خطى مستدامة

الحماية الاجتماعية والتحول الرقمي: طريق الإصلاح في الدول العربية

الحماية الاجتماعية

الحماية الاجتماعية والتحول الرقمي: طريق الإصلاح في الدول العربية

تواجه الدول العربية تحديات تنموية متزايدة، خاصةً أننا نعيش في أزمات مناخية متسارعة في العقود الأخيرة، وهو ما يجعل الحماية الاجتماعية في الدول العربية أولوية حتمية، لا سيما في ظل تقلبات الاقتصاد العالمي، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة؛ أي أنَّ شبكات الأمان الاجتماعي الطريقُ الأقصَرُ إلى تحسين حياة الشعوب برفاهية واستدامة.

وعلى ذلك تسلط حماة الأرض الضوء على إنجازات برامج الحماية الاجتماعية في الدول العربية في ظل جهود التحول الرقمي؛ محاوَلَةً منها للإجابة عن تساؤلات مثل: هل تواكب سياسات الحماية الاجتماعية في الدول العربية حجم التحديات الراهنة إقليميًّا ودوليًّا؟ وما الخطوات اللازمة لتحقيق شبكات الأمان الاجتماعي بصورة واسعة النطاق وفعَّالة لجميع المواطنين؟ فتابعوا القراءة.

الحماية الاجتماعية أولًا

لقد بدأت دول عربية عدة في إعادة تعريف أنظمتها الاجتماعية، مستلهِمةً ذلك من المبادئ الأممية التي تؤكد أنَّ الحق في الحماية الاجتماعية جزء لا يتجزأ من كرامة الإنسان. وقد شهدت السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في حجم البرامج الاجتماعية وتنوعها؛ من أجل الاستجابة للمتغيرات الديموجرافية والاقتصادية. وفي السطور الآتية نقدم إليكم أبرز النماذج العربية، التي قطعت شوطًا طويلًا في مجال تنفيذ برامج الحماية الاجتماعية:

مصر

في عام 2015 أطلقت مصر برنامج تكافل وكرامة، ليكون أحد أبرز التحولات الهيكلية في منظومة الدعم الاجتماعي، حيث انتقلت مصر من نمط الدعم القائم على السلع إلى نموذج التحويلات النقدية المُنظَّمة، والقائمة على بيانات دقيقة من خلال أدوات التحول الرقمي، حيث ارتكز هذا البرنامج الوطني على بيانات الرقم القومي للمستفيدين، وكذلك ارتكز على نظام اختبار الوسائل “Proxy Means-Test (PMT” (اختبار يتم عن طريق قياس أصول الأسرة وخصائصها الاقتصادية؛ لتقدير دخلها أو مقدار استهلاكها).

برنامج تكافل وكرامة

وقد بلغ عدد الأسر المستفيدة من البرنامج حتى عام 2024 نحو 5.2 مليون أسرة من الأَولى بالرعاية، ومعظمهم من الفئات الأكثر هشاشةً؛ وبالتالي أسهم البرنامج في خفض احتمالات انزلاق الأسر المستفيدة إلى الفقر بنسبة كبيرة، وتحسين المؤشرات الصحية للأطفال على وجه الخصوص.

المغرب

أمَّا في المغرب فقد قطعت الدولة هناك شوطًا كبيرًا نحو تعميم الحماية الاجتماعية، من خلال توسيع نطاق التغطية الصحية الإجبارية ليشمل الحرفيين، والمهنيين، والعاملين لحسابهم الخاص. وقد أطلقت الحكومة المغربية خريطة طريق وطنية لتحقيق التغطية الشاملة، وهو مسار يُعد من أكثر التجارب طموحًا في المنطقة.

ويوضح هذا التحول المغربي في الحماية الاجتماعية ما أكدته الإسكوا في تقريرها عامَ 2023، حيث قالت بأنَّ المغرب من الدول العربية التي تستثمر بشكل متصاعد في رأس المال البشري، عبر توسيع التأمينات، وتبسيط الإجراءات، وربط الحماية بسياسات التشغيل.

الدول العربية

تونس

وأمَّا في تونس التي تمتلك منظومة دعم واسعة فإنَّ الدولة تواصل حاليًّا تنفيذ إصلاحات اجتماعية هيكلية؛ من أجل تحويل منظومة الدعم العام التقليدية إلى نظام تحويلات نقدية مباشرة، يستهدف الفئات الهشة بدقة. وقد أكد البنك الدولي في تقريره الصادر ضمن برنامج “تعزيز الحماية الاجتماعية” أنَّ هذا التحول خطوة جوهرية تضمن بها تونس وصول الدعم إلى مستحقيه، بما يقلل من الهدر ويعزز الكفاءة والعدالة الاجتماعية.

وكذلك فإنَّ البرنامج التونسي الوطي “الأمان الاجتماعي” يوفِّر حاليًّا -وفقًا للتقرير السابق- تحويلات نقدية لأكثر من 333 ألف أسرة فقيرة، إضافةً إلى خدمات الرعاية الصحية المجانية، وهذا في الوقت الذي يحصل فيه ما يقرب من 620 ألف أسرة ذات دخل محدود على إعانات اجتماعية مخفضة في نموذج يدمج بين الحماية والدعم الانتقالي بالاستعانة بأدوات التحول الرقمي.

العدالة الاجتماعية والتحول الرقمي

وفي هذا الإطار لا يمكن إغفال أثر التكنولوجيا والتحول الرقمي في تحفيز برامج الحماية الاجتماعية العربية؛ إذْ أصبح مجال التحول الرقمي جزءًا أصيلًا من تصميم وتنفيذ السياسات الاجتماعية؛ وهو ما مكَّن من تحسين كفاءة الاستهداف، وتقليل التداخل بين الفئات الأَولى بالرعاية وغيرهم، وتعزيز المتابعة والتقييم؛ وأبرز مثال على ذلك التحول الرقمي في مجال الحماية الاجتماعية، هو النظام الذي أشرنا إليه سابقًا؛ نظام اختبار الوسائل (PMT)، الخاص ببرنامج تكافل وكرامة.

العدالة الاجتماعية والتحول الرقمي

ومما سبق يتضح لنا كيف أنَّ سياسات الحماية الاجتماعية وبرامجها المختلفة في كثير من الدول العربية حجر الأساس لدفع عجلة الاقتصادات الوطنية، ورافعة رئيسية لتحقيق جميع أهداف التنمية المستدامة، خاصةً الهدف رقم (1) المتعلق بالقضاء على الفقر، والهدف رقم (8) الخاص بالعمل اللائق، والهدف رقم (10) المعنيّ بالحد من أوجه عدم المساواة.

إذنْ، أظهرت النماذج الثلاثة السابقة -مصر والمغرب وتونس- أنَّ هناك تحولات جادة تحدث في أرض الواقع، وهي تحولات تستند إلى إصلاحات رقمية وهيكلية، وتراهن على البيانات الدقيقة والحوكمة الرشيدة؛ رغبةً في تحسين الاستهداف، وسعيًا إلى الحد من هدر الموارد.

ولذلك تشدد مؤسسة حماة الأرض على ضرورة تحوُّل جميع الدول العربية إلى توسيع مظلة الحماية الاجتماعية، لتشمل العمال في القطاع غير الرسمي، والفئات المهمشة، مع تحقيق إرادة سياسية متجددة، واستثمار مستدام في رأس المال البشري، وبنية تحتية رقمية عادلة وآمنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى