تقرير أممي يحذر.. فقدان التنوع البيولوجي يضع الشركات أمام مخاطر وجودية

تقرير أممي يحذر.. فقدان التنوع البيولوجي يضع الشركات أمام مخاطر وجودية
أصبح التنوع البيولوجي في صدارة النقاشات الاقتصادية العالمية بعد صدور تقرير دولي بارز حذَّر من أن تدهور النظم البيئية يمثل خطرًا نظاميًّا على الاقتصاد والاستقرار المالي. وقد أعدَّته المنصة الحكومية الدولية للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية (IPBES) على مدار ثلاث سنوات، وحظي باعتماد أكثر من 150 حكومة.
ويشير التقرير إلى أن تدهور النظم الطبيعية قد تحول إلى تحدٍ اقتصادي واسع النطاق. ويضع هذا التحذير الشركات أمام واقع جديد تتداخل فيه حماية الطبيعة مع استمرارية الأعمال، في ظل ارتباط واضح بين التنوع البيولوجي وأداء القطاعات الإنتاجية، وتصاعد المخاطر المالية المرتبطة بتدهور الموارد، واحتمالات تشديد السياسات والتنظيمات الدولية في هذا المجال.
التنوع البيولوجي والاقتصاد العالمي
يرتبط الاقتصاد العالمي ارتباطًا وثيقًا بالنظم البيئية. فالزراعة تعتمد على خصوبة التربة وتوافر المياه والتلقيح الطبيعي، وقطاع الصناعات الغذائية يرتكز على تنوع المحاصيل، بينما تستند قطاعات مثل الأدوية والتجميل إلى موارد بيولوجية متنوعة. ومع تراجع التنوع البيولوجي نتيجة إزالة الغابات وتدهور الأراضي وتغير المناخ، تتعرض سلاسل الإمداد لضغوط متزايدة قد تؤدي إلى ارتفاع التكاليف أو انقطاع الإنتاج.
ويشير التقرير إلى أن فقدان الطبيعة قد يؤدي إلى اضطرابات في قطاعات متعددة، بما في ذلك الطاقة والبناء والتعدين، ما يجعل المخاطر مترابطة وقادرة على الانتقال بين الأسواق. هذا الترابط يفسر وصف فقدان التنوع الطبيعي بأنه “خطر نظامي”، أي خطر يمتد أثره إلى بنية الاقتصاد بأكملها. وفي ضوء هذا الامتداد الواسع للتأثير، تتجه الأنظار إلى دور الشركات باعتبارها طرفًا رئيسيًّا في إدارة هذه المخاطر وتقليل انعكاساتها على النشاط الاقتصادي.

الشركات بين المخاطر والمسؤولية
يوجه التقرير رسالة واضحة إلى الشركات مفادها أن حماية التنوع البيولوجي أصبحت ضرورة استراتيجية. فالشركات التي تعتمد على الموارد الطبيعية دون إدارة مستدامة قد تواجه ارتفاعًا في تكاليف الإنتاج، أو قيودًا تنظيمية أكثر صرامة، أو تراجعًا في ثقة المستثمرين. وفي المقابل، تسهم بعض الأنشطة الاقتصادية في تعميق الأزمة البيئية ذاتها، من خلال إزالة الغابات، والاستغلال المفرط للموارد، والتوسع العمراني غير المنظم، والتلوث الصناعي الذي يؤثر في التربة والمياه والأنظمة البحرية.
هذا التداخل بين اعتماد الشركات على الطبيعة وتأثيرها المباشر فيها يخلق حلقة من المخاطر المتبادلة، حيث يؤدي تدهور الموارد إلى تقليص فرص النمو، فيما تعزز الممارسات غير المستدامة من سرعة فقدان التنوع الطبيعي. كما أن المؤسسات المالية بدأت تنظر إلى مخاطر الطبيعة باعتبارها جزءًا من تقييماتها الاستثمارية، على غرار المخاطر المناخية.
ويعني ذلك أن الشركات قد تجد صعوبة في الحصول على التمويل إذا لم تدمج اعتبارات التنوع البيولوجي ضمن خططها التشغيلية والاستراتيجية. ومع اتساع نطاق هذه التقييمات، تتعزز الحاجة إلى أطر تنظيمية وسياسات دولية قادرة على توجيه سلوك الأسواق وضبط العلاقة بين النشاط الاقتصادي وحماية النظم البيئية.
أثر السياسات والتنظيمات الدولية
رغم أن تقرير IPBES ليس قانونًا ملزمًا، فإنه يمثل مرجعية علمية حكومية يُتوقع أن تؤثر في صياغة السياسات عبر قطاعات متعددة. كما أنَّ اعتماده من قِبل أكثر من 150 حكومة يعزز من ثقله في توجيه التشريعات المستقبلية ومتطلبات الإفصاح البيئي. ومن المرجح أن تشهد السنوات المقبلة توسعًا في الأطر التنظيمية المرتبطة بحماية التنوع البيولوجي، سواء من خلال قيود على استغلال الموارد أو متطلبات شفافية أشمل للشركات.
هذا السياق يضع القطاع الخاص أمام معادلة جديدة، حيث يتقاطع الامتثال التنظيمي مع استدامة الموارد. فالشركات التي تبادر إلى تبني ممارسات مسؤولة قد تقلل من تعرضها للمخاطر القانونية والسمعية، بينما تواجه المؤسسات المتأخرة تحديات متزايدة في بيئة تنظيمية أكثر تشددًا. وفي ظل هذا التحول، باتت الحاجة ملحَّةً لإدماج حماية التنوع البيولوجي ضمن صميم الاستراتيجيات المؤسسية والتخطيط طويل الأجل.
التحول من الامتثال إلى الاستراتيجية
يدعو التقرير إلى إدماج حماية الطبيعة في صميم نماذج الأعمال، بدل الاكتفاء بمبادرات منفصلة. ويتطلب ذلك قياس الاعتماد المباشر وغير المباشر على النظم البيئية، وتقييم المخاطر المرتبطة بتدهورها، والاستثمار في حلول تقلل الضغط على الموارد الطبيعية. ويعني هذا التحول أن التنوع البيولوجي يصبح جزءًا من التخطيط المالي والتشغيلي طويل الأجل، وليس ملفًا ثانويًّا في التقارير السنوية.
ويرتبط هذا التوجه بمسارات أوسع للتنمية المستدامة، خاصة الأهداف المتعلقة بالاستهلاك والإنتاج المسئولين (الهدف 12)، والعمل المناخي (الهدف 13)، والحياة في البر (الهدف 15). فالحفاظ على النظم الطبيعية يسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ويحد من المخاطر التي قد تعرقل النمو في المستقبل.

وفي الختام، يؤكد التقرير الدولي أن فقدان التنوع البيولوجي يمثل تحديًا يتجاوز الحدود الجغرافية والقطاعية، ليصبح قضية ترتبط مباشرة ببقاء الشركات واستقرار الاقتصاد العالمي. ومع تزايد اعتماد السياسات الحكومية على هذه التقييمات العلمية، يتجه القطاع الخاص إلى مرحلة جديدة يصبح فيها الاستثمار في حماية الطبيعة عنصرًا من عناصر إدارة المخاطر والنمو المستدام.
وتؤكد مؤسسة حماة الأرض أن دمج الاعتبارات البيئية ضمن الاستراتيجيات المؤسسية بات ضرورةً لتعزيز قدرة الشركات على التكيف مع التحولات العالمية، ووضع حماية التنوع البيولوجي في قلب مسار التنمية طويلة الأجل، بما يرسخ توازنًا بين النمو الاقتصادي والحفاظ على الموارد.




