سقوط أكثر من 5 آلاف إيجوانا في فلوريدا.. موجة صقيع قاسية تؤثر في التوازن البيئي

سقوط أكثر من 5 آلاف إيجوانا في فلوريدا.. موجة صقيع قاسية تؤثر في التوازن البيئي
تتعرض النظم الطبيعية أحيانًا لاختبارات مفاجئة تكشف درجة صلابتها وقدرتها على التكيُّف. وفي جنوب ولاية فلوريدا، هبت موجة صقيع قياسية مطلع فبراير لتضع مفهوم التوازن البيئي أمام واقع عملي، بعدما تحولت البرودة غير المعتادة إلى عامل حاسم في التعامل مع أحد أكثر الزواحف الدخيلة انتشارًا. فالحدث لم يكن مجرد ظاهرة طقس عابرة، وإنما كان لحظةً تقاطعت فيها البيئة والإدارة الحكومية والسلوك المجتمعي في مشهد واحد.
خلال يومين فقط، جُمعت 5,195 إيجوانا خضراء أصيبت بحالة شلل مؤقت نتيجة انخفاض درجات الحرارة، وذلك بموجب إعفاء قانوني استثنائي سمح للسكان بإزالة هذه الزواحف من دون تصريح رسمي. إذ تعكس الأرقام التي أعلنتها لجنة الحفاظ على الأسماك والحياة البرية في فلوريدا (FWC) حجمَ الظاهرة وسرعة الاستجابة، لتفتح الباب لتحليل أوسع يتجاوز الواقعة ذاتها نحو فهم طبيعة التوازن البيئي، وأثر موجة البرد القاسية، ودور المؤسسات والأفراد في إدارة هذا المشهد.
موجة الصقيع في فلوريدا وأثرها على التوازن البيئي
سجلت ولاية فلوريدا، ولا سيما جنوبها، درجات حرارة غير معتادة مطلع فبراير، إذ هبطت الحرارة في ميامي إلى نحو درجة مئوية واحدة ونصف، بينما بلغت في ويست بالم بيتش قرابة درجة مئوية واحدة، في مستويات كسرت أرقامًا قياسية تعود إلى عام 1909 وفق بيانات الأرصاد الجوية الوطنية الأمريكية. عند هذه الحدود الحرارية، تفقد الإيجوانا قدرتها على الحركة وتدخل في حالة خمول تُعرف علميًّا بـ “التوربور” (Torpor)، فتسقط من الأشجار وتبدو كأنها نافقة، رغم بقائها على قيد الحياة.
كشفت موجة الصقيع الأخيرة عن هشاشة التوازن البيئي في فلوريدا، حيث ازدهرت هذه الزواحف لعقود في مناخ دافئ ومستقر نسبيًّا. ومع الانخفاض الحاد في درجات الحرارة، وجدت الإيجوانا نفسها عاجزة عن التكيُّف مع برودة مفاجئة، ما أعاد ترتيب معادلات البقاء مؤقتًا داخل النظام الطبيعي. ورغم أن موجات البرد ليست غريبة على سجل الولاية، فإن حدتها هذه المرة منحت السلطات فرصة عملية لإعادة تقييم انتشار هذا النوع وتأثيره، وفتحت نقاشًا أوسع حول آليات إعادة ضبط التوازن البيئي عند توفر ظروف استثنائية.

الزواحف الدخيلة وإعادة ضبط التوازن البيئي
صُنِّفت الإيجوانا الخضراء في فلوريدا بوصفها نوعًا محظورًا بسبب آثارها السلبية على البيئة والاقتصاد. ووفقًا للهيئة المختصة، تعود تقارير وجودها إلى ستينيات القرن الماضي، قبل أن تنتشر عبر القنوات المائية الصناعية التي وفرت لها مسارات انتقال مثالية. حيث تعيش هذه الزواحف في الجحور والأنابيب ومصارف المياه، وتترك مخلفاتها على الأرصفة والمرافئ والممتلكات الخاصة، ما يسبب أضرارًا مباشرة لأصحاب العقارات.
وقد مثَّل قرار السماح المؤقت باصطيادها دون تصريح وتسليمها في مكاتب اللجنة تدخلًا تنظيميًّا يهدف إلى استغلال الظرف المناخي لإعادة قدر من التوازن البيئي. إذ جُمعت 3,882 إيجوانا في مكتب اللجنة بسنرايز وحده، و1,075 في تيكويستا، إضافة إلى أعداد أقل في كيز وفورت مايرز.
ونُقلت بعض هذه الحيوانات إلى حاملي التصاريح لإعادة بيعها خارج الولاية، فيما أُخضع المتبقي لإجراءات إنهاء رحيم للحياة بواسطة مختصين. هذا التنسيق بين السلطات والسكان يعكس نموذجًا لإدارة الزواحف الغازية الدخيلة في إطار قانوني منظم. كما يبرز كيف يمكن لاختلال بيئي ممتد أن ينعكس تدريجيًّا على البنية الحضرية والأنشطة الاقتصادية في الولاية.
التداعيات البيئية والحضرية والاقتصادية
تمتد آثار انتشار الزواحف الدخيلة في فلوريدا إلى بنية النظام البيئي ذاته، إذ تؤثر الإيجوانا الخضراء، بوصفها نوعًا غير أصيل، في توازن الموارد داخل الموائل الطبيعية. فهي تنافس بعض الكائنات المحلية على الغذاء والمواقع البيئية، وتؤثر في الغطاء النباتي عبر التغذي على أوراق النباتات والزهور، ما يغيِّر ملامح بعض البيئات الساحلية وضفاف القنوات. كما يؤدي حفرها للجحور في التربة الرملية إلى إضعاف استقرار ضفاف الممرات المائية، الأمر الذي ينعكس على النظم البيئية الهشة في جنوب الولاية.
ويمتد هذا التأثير إلى المجال الحضري، حيث تتسبب هذه الزواحف في أضرار للبنية التحتية الخفيفة، من التسلل إلى أنابيب الصرف ومصارف المياه إلى ترك مخلفاتها على الأرصفة والمرافئ والمنشآت البحرية والممتلكات الخاصة. ومع توسع انتشارها عبر شبكة القنوات الصناعية التي سهَّلت انتقالها بين الأحياء، أصبح وجودها عامل ضغط دائم على البلديات، سواء من حيث تكاليف الصيانة أو جهود المراقبة والإزالة.
في هذا السياق، يرتبط الحفاظ على التوازن البيئي باستدامة المدينة نفسها، إذ يؤدي أي خلل في توزيع الزواحف داخل بيئة عمرانية كثيفة إلى أعباء مالية مستمرة ويعيد تشكيل العلاقة بين المجال الطبيعي والحيز الحضري، وهو ما يفرض بدوره ضرورة تطوير استجابات مؤسسية أكثر تنظيمًا لإدارة المخاطر البيئية على المدى الطويل.
الاستجابة المؤسسية وإدارة المخاطر البيئية
أظهرت الواقعة مستوى عاليًا من الجاهزية المؤسسية في التعامل مع طارئ بيئي ظرفي مثل هذا. فقد صدر إعفاء خاص بموجب أمر تنفيذي أتاح اصطياد وإزالة الإيجوانا المصابة بالشلل دون تصريح خلال فترة محددة، وحددت الهيئة نقاط استلام رسمية لضبط العملية ومنع العشوائية، كما نُسقت عمليات النقل إلى حاملي التصاريح أو إخضاع الحيوانات لإجراءات إنهاء رحيم للحياة تحت إشراف مختصين. إلى جانب ذلك، صدرت توجيهات واضحة للسكان بعدم إدخال الإيجوانا إلى المنازل، نظرًا لقدرتها على التعافي السريع وتصرُّفاتها الدفاعية العدوانية، ما يعكس حرصًا على السلامة العامة بالتوازي مع إدارة الحدث البيئي.
هذا التنظيم يكشف عن أهمية وجود إطار قانوني يسمح بالتحرك السريع عند توفر ظرف استثنائي، ويبرز دور التنسيق بين الأجهزة المعنية بالحياة البرية والسلطات المحلية والمجتمع. فإدارة المخاطر البيئية تتطلب أدوات تشريعية وإجرائية قادرة على الاستجابة في الوقت المناسب، مع ضمان الشفافية والانضباط. كما أن الاستفادة من موجة برد عابرة لتقليل أعداد نوع دخيل تعكس توجهًا يعتمد على إدارة واقعية للمخاطر بدلًا من الاكتفاء بإجراءات طويلة الأجل قد لا تواكب سرعة الانتشار.
في هذا السياق، يمثل الحفاظ على التوازن البيئي عملية مستمرة تتطلب مراقبة دورية للزواحف الدخيلة، وتقييمًا لآثارها على الموائل الطبيعية والبنية الحضرية، وتحديثًا للسياسات بما يتلاءم مع التغيرات البيئية. ويزداد هذا التحدي تعقيدًا في مناطق مثل جنوب فلوريدا، حيث يتقاطع التوسع العمراني مع شبكات مائية صناعية وموائل طبيعية حساسة، ما يجعل إدارة المخاطر البيئية عنصرًا أساسيًا في التخطيط المستدام طويل المدى.

وختامًا، تُظهر موجة الصقيع التي شهدتها فلوريدا أن التوازن البيئي يتغير بتأثير عوامل طبيعية وبشرية معًا. فقد أبرز سقوط آلاف الإيجوانا خلال أيام قليلة حجم التأثير الذي يمكن أن تُحدثه تقلبات الطقس في زواحف انتشرت خارج بيئتها الأصلية، كما فتح المجال أمام مراجعة أساليب إدارة الحياة البرية. أيضًا تشير التجربة إلى أن الحفاظ على استقرار البيئة يتطلب استعدادًا مؤسسيًا واضحًا، وتعاونًا مجتمعيًا منظمًا، ورؤية مستمرة تضع حماية الموارد الطبيعية في صلب التخطيط الحضري.
ومن جانبها تشير مؤسسة حماة الأرض أن مثل هذه الوقائع تبرز الحاجة إلى تخطيط بيئي متكامل يعزز حماية النظم الطبيعية ويحد من انتشار الزواحف الغازية، مع تطوير بنية تحتية قادرة على التعامل مع تقلبات الطقس. ويأتي ذلك في سياق أوسع ينسجم مع مسارات التنمية المستدامة التي تركز على صون الحياة البرية، وضمان استقرار المدن، وتعزيز الإدارة الرشيدة للموارد. ومع تزايد التحديات البيئية، يظل الاستثمار في المعرفة والحوكمة البيئية المتوازنة خطوة أساسية نحو مستقبل أكثر استقرارًا وقدرة على التكيُّف.




