الذكاء الاصطناعي يقود مسار التقدم وسط مخاوف من اتساع الفجوة الاقتصادية

الذكاء الاصطناعي يقود مسار التقدم وسط مخاوف من اتساع الفجوة الاقتصادية
يشهد العالم تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة تعيد تشكيل أنماط الإنتاج والحياة اليومية، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الفئات الأكثر هشاشة وتتسع الفجوات بين الدول. وفي قلب هذا المشهد يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه قوةً صاعدةً تحمل وعودًا كبيرة لتعزيز النمو والإنتاجية، غير أنه -في غياب الحوكمة العادلة- قد يتحول إلى عامل يعمِّق الاختلالات بدلًا من معالجتها.
وتشير تقديرات دولية إلى أنَّ التوسع غير المتكافئ في تبنِّي هذه التقنيات يهدد بتعميق الفجوة الاقتصادية؛ إذْ تستفيد الدول ذات البنية الرقمية المتقدمة بوتيرة أسرع، فيما تواجه اقتصادات أخرى تحديات في بناء القدرات والمهارات اللازمة للحاق بهذا التحول.
ويتجلى هذا التناقض بوضوح في أقاليم تجمع بين نماذج تنموية متباينة، مثل آسيا والمحيط الهادئ، حيث توجد مراكز تكنولوجية عالمية إلى جانب دول لا تزال تخوض معركة بناء الأسس الرقمية؛ مما يجعل الإقليم مثالًا كاشفًا عن كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أنْ يكون إمَّا رافعةً للتنمية وإمَّا مصدرًا جديدًا لتوسيع الفجوات الرقمية.
تطور الذكاء الاصطناعي ينذر بفجوة عالمية جديدة
وتفصيلًا لما سبق، فإنَّ تقريرًا حديثًا صادرًا عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يحذر من أنَّ الذكاء الاصطناعي “يتقدم بسرعة، فيما لا تزال دول عديدة عند نقطة الصفر”، في توصيف يعكس اتساع الفجوة بين الدول القادرة على تطوير هذه التقنيات وتلك التي لا تتلقى سوى آثارها دون امتلاك أدوات حقيقية لمواكبة التحول.
يثير التقرير الأممي -الذي جاء اختصارًا بعنوان: -The Next Great Divergence مخاوفَ من نشوء نمط جديد من عدم التكافؤ التكنولوجي، وهو نمط يعيد تشكيل موازين القوة الاقتصادية عالميًّا؛ فعلى مدى عقود نجحت دول منخفضة الدخل في تقليص فجوة التنمية مع الاقتصادات الكبرى خلال النصف الثاني من القرن العشرين، مدفوعةً بالتقدم التكنولوجي والانفتاح التجاري وتحسُّن مستويات التعليم والدخل الاقتصادي.

ومع ذلك فإنَّ تسارع الذكاء الاصطناعي يهدد بتغيير مسار هذا التقليص؛ إذْ قد تتسع الفجوة مرَّةً أخرى ما لم تُعتمد سياسات شاملة تضمن توزيعًا أكثر عدلًا لمكاسب التكنولوجيا، وتمنع ترك دول وفئات كاملة خارج مسار التحول الرقمي.
ويظهر هذا الخلل بوضوح عند النظر إلى التجارب الإقليمية، حيث تتجاور مراكز تكنولوجية فائقة التقدم مع اقتصادات لا تزال تكافح من أجل اللحاق بالتحول الرقمي العالمي؛ لأنَّ هذه السياقات تمتد فيها الفجوة إلى القدرة على توطينها وتطويعها لخدمة التنمية؛ مما يجعل مستقبل الاستفادة من الذكاء الاصطناعي مرهونًا بمدى شمول السياسات وقدرتها على تحويل الابتكار إلى قيمة اجتماعية واقتصادية واسعة النطاق. وهو نجده ماثلًا في منطقة مثل منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
آسيا والمحيط الهادئ مثال للتحول العالمي غير المتكافئ
يركز تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على إقليم آسيا والمحيط الهادئ بوصفه “ساحة الاختبار العالمية” لتأثيرات الذكاء الاصطناعي؛ لما فيه من تباين حاد بين دول متقدمة تقنيًا وأخرى لا تزال تعاني نقصًا في الكهرباء أو الاتصال بالإنترنت.
وذلك ما تكشفه الأرقام؛ فعلى الرغم من أنَّ منطقة آسيا والمحيط الهادئ تحتضن أكثر من 55% من سكان العالم، وتستحوذ على أكثر من نصف مستخدمي تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ فإنَّ الاستفادة من هذه الطفرة الرقمية تظل غير متكافئة بين دولها.
وكذلك تشير تقديرات حديثة إلى أنَّ الصين -على سبيل المثال- تستحوذ وحدها على نحو 70% من براءات اختراع الذكاء الاصطناعي عالميًّا، إلى جانب تأسيس آلاف الشركات الناشئة المتخصصة في التقنيات الذكية داخل عدد محدود من الاقتصادات الآسيوية، فيما تظل دول أخرى في الإقليم خارج هذا المسار الرقمي المتسارع.
وفي المقابل، تقيِّدُ محدوديةُ المهارات والقدرات الحاسوبية وضعف أنظمة الحوكمة حجمَ الفوائد الممكنة، فيما تتضاعف الأخطار المرافقة؛ مثل فقدان الوظائف، واستبعاد فئات واسعة من البيانات الرقمية، وارتفاع الطلب العالمي على الطاقة والمياه بسبب الأنظمة الكثيفة الاستخدام للذكاء الاصطناعي.
وتطول آثارُ الأزمةِ الاجتماعيةِ العالميةِ الفئاتِ الأكثرَ هشاشةً؛ فإنَّ البيانات تُظهر أنَّ وظائف النساء أكثر عرضة للاستبدال التقني بما يقرب من الضعف مقارنة بالرجال، وفي الوقت نفسه يتراجع توظيف الشباب -خصوصًا بين 22 و25 عامًا- في الوظائف التي تتعرض للأتمتة (توظيف التقنيات الرقمية والأنظمة الذكية لتنفيذ المهام والعمليات التي كان يتولاها الإنسان يدويًّا).

فرص واعدة وحوكمة غائبة
وبالرغم من تلك التحديات يكشف انتشار الذكاء الاصطناعي عن فرص كبيرة لتحسين كفاءة الحوكمة العامة، وذلك في نماذج عالمية واعدة، مثل:
بانكوك
ها هي بانكوك تسهم من خلال منصتها “Traffy Fondue” التي توفر وسيلة سهلة للمواطنين للإبلاغ عن مشكلات المدن؛ في معالجة نحو 600 ألف بلاغ من المواطنين، وذلك ساعد على تقليص زمن الاستجابة وتحسين تنسيق عمل الجهات المحلية.
وهو مثال على توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات العامة، وتحويل البيانات اليومية إلى أداة عملية لصنع القرار وتحسين جودة الخدمات؛ شريطة أنْ يقترن ذلك بالشفافية والمساءلة وإتاحة المشاركة الواسعة، حتى لا تتحول التقنيات الذكية إلى مصدر جديد للتفاوت أو الإقصاء.
سنغافورة
وبالمثل نجحت سنغافورة في توظيف الحلول الرقمية والأنظمة الذكية عبر خدمة “Moments of Life” في إحداث نقلة نوعية بتحسين كفاءة الخدمات الحكومية، فقد اختصرت هذه الخدمةُ زمنَ إنجاز الإجراءات المرتبطة بالمواليد الجدد من نحو 120 دقيقةً إلى 15 دقيقةً فقط.
ويُبرز تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هذا النموذج باعتباره دليلًا على قدرة الذكاء الاصطناعي على تبسيط رحلة المواطن داخل المؤسسات العامة، وتحسين التكامل بين الجهات الحكومية، وتحويل الخدمات من إجراءات مجزأة إلى تجارب متكاملة، بما يعزز الثقة.
بكين
وفي بكين أيضًا توجد تقنية التوأم الرقمي (بالإنجليزية: Digital Twins)، التي أصبحت نماذجَ رقميةً لحظيةً تدعم التخطيط الحضري وإدارة أخطار الفيضانات؛ أي أنها أصبحت نموذجًا افتراضيًّا يمثل النسخة الرقمية الحية لأي كيان أو نظام فعلي.
الذكاء الاصطناعي أمام مفترق طرق
وعلى ما سبق -في ظل ذلك الانتشار المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي- لا تمتلك سوى قلة من الدول أطرًا تنظيمية شاملة تحكم تقنيات الذكاء الاصطناعي، في وقت تشير فيه التحذيرات الأممية إلى أنَّ سوء استخدام هذه التقنيات قد يتسبب في أكثر من 40% من حوادث اختراق البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بحلول عام 2027.
وترافق هذه التحذيرات توصيةٌ بمعالجة جذور المشكلة سريعًا، وتأكيدٌ بأنَّ مستقبل التحول الرقمي سيعتمد اعتمادًا أساسيًّا على مدى قدرة الدول في بناء بنية تحتية رقمية عادلة، وتنمية المهارات، ووضع أطر حكومية قادرة على حماية المجتمعات من تداعيات هذا التحول المتسارع.
وختامًا، فإنَّ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يكشف عن أنَّ الفجوة الرقمية مسألة تكنولوجية وتحدٍّ اجتماعي واقتصادي؛ إذ يرتبط مستقبل الاستفادة من الذكاء الاصطناعي بقدرة الدول على توطين الابتكار، وتأهيل الكوادر، ووضع سياسات شاملة تضمن العدالة الرقمية، مع مراعاة حماية الفئات الأكثر هشاشة من آثار الأتمتة والاستبعاد الرقمي.
ولذلك تدعو مؤسسة حماة الأرض المجتمعات جميعها إلى وضع سياسات ذكية ومستدامة؛ من أجل إحداث تحول إيجابي في جهود دمج الذكاء الاصطناعي وأدواته باستراتيجيات شاملة للتنمية؛ استراتيجيات توازن بين الابتكار وتوزيع الفوائد والأخطار، وتضع الإنسان في مركز هذا التحول الرقمي العالمي.




