الذكاء الاصطناعي في مجال الرعاية الصحية.. مسارات التحول ونماذج الابتكار

الذكاء الاصطناعي في مجال الرعاية الصحية.. مسارات التحول ونماذج الابتكار
تمثل الرعاية الصحية أحد الأعمدة الأساسية للتنمية البشرية، غير أن الواقع العالمي لا يزال يكشف عن فجوات عميقة في الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية. فبحسب التقديرات الدولية، لا يزال نحو 4.5 مليار شخص حول العالم محرومين من خدمات صحية ضرورية، بينما يُتوقع أن يصل العجز في أعداد العاملين بالقطاع الصحي إلى 11 مليون شخص بحلول عام 2030.
وفي ظل هذا الضغط المتزايد على النظم الصحية، يبرز الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد أكثر الأدوات الواعدة القادرة على دعم الرعاية الصحية وتقليص فجوات الوصول، بما يعيد الأمل في تحقيق التغطية الصحية الشاملة.
وتشير تحليلات صادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum) إلى أن توظيف الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية قد يسهم في تحسين كفاءة الخدمات وخفض التكاليف ورفع جودة النتائج الصحية، وهو ما يعزز فرص تحقيق أهداف التنمية المستدامة المرتبطة بالصحة الجيدة والرفاه.
وانطلاقًا من هذا الإطار، يستعرض المقال كيف يتشكل دور الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية عبر مسار متدرج يشمل تحديات التبنِّي، ونماذج الابتكار التطبيقي، وتطوير الطب التقليدي والإدارة الصحية، في سياق أوسع يستهدف دعم التنمية المستدامة وتحسين جودة الحياة.
تبنٍ أبطأ من المتوقع رغم الإمكانات
على الرغم من التطور السريع للتقنيات الذكية، لا تزال الرعاية الصحية من بين القطاعات الأقل اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي مقارنة بغيرها. ويعكس ذلك مزيجًا من التحديات التنظيمية والأخلاقية، إلى جانب تفاوت مستويات الاستثمار في حلول الصحة الرقمية. ومع ذلك، تؤكد دراسات حديثة أن الفجوة بين الإمكانات المتاحة ومستويات التطبيق الفعلي تسلط الضوء على الحاجة إلى أطر تنظيمية وتدريبية داعمة ولا تقلل من الدور التحولي المتوقع لهذه التقنيات.
ورغم هذا التباين بين سرعة تطور التقنيات ومحدودية تبنِّيها داخل القطاع، برزت على أرض الواقع ابتكارات تطبيقية عكست قدرة الذكاء الاصطناعي على إحداث أثر فعلي داخل منظومات الرعاية الصحية.
ابتكارات جديدة تعيد تشكيل الرعاية الصحية
شهد قطاع الرعاية الصحية موجة متسارعة من الابتكارات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، تستهدف معالجة اختلالات مزمنة في الوصول إلى الخدمات وجودتها. وتمتد هذه الابتكارات من التشخيص المبكر إلى إدارة الطوارئ، ومن الوقاية إلى تحسين كفاءة القرار الطبي، بما يعكس تحولًا تدريجيًّا في طريقة تقديم الرعاية الصحية عالميًّا.

تشخيص أسرع وأكثر دقة
أسهم الذكاء الاصطناعي في تحسين دقة التشخيص الطبي، خاصةً في الحالات الحرجة التي يتوقف فيها مسار العلاج على سرعة القرار. فقد أظهرت تطبيقات تحليل صور الدماغ قدرة متقدمة على اكتشاف السكتات الدماغية بدقة عالية، إلى جانب تحديد توقيت حدوثها، وهو عنصر حاسم في اختيار التدخل العلاجي المناسب. ويساعد هذا النوع من الابتكار الأطباء على تقليل هامش الخطأ ودعم قراراتهم في اللحظات الحرجة، بما يرفع فرص إنقاذ الأرواح.
رصد أدق للإصابات
في مجالات أخرى، مثل تشخيص الكسور العظمية، أظهرت الأنظمة الذكية قدرة على رصد إصابات قد تمر دون ملاحظة في الفحوص التقليدية، خاصة في ظل الضغط على أقسام الطوارئ ونقص الكوادر. ويسهم استخدام الذكاء الاصطناعي في الفحص الأولي للأشعة في تقليل الحاجة إلى فحوص إضافية وتحسين دقة التشخيص، بما ينعكس على جودة الرعاية الصحية وتقليل العبء على النظم الصحية.
إدارة الطوارئ وتوجيه الموارد
يمتد أثر الابتكار إلى خدمات الطوارئ، حيث تُستخدم الخوارزميات الذكية لدعم قرارات نقل المرضى إلى المستشفيات، استنادًا إلى بيانات حيوية دقيقة. وتساعد هذه التطبيقات على توجيه الموارد المحدودة بكفاءة أعلى، وتخفيف الضغط على المستشفيات، مع ضمان وصول الرعاية إلى المرضى الأكثر احتياجًا، وهو ما يعزز العدالة في تقديم خدمات الرعاية الصحية.

الكشف المبكر والوقاية
يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقًا جديدة للكشف المبكر عن الأمراض المزمنة والمعقدة قبل ظهور أعراضها السريرية، اعتمادًا على تحليل بيانات صحية واسعة النطاق. ويسمح هذا التحول بالانتقال من نموذج يركز على علاج المرض بعد تفاقمه إلى نموذج يضع الوقاية والتدخل المبكر في الصدارة، بما يحسن جودة الحياة ويقلل كلفة الرعاية الصحية على المدى الطويل.
دعم القرار وتحسين التجربة
في جانب آخر، تسهم أدوات الذكاء الاصطناعي في دعم القرار الطبي اليومي، سواء من خلال أنظمة مساعدة الأطباء أو منصات المتابعة الرقمية للمرضى. وتساعد هذه الأدوات على تقليل الأعباء الإدارية، وتحسين التواصل مع المرضى، وتخصيص خطط العلاج، مع الحفاظ على الدور المركزي للطبيب البشري في اتخاذ القرار النهائي.
ويمتد هذا التحول لما هو أبعد من حدود الطب الحديث، حيث يشمل أنماطًا علاجية تقليدية لا تزال تشكِّل جزءًا أساسيًّا من النظم الصحية في كثير من المجتمعات.
الطب التقليدي في عصر الذكاء الاصطناعي
ويمتد تأثير الذكاء الاصطناعي إلى الطب التقليدي الذي يعتمد عليه مليارات الأشخاص حول العالم، خاصة في الدول النامية والمجتمعات الريفية. ففي ظل استمرار هذا النمط العلاجي بوصفه جزءًا أصيلًا من النظم الصحية في أكثر من 170 دولة، يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقًا جديدة لتوثيق المعارف الطبية التقليدية وتحليلها بصورة منهجية، بما يعزز سلامتها وفاعليتها ويُسهم في دمجها ضمن أطر صحية أكثر حداثة.
وفي هذا السياق، أظهرت مبادرات مدعومة من منظمة الصحة العالمية كيف يمكن للتقنيات الذكية أن تدعم الطب التقليدي والتكميلي والتكاملي، من خلال رقمنة النصوص والممارسات العلاجية، وتحليل خصائص النباتات الطبية، وتقييم فعاليتها باستخدام أدوات علمية متقدمة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التراث الثقافي المرتبط بهذه الممارسات.
وتبرز تجارب دول عدة هذا التوجه؛ إذ طورت الهند مكتبة رقمية للمعارف الطبية التقليدية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، فيما تُستخدم نماذج تعلم آلي في دول إفريقية وآسيوية للمساعدة في تصنيف النباتات الطبية وتحليل مركباتها. وتؤكد هذه التجارب أن دمج الذكاء الاصطناعي في الطب التقليدي لا يستهدف استبداله، وإنما تطويره وتعزيز موثوقيته، مع التشديد على حماية حقوق المجتمعات المحلية وضمان سيادتها على بياناتها ومعارفها. ومع اتساع نطاق الاستخدامات الطبية، يظل الجانب الإداري أحد مفاتيح تعظيم أثر هذه التقنيات.

الإدارة الصحية بين الكفاءة والثقة
في الجانب الإداري، تساعد تطبيقات الذكاء الاصطناعي على تقليل الوقت الذي يقضيه الأطباء في الأعمال الورقية، ما يتيح لهم التركيز بصورة أكبر على المرضى. غير أن تقبُّل هذه الأدوات لا يزال متفاوتًا، في ظل مخاوف مرتبطة بالخصوصية ودقة البيانات، وهو ما يبرز أهمية الأطر التنظيمية الصارمة لضمان سلامة وموثوقية هذه الحلول داخل أنظمة الرعاية الصحية.
وفي المحصلة يكشف هذا المشهد متعدد الأبعاد أن الذكاء الاصطناعي يمتلك قدرة حقيقية على إحداث نقلة نوعية في الرعاية الصحية ودعم أحد أهم مكونات التنمية البشرية. غير أن تحقيق هذا الأثر يظل مرهونًا بوجود سياسات تنظيمية عادلة، واستثمارات مستدامة في بناء القدرات البشرية، وضمان وصول منافع التكنولوجيا إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
ومن هذا المنطلق، ترى مؤسسة حماة الأرض أن توظيف الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية يجب أن يُنظر إليه باعتباره جزءًا من مسار تنموي أشمل لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف المتعلق بالصحة الجيدة والرفاه، عبر تعزيز العدالة الصحية، وتقليص الفجوات، وبناء نظم صحية أكثر قدرة على الصمود والاستجابة لاحتياجات المجتمعات.




