علوم مستدامة

بين أزمة التمويل وضعف الحوكمة.. ما التحدي الحقيقي أمام التنمية المستدامة؟

التنمية المستدامة

بين أزمة التمويل وضعف الحوكمة.. ما التحدي الحقيقي أمام التنمية المستدامة؟

في ضوء المناقشات الدولية التي شهدتها الأشهر الماضية حول مستقبل أهداف التنمية المستدامة، عاد ملف أزمة التمويل إلى الواجهة بوصفه أحدَ أبرزِ التحديات التي تعيق تحقيق هذه الأهداف؛ فعلى الرغم من الإجماع الدولي القائم منذ عام 2015 على ضرورة تحقيق أهداف التنمية المستدامة فإنَّ الفجوةَ بين الطموحات المعلنة والنتائج الفعلية لا تزال قائمةً، بل تتسع مع اقتراب عام 2030.

وفي هذا السياق، طرح تقريرٌ دولي صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) سؤالًا جوهريًّا حول ما إذا كانت المشكلة تكمن في نقص الموارد، أم في طريقة إدارتها؟ إذْ تُظهر التجربة منذ إعلان خطة التنمية المستدامة 2030 أنَّ الفسادَ، والممارساتِ الماليةَ غير المشروعة، وضعفَ أداء المؤسسات لا تزال تُهدِر أموالًا كان يمكن توجيهها إلى مشروعات التنمية والخدمات العامة.

وعلى ذلك، يوضح التقرير أنَّ تحسين الحوكمة -أي طريقة إدارة المال العام واتخاذ القرار- لا يقلل من إهدار المال، ويساعد على زيادة الموارد المتاحة، ويُحسِّن أثر كل مبلغ يتم إنفاقه. كما أنَّ بناء الثقة بين الدولة والمجتمع يشجع المواطنين والمستثمرين على الإسهام البنَّاء؛ وهي ثقة تُعد شرطًا ضروريًّا للتعامل مع أزمة التمويل.

ومن هذا المنطلق، يطرح التقريرُ خمسَ أولوياتٍ عملية لمعالجة تلك الأزمة ووضع أُطر لحوكمتها. وبيانها في السطور الآتية.

شفافية البيانات ودورها في معالجة أزمة التمويل

تمثل محدودية البيانات وضعف الشفافية إحدى العقبات الأساسية أمام إدارة التمويل العام بكفاءة؛ إذْ تُصعِّب على الحكومات تتبع أوجه الإنفاق، وتقييم أثره الحقيقي. وذلك يتسبب في زيادة مخاطر الهدر، وتراجع الثقة في السياسات المالية.

وتكمن أهمية البيانات الدقيقة في قدرتها على دعم قرارات مالية مسئولة؛ فالإحصائيات الموثوقة تسهم في تعزيز الامتثال الضريبي، والحد من إهدار المال العام، وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع. ومع وضوح المعلومات يصبح المواطنون أكثر استعدادًا لدفع الضرائب، ويزداد اطمئنان المستثمرين إلى توجيه أموالهم في بيئة استثمارية مستدامة.

كما تمكِّن الشفافيةُ الدولَ من إدارة ديونها بشكل أفضل، ورصد المخاطر مبكرًا قبل تحولها إلى أزمات مالية أوسع؛ لأنَّ ضعفَ العدالة، وانتشارَ الفساد، وتهميشَ فئات اجتماعية واسعة؛ كلها عوامل تُفاقم الضغوط المالية، وتُضعف الاستقرار الاقتصادي.

مِنْ ثَمَّ، يُعد الاستثمار في البيانات المرتبطة بالحوكمة أداة أساسية لتحسين إدارة الموارد والتعامل مع أزمة التمويل، غير أنَّ هذه الأداة تظل -على أهميتها- محدودةَ الأثرِ ما لم تُستكمل بإجراءات عملية تُوقف الممارسات غير المشروعة التي تُستنزف عبرها الأموال العامة.

مفهوم التنمية المستدامة

الحد من الممارسات المالية غير المشروعة

تُهدر الممارسات المالية غير القانونية -مثل التهرب الضريبي، وتهريب الأموال إلى الخارج بطرق غير قانونية، واستغلال الثغرات الموجودة في التجارة والتحويلات المالية- كميات كبيرة من الأموال العامة التي يمكن توجيهها إلى مشروعات التنمية والخدمات العامة؛ ففي بعض الدول يؤدي هذا النزيف المالي إلى خسائرَ كبيرةٍ في الاقتصاد الوطني؛ فها هي دولة مثل ناميبيا فقدت ما يزيد على 8% من ناتجها المحلي الإجمالي في عام 2022؛ بسبب هذه الممارسات المالية غير المشروعة.

وتتطلب معالجة هذه المشكلة إصلاحَ النظمِ الضريبية، وزيادةَ الشفافية في حركة التجارة، وتعزيزَ قدرة الجهات الرقابية على تطبيق القانون، إلَّا أنَّ مثل هذه الممارسات تتجاوز الحدود الوطنية؛ مما يجعل التعاون الدولي عنصرًا لا غنى عنه.

ومع أنَّ منع تلك الممارسات المالية الضارة يمثل خطوة ضرورية في مواجهة تلك الأزمة، فإنَّ استدامة الحل يظل مرهونًا بقدرة الدول على تعزيز مواردها من داخل اقتصاداتها، بدلًا من الاعتماد المفرط على مصادر تمويل خارجية غير مستقرة.

تعزيز الإيرادات المحلية

تُعد الموارد التي تجمعها الدول من داخل اقتصاداتها -على رأسها الضرائب والرسوم الحكومية- الركيزة الأكثر استدامة لتمويل مسار التنمية، سوى أنَّ قدرة الدول على تعظيم هذه الإيرادات تظل محدودة في ظل ضعف الشفافية وانتشار الفساد؛ وذلك يُقوِّض ثقة المواطنين، ويقلل من استعدادهم للامتثال الضريبي.

وتشير التجربة الدولية إلى أنَّ النظم المالية العادلة والخاضعة للمساءلة -مع توجيه هذه الموارد المالية إلى الموازنات العامة بصورة مسئولة- تُسهم في تحسين إجراءات تحصيل الإيرادات؛ إذْ يشعر المواطنون بأنَّ أموالهم تُدار بشفافية وتُوجَّه إلى الصالح العام، وهو ما ينعكس انعكاسًا إيجابيًّا على حجم الموارد المحلية المتاحة للدولة، فضلًا عن أنَّ وضوح السياسات الضريبية واستقرارها يساعد على جذب الاستثمارات، وتوسيع القاعدة الضريبية دون الاعتماد على عدد محدود من الممولين.

وفي هذا السياق، تعمل منظمات دولية -مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي- مع عدد كبير من الدول لدعم إصلاح النظم المالية، وتعزيز كفاءة الإدارة الضريبية، بما يساعد الحكومات على زيادة مواردها الذاتية، وتقليل الاعتماد على مصادر تمويل خارجية غير مستقرة.

موازنات أكثر عدلًا في توزيع الخدمات

في هذا الإطار تأتي الموازنات العامة باعتبارها أحدَ المفاتيح الحاسمة في التعامل مع أزمة التمويل، وإنَّ المشكلة هنا تتعلق بكيفية توزيعها بين القطاعات والفئات المختلفة؛ فعلى المستوى العام يُعبر نحو ثلثي سكان العالم عن رضاهم عن الخدمات الحكومية، غير أنَّ هذا الرضا يتراجع بوضوح عند النظر إلى خدمات أساسية بعينها، وفي مقدمتها الرعاية الصحية؛ ففي حين تصل معدلات الرضا عن خدمات الصحة إلى حوالي 65% في الدول ذات الدخل المرتفع تنخفض إلى 42% في الدول صاحبة الدخل المنخفض؛ مما يكشف عن فجوة واضحة في توجيه الإنفاق العام.

ويتجاوز هذا الخلل جودةَ الخدماتِ ليشمل أزمةَ التمويل نفسها؛ إذْ يؤدي ضعف عدالة التوزيع إلى تآكل ثقة المواطنين في السياسات المالية، ويقلل من استعدادهم للإقرار الضريبي أو دفع الرسوم الحكومية؛ لذا تبرز أهمية إشراك المجتمع في تحديد أولويات الإنفاق، إلى جانب آليات رقابة المواطنين، لضمان أن تُوجَّه الموارد العامة إلى الاحتياجات الفعلية لا إلى مصالح فئات محدودة.

ومع اتساع الضغوط الاقتصادية العالمية وتزايد المخاطر المرتبطة بتغير المناخ، يتجاوز النقاش حدود العدالة الاجتماعية ليطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا حول قدرة الموازنات العامة على استيعاب متطلبات التحول المناخي، وحشد التمويل اللازم لمواجهة تحدياته دون الإخلال بحقوق الفئات الأكثر هشاشة؟!

التمويل المناخي

كذلك تتطلب مواجهة تغير المناخ تمويلًا كبيرًا، لكن حجم التمويل وحده لا يكفي؛ لأنَّ العامل الحاسم هو كيف يُدار هذا التمويل، وعلى أي أساس يُوجَّه؟ إذْ تضمن المؤسسات القوية أن تُخصص الموارد المناخية بعدالة، وأنْ تُنفق في الأغراض المعلنة، وأنْ تصل إلى المجتمعات الأكثر تضررًا دون أنْ تتبدد في مسارات غير فعَّالة أو فاسدة.

وفي هذا السياق، تُسهم الموازنات الواضحة وآليات المتابعة والإفصاح والحوكمة في بناء الثقة حول كيفية استخدام الأموال، فيما تتيح عمليات صنع القرار الشاملة إشراك المواطنين في تحديد أولويات السياسات المناخية. ومن دون هذه الأسس يظل التمويل المناخي محدودَ الأثرِ، عاجزًا عن تحقيق نتائج عادلة أو إحداث تحول مستدام، مهما تضاعف حجمه أو تنوعت مصادره.

الاحترار العالمي

وفي الختام، فإنَّ أزمة التمويل تكشف عن أنَّ التحدي الحقيقي أمام التنمية المستدامة يمتد إلى ضعف القدرة على إدارتها بعدالة وكفاءة، وهو الأمر الذي يبرز الدور الجوهري للحوكمة وفق الهدف السادس عشر من أهداف التنمية المستدامة، الخاص ببناء مؤسسات قوية، وتعزيز العدالة، ومكافحة الفساد.

وانطلاقًا من هذا الفهم تدعو مؤسسة حماة الأرض إلى تعزيز الحوكمة والشفافية بوصفهما مدخلًا أساسيًّا لمعالجة أزمة التمويل، من خلال إصلاح آليات اتخاذ القرار، وتوسيع نطاق المساءلة، وضمان توجيه الإنفاق العام إلى أولويات واضحة تخدم الصالح العام؛ من أجل تحقيق جميع أهداف التنمية المستدامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى