سيادة القانون ودورها في تحقيق التنمية المستدامة وبناء الثقة الاقتصادية

سيادة القانون ودورها في تحقيق التنمية المستدامة وبناء الثقة الاقتصادية
تتصدر سيادة القانون النقاشات العالمية حول التنمية المستدامة، بوصفها الإطار الذي تنتظم داخله السياسات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. ومع تصاعد مظاهر عدم الاستقرار العالمي، وتباطؤ النمو الاقتصادي، واتساع فجوات الثقة بين الدول والمجتمعات؛ يتضح لنا جليًّا أنَّ تحقيق أهداف التنمية المستدامة مرتبط بقدرة الدول على بناء مؤسسات فعَّالة تطبق القوانين بعدالة وشفافية، وهذا بقدر ما يرتبط بتوفير الموارد المالية.
ولذلك زادت مظاهر الاعتماد على البيانات والمؤشرات الدولية، تلك الأدوات الإرشادية القادرة على توجيه السياسات العامة، وتحديد أولويات الإصلاح المؤسسي؛ وهو ما يدفعنا إلى الاهتمام بمؤشر سيادة القانون الصادر عن مؤسسة العدالة العالمية (World Justice Project – WJP)، وهي مؤسسة دولية مستقلة تُعنى بتعزيز سيادة القانون حول العالم من خلال البحث والبيانات والتحليل المقارن.
ومن هذا المنطلق، يجيب المقال عن أسئلة مثل: كيف تشكل سيادة القانون قاعدة أساسية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وما مدى دورها في ترسيخ ثقة المستثمرين، إلى جانب أهمية المؤشرات والبيانات في رصد التقدم، وتحويل المبادئ القانونية إلى سياسات قابلة للقياس والمتابعة في أرض الواقع؟
سيادة القانون ركيزة التنمية المستدامة
ترتبط سيادة القانون ارتباطًا مباشرًا بمفهوم التنمية المستدامة؛ إذْ إنها الضامن لعمل المؤسسات الوطنية بطريقة عادلة ومتسقة وأخلاقية، فوجود أطر قانونية واضحة وقابلة للتنفيذ يوفر بيئة تمكن الدول من سن التشريعات، وتطبيقها، وإنفاذها دون تمييز، وهو ما يشكل أساسًا للاستقرارينِ السياسي والاجتماعي، ويسهم إسهامًا مباشرًا في دعم مسارات التنمية المستدامة بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.
وفي هذا الإطار، يمتد تأثير سيادة القانون في البُعدينِ المؤسسي والاجتماعي ليكون عاملًا حاسمًا في البيئة الاقتصادية، حيث تتحول القواعد القانونية المستقرة إلى أساس بناء الثقة في الأسواق، وتوجيه قرارات الاستثمار.

الثقة الاستثمارية والبعد الاقتصادي لسيادة القانون
يمثل الاستثمار أحد المحركات الأساسية في علامات النمو الاقتصادي ومؤشراته، غير أنَّ تدفقَ رءوس الأموال ذو علاقة واضحة بالثقة في القوانين والتشريعات، وهنا يأتي دور سيادة القانون؛ لأنها العامل الحاسم في طمأنة المستثمرين بأنَّ حقوقَهم محميةٌ، والعقودَ محترمةٌ، والنزاعاتِ معالَجةٌ عبر قنوات قانونية مستقرة.
إذنْ، يصبح تحقيق تنمية اقتصادية -تنمية اقتصادية تراعي البُعدينِ الاجتماعي والبيئي- مرتبطًا بترسيخ منظومة قانونية شديدة الموثوقية، وقادرة على تقليل الأخطار، ومستعدة لتعزيز استقرار المجتمعات استقرارًا طويلَ الأجل.
ومع ذلك فإنَّ بناء هذه الثقة يتطلب أدوات قادرة على تشخيص مكامن الضعف، وقياس أداء المؤسسات القانونية قياسًا موضوعيًّا؛ وهو ما يفتح الباب أمام دور البيانات والمؤشرات في دعم سيادة القانون وتعزيزها على النحو الأمثل.
أهمية البيانات في تعزيز سيادة القانون
تعتمد عملية إصلاح سيادة القانون على مؤسسات وطنية تواجه أولويات شديدة التنافس في ما بينها، فضلًا عن الموارد المحدودة؛ مما يجعل توافر بيانات دقيقة شرطًا أساسيًّا في خطوات توجيه السياسات العامة.
ذلك لأنَّ البيانات تكشف بوضوح عن العوائد الاجتماعية والاقتصادية المترتبة على تعزيز سيادة القانون، وهذا ما تشير إليه التحليلات؛ فإنَّ المجتمعات التي تستند إلى أُطر قانونية فعَّالة تحقق معدلات أعلى من الاستثمار، وتوفر فرص عمل لائق، وتزيد من الدخول الاقتصادية، وتُحسِّن الإيرادات الضريبية، بما يتيح تطوير الخدمات العامة، وترسيخ دورة تنموية إيجابية تعود بالنفع على أفراد المجتمع كله.
ومن بين أدوار هذه البيانات التي تقوم بتعزيز سيادة القانون، هو تحولها إلى مؤشرات قابلة للقياس والمتابعة؛ حتى تساعد صناع القرار على تقييم الأداء المؤسسي، ورصد الفجوات، وتوجيه جهود الإصلاح توجيهًا دقيقًا؛ وهو ما يتجسد بوضوح في المؤشرات الدولية المعتمدة لقياس سيادة القانون.
مؤشر سيادة القانون: أداة قياس وتوجيه
في هذا المجال يمثل مؤشر سيادة القانون (WJP) الصادر عن مؤسسة العدالة العالمية (World Justice Project) مرجعًا دوليًّا معتمَدًا لقياس أداء الدول، وهو مؤشر يغطي مجموعة واسعة من المحاور، من بينها:
- غياب الفساد
- الشفافية
- النظام والأمن
- حماية الحقوق الأساسية
- عدالة تطبيق القوانين
وتكمن أهمية المؤشر كذلك في كونه أداة تتجاوز التوصيف النظري لحالة سيادة القانون، مقدِّمًا بيانات قابلة للمقارنة عبر الدول في خط زمني لا ينقطع، وهذا يساعد على تتبع الاتجاهات، ورصد التحسن أو التراجع في الأداء المؤسسي يومًا بعد آخرَ؛ وذلك مما يفسر اعتمادَ مؤسسات دولية كبرى عليه في تقييم الحوكمة، وتصميم برامج الدعم والتنمية.

كيف توظف المؤسسات الدولية بيانات سيادة القانون؟
تعتمد مؤسسات دولية -مثل البنك الدولي- على بيانات مؤشر سيادة القانون، مستخدِمةً هذه البيانات في تقييم التحديات التي تواجه الدول، وتصميم السياسات العامة ذات الصلة، وإعداد المشروعات، وتطوير الضمانات الاجتماعية؛ تعزيزًا لفرص نجاح التدخلات التنموية.
وتسهم هذه البيانات أيضًا في دعم الحوار بين الحكومات والمجتمعات حول إصلاح المؤسسات وتعزيز الأُطر القانونية، بما يربط بين الأداء القانوني والنتائج الاجتماعية والاقتصادية في أرض الواقع، ويجعل من سيادة القانون عنصرًا تشغيليًّا في مسار تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وهذا الإسهام الواضح وذلك الدور المحوري لمؤشر سيادة القانون قد أكَّده “كريستوفر ستيفنز” المستشار القانوني العام للبنك الدولي، حين وصف سيادة القانون بأنها “خريطة الطريق الإلزامية” للتنمية، مشيرًا إلى أنَّ البنك يعتمد على مؤشر (WJP)، ويجعله مرجعًا أساسيًّا لتقييم الحوكمة، وتشخيص مواطن الضعف التي قد تعطل نجاح المشروعات التنموية الكبرى.
من القياس إلى الإصلاح الوطني
أمَّا على المستوى الوطني فتمكِّن بياناتُ مؤشر سيادة القانون الحكوماتِ من تصميم إصلاحات دقيقة تستهدف المجالات الأكثر احتياجًا، سواء أكان الأمر متعلقًا بمكافحة الفساد أم بتعزيز الشفافية وتحسين إدارة التشريعات.
وتقوم عملية تتبع الاتجاهات عبر الزمن بتقييم أثر السياسات المتبعة، ومراجعتها بصورة مستمرة بما يحول دون تراكم أوجه القصور داخل المؤسسات. وبهذا الاستخدام التنفيذي تتحول البيانات من أدوات قياس ومقارنة إلى رافعة عملية للإصلاح المؤسسي وصنع السياسات على المستوى الوطني.
في الختام، ترى مؤسسة حماة الأرض أنَّ سيادة القانون إطار جامع يربط بين العدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي، وأنها شرط لا غنى عنه لتحقيق أهداف التنمية المستدامة؛ لأنَّها تؤسس لمسار تنموي أكثر شمولًا، وهو مسار يضع الإنسان وبيئته في صميم عملية التنمية، ويضمن استدامة كوكب الأرض للأجيال القادمة.




