خطى مستدامة

الرعاية الصحية المنزلية في مصر.. تحول نوعي نحو منظومة شاملة مستدامة

الرعاية الصحية

الرعاية الصحية المنزلية في مصر.. تحول نوعي نحو منظومة شاملة مستدامة

تتحرك مصر بخطوات متسارعة نحو إعادة بناء منظومتها الصحية على أسس أكثر شمولًا واستدامة، مستفيدة من التحولات العالمية التي تضع صحة الإنسان في قلب خطط التنمية المستدامة. ومع تزايد الحاجة إلى نماذج رعاية مرنة تراعي كفاءة الموارد وتحافظ على جودة الحياة، يبرز التوجه إلى الرعاية الصحية المنزلية باعتباره من المسارات الاستراتيجية لبناء نظام صحي قادر على الاستجابة لمتطلبات التنمية المستدامة، بما يتفق مع الهدف (3) من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالصحة الجيدة والرفاه.

وفي هذا السياق، أطلقت الهيئة العامة للرعاية الصحية في يوليو 2025 مشروع “رعايتك في بيتك” رسميًّا؛ ليشكل نقطة تحول في طريقة تقديم الخدمات الصحية، حيث يهدف إلى نقل الرعاية الطبية من الإطار التقليدي للمستشفيات إلى بيئة المريض نفسها. هذا التحول يؤسس لفلسفة جديدة ترى أن الوصول إلى الخدمة الصحية هو حق أساسي يجب أن يتجاوز القيود المكانية والبيروقراطية.

رعايتك في بيتك

خدمات شاملة تدعم جودة الحياة

يقدم “مشروع رعايتك في بيتك” حزمة واسعة من الخدمات، تشمل خدمات طب الأسرة، والتمريض، والعلاج الطبيعي، ورعاية كبار السن والمصابين بالأمراض المزمنة، مع خطة لإضافة خدمات الرعاية النفسية وما بعد العمليات الجراحية، ويعتمد في ذلك على فرق طبية مؤهلة تعمل وفق بروتوكولات دقيقة تضمن الجودة والسلامة داخل بيئة المريض.

هذا النموذج لا يقتصر على تقديم خدمة طبية داخل المنازل، وإنما يعيد هيكلة طريقة تقديم الرعاية لتصبح أكثر تكاملًا مع احتياجات المجتمع؛ فمن خلال تخفيف العبء عن المستشفيات وتقليل معدلات الإقامة الطويلة، يسهم مشروع “رعايتك في بيتك” في إعادة توزيع الموارد الصحية بشكل أكثر كفاءة، ويتيح توجيه الإمكانيات نحو الحالات الحرجة والمستشفيات التعليمية.

كما أن إدماج خدمات الرعاية المنزلية في المنظومة الصحية يعمل على توفير حلقة وصل مباشرة بين الطب الوقائي والعلاجي، وهو ما يحسن من جودة الحياة، ويعد خطوة نحو سياسات صحية تتوافق مع مفهوم التنمية المستدامة.

طب الأسرة

مرونة الوصول ونموذج متنقل للرعاية

ولتوسيع نطاق الخدمة، اعتمدت الهيئة على سيارات “الهوم كير كار” المجهزة بأحدث المعدات الطبية لتوفير استجابة سريعة ومرنة، مع تغطية مبدئية لمحافظتي بورسعيد والإسماعيلية ضمن منظومة التأمين الصحي الشامل، وخطة للتوسع التدريجي في باقي المحافظات.

وقد نجحت فرق الرعاية الصحية المنزلية في تنفيذ أكثر من 2000 زيارة خلال المرحلة التجريبية، مع التزام بزيارة الحالات خلال 48 ساعة من الطلب، وفي اليوم نفسه للحالات الطارئة. هذه الأرقام تعكس تحولًا ملموسًا نحو نموذج صحي يضع سهولة الوصول والاستجابة السريعة في صميم أولوياته.

بُعد استراتيجي يتجاوز الخدمة الطبية

يمثل برنامج “رعايتك في بيتك” جزءًا من إعادة هيكلة شاملة للقطاع الصحي المصري باتجاه بناء نظام أكثر مرونة واستدامة، ومع إدماج المشروع في منظومة التأمين الصحي الشامل، يصبح أساسًا لتطوير سياسات صحية طويلة الأمد، تربط بين كفاءة الموارد وعدالة توزيع الخدمة، هذا البعد الاستراتيجي يمنح المشروع قيمة أكبر من كونه خدمة جديدة؛ ليصبح ركيزة في بناء بنية صحية تدعم استقرار المجتمع ونموه.

وإلى جانب هذا البعد الاستراتيجي، يعكس المشروع تحولًا في طريقة التفكير نحو تفعيل دور الرعاية الصحية في التنمية المجتمعية؛ فتبني نموذج الرعاية المنزلية يفتح المجال لإعادة تصميم الخدمات الصحية بحيث تُدمج داخل النسيج الاجتماعي والاقتصادي، وهو ما يسهم في بناء منظومة أكثر شمولًا قادرة على مواجهة الضغوط المتزايدة على الموارد، ومن هنا تتشكل أرضية تمهّد للتوسع في تطبيق هذا النموذج وربطه برؤية صحية مستدامة تتجاوز حدود الخدمة الطبية التقليدية.

التأمين الصحي الشامل

وفي هذا الإطار، فإنَّ هذا المشروع يشكل -وهو ما تراه مؤسسة حماة الأرض– حلقةَ وصلٍ بين الصحة والتنمية المستدامة، حيث يعيد صياغة مفهوم الرعاية الطبية ليصبح أكثر شمولًا؛ فالرعاية الصحية المنزلية تقلل من الأعباء على البنية التحتية للمستشفيات، كما تسهم في خفض الانبعاثات الناتجة عن التنقلات وتقليل استهلاك الموارد، وهذا ما يجعلها جزءًا من التحول نحو نظم صحية مستدامة.

ومن خلال هذا المشروع تؤكد مصر أنَّ الاستثمار في الصحة هو استثمار في الإنسان، وهذا يفتح الباب أمام رؤى مستقبلية تشمل دمج التكنولوجيا الرقمية، وأنظمة المراقبة عن بُعد، وتحليل البيانات الصحية لتطوير نموذج متكامل للرعاية الذكية؛ فمثل هذه الخطوات يمكن أن تجعل من التجربة المصرية مرجعًا إقليميًّا في بناء نظم صحية مرنة، وقادرة على مواجهة التحديات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى