تخصيص فصل كامل بالسردية للشراكات الدولية، خاصة مع الدول الأفريقية، ودور اللجان المشتركة في فتح آفاق جديدة للاستثمار والتجارة.
وفي ختام الندوة، شددت الوزيرة على أن تعزيز العدالة الاجتماعية وزيادة الدخول يرتبطان بإعادة هيكلة الاقتصاد ورفع الإنتاجية، بما يوسع الحيز المالي للدولة ويتيح زيادة الإنفاق على التعليم والصحة والاستثمار في رأس المال البشري، باعتباره الأساس لتحسين مستوى معيشة المواطنين وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد المصري.

وفي ضوء هذا الطرح، ترى مؤسسة حماة الأرض أنَّ السردية الوطنية للتنمية الشاملة تمثل خطوة متقدمة في إعادة تنظيم التفكير التنموي في مصر؛ لذا تؤكد المؤسسة أنَّ الربط بين التخطيط والمالية العامة يجب أنْ يُستكمل بمنظومة واضحة للمساءلة وقياس الأثرينِ الاجتماعي والبيئي، حتى لا تتحول مؤشرات الأداء إلى غاية في ذاتها بدلًا من أن تكون وسيلة لتحقيق العدالة والاستدامة.
ومن هذا المنطلق، تعتبر المؤسسةُ معرضَ القاهرة الدولي للكتاب فضاءً عامًّا للنقاش، وفرصة نادرة لتحويل التنمية من خطاب حكومي إلى حوار مجتمعي مستمر، تُعاد فيه صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الشفافية، والمشاركة، والمسئولية المشتركة عن مستقبل التنمية الشاملة في مصر.




