الزراعة الأوروبية والاستدامة.. مسار جديد لتعزيز العائد الاقتصادي والحوافز البيئية

الزراعة الأوروبية والاستدامة.. مسار جديد لتعزيز العائد الاقتصادي والحوافز البيئية
اليوم تشهد الزراعة الأوروبية تحولًا جوهريًّا في السياسات، حيث تلتقي المصالح الاقتصادية بالأبعاد الاجتماعية والبيئية في محاولة لتحقيق توازن صعب بين الإنتاج الزراعي وحماية النظم البيئية؛ لذا أصبحت الحوافز البيئية جزءًا أساسيًّا من سياسات الزراعة الأوروبية.
وتلك السياسات تقوم على خطط تستهدف تشجيع المزارعين على تبني ممارسات مستدامة تسهم في الحد من التدهور البيئي والتغير المناخي. لكنْ هل تشكل هذه الحوافز عبئًا اقتصاديًّا على المزارعين، أم أنها استثمار طويل المدى يعزز استدامة الموارد ويحقق قيمة اقتصادية ومجتمعية مضاعفة؟
وللإجابة عن هذا السؤال سوف تتناول مؤسسة حماة الأرض آثار هذا التحول الزراعي الأوروبي من خلال قراءة معمقة لأبعاده، بما يبرز كيفية سعى أوروبا إلى صياغة نموذج اقتصادي بيئي متوازن يمكن أنْ يلهم مناطق أخرى من العالم في جهود الاستدامة؛ فتابعوا القراءة.
أين وصلت الزراعة الأوروبية؟
إنَّ فهم الزراعة الأوروبية والاستدامة يتطلب تحليلًا متكاملًا يجمع بين الدوافع الاقتصادية، والنتائج البيئية، والانعكاسات الاجتماعية لهذه السياسات، وذلك من خلال بُعدينِ اثنينِ؛ هما:
البعد الأول- تُعد الزراعة الأوروبية قطاعًا اقتصاديًّا محوريًّا ذا علاقة قوية بالأمن الغذائي والوظائف الريفية في تلك المنطقة المهمة من العالم.
البعد الآخر- يتمثل هذا البعد في أنَّ إدخالَ الحوافز البيئية يكشف -بصورة أو بأخرى- عن وعي متزايد بضرورة التحول نحو اقتصاد أخضر.
وبينَ هذينِ البعدينِ يتحدد مسار جديد، وهو مسار يعيد تعريف العلاقة بين المزارع والأرض؛ كي يطرح أمام القارئ أسئلة جوهرية حول مستقبل التنمية المستدامة وأهدافها السبعة عشر.

التكلفة الاقتصادية للحوافز البيئية
عند النظر في طبيعة الحوافز البيئية، نجد أنها تتراوح بين الدعم المباشر للمزارعين الذين يطبقون ممارسات صديقة للبيئة، وتسهيلات مالية للانتقال نحو أنظمة زراعية أكثر استدامة.
هذه التكاليف التي تتحملها الحكومات والاتحاد الأوروبي، قد تبدو للوهلة الأولى عبئًا على الميزانية العامة، خاصةً في ظل أزمات اقتصادية متكررة تشهدها القارة. ومع ذلك، فإنَّ المنظور الاقتصادي الأوسع يكشف أنَّ هذه التكاليف تمثل في الواقع استثمارًا في رأس المال الطبيعي (المقصود برأس المال الطبيعي مخزونَ الأرض من التربة والماء والهواء والموارد الحية)، الذي تعتمد عليه الزراعة نفسها.
ذلك لأنه عند تشجيع المزارعين على تقليل استخدام الأسمدة الكيماوية أو المبيدات -على سبيل المثال- فإنَّ ذلك يقلل من تلوث المياه والتربة؛ مما يحد من تكاليف المعالجة البيئية والصحية. وهنا يظهر الجانب الاقتصادي الخفي للحوافز؛ فهي لا تحمي البيئة فحسب، بل تخفض -أيضًا- النفقات العامة التي ستتحملها الحكومات لمعالجة آثار التلوث.
كما أنَّ إدخال الحوافز البيئية يعزز من مرونة المزارعين في مواجهة تقلبات الأسواق العالمية؛ فالمزارع الذي يعتمد على أساليب مستدامة في الإنتاج يصبح أقل عرضة لتقلب أسعار الأسواق الزراعية، مثل سوق الأسمدة؛ مما يضع الاقتصاد الزراعي الأوروبي في مسار اقتصادي أكثر استقرارًا.
ومِن زاوية أخرى، يمكن القول إنَّ هذه الحوافز وسيلة لإعادة توزيع الموارد المالية بما يخدم أهدافًا أوسع نطاقًا؛ فهي:
- تُسهم في تحقيق العدالة الاجتماعية عبر دعم صغار المزارعين.
- وتعمل على تعزيز الأمن الغذائي باعتباره قيمة اقتصادية ومجتمعية.
- وتدعم الاستثمار في رأس المال الطبيعي.
رأس المال الطبيعي وفوائده
تُظهر الدراسات أنَّ الحوافز البيئية ليست مجرد أداة مالية، بل هي وسيلة للحفاظ على رأس المال الطبيعي، الذي يعتمد عليه النشاط الزراعي؛ ففي الاقتصاد التقليدي يُنظر إلى الأرض والمياه والهواء باعتبارها موارد متاحة للاستغلال. لكنَّ المنظور الجديد يعيد تعريفها باعتبارها أصولًا اقتصاديةً لا تقل أهميةً عن رأس المال الطبيعي أو البشري.
فعندما يُخصص الاتحاد الأوروبي أموالًا لدعم الممارسات التي تحافظ على التنوع البيولوجي، فإنه في الواقع يستثمر في استدامة النظم البيئية، التي تؤمِّنُ للمزارعين خدماتٍ طبيعيةً أساسيةً، مثل تلقيح المحاصيل، أو تجديد خصوبة التربة.
وإنَّ النظر إلى الحوافز من حيث كونها استثمارًا طويلَ الأمدِ يساعد على إدراك قيمتها الحقيقية؛ فعلى الرغم من أنَّ المزارع قد يرى التحولَ إلى الزراعة المستدامة تحولًا باهظ الثمن -وربما يقلل من أرباحه في المدى القصير- فإنَّ المنفعة الاقتصادية على المدى الطويل أكثر استدامةً متى توفرت الإرادة الحقيقية.

التحديات الاقتصادية أمام المزارعين
وتلك التكلفة المحتملة عند التحول الزراعة المستدامة هي التحدي الأول، خاصة بالنسبة إلى صغار المزارعين، وفي ظل محدودية مواردهم المالية قد يصبح الأمر أشبه بمغامرة محفوفة بالمخاطر.
وأمَّا التحدي الثاني فهو أنَّ السوق الزراعي لا يكافئ دائمًا الممارسات المستدامة بشكل مباشر حتى الآن؛ فالمستهلك الأوروبي -بالرغم من وعيه الشديد بأهمية الاستدامة- لا يزال في كثير من الأحيان يبحث عن الأسعار الأقل؛ مما يضع المزارع المستدام في وضع تنافسي صعب.
إلى جانب ذلك، يثير تطبيق الحوافز البيئية تساؤلات حول العدالة في التوزيع؛ إذْ إنَّ هناك مخاوفَ من أنْ تستفيد المزارع الكبيرة بشكل أكبر من هذه السياسات، حينما يظل صغار المزارعين على الهامش. وهنا تظهر الحاجة إلى تصميم سياسات تأخذ بعين الاعتبار الفوارق الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمعات الريفية.
بين الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة
وتؤكد الدراسات أنَّ مستقبل الزراعة الأوروبية مرتبط بشكل وثيق بمدى نجاح سياسات الحوافز البيئية في تحقيق التوازن بين الاقتصاد والبيئة. وإذا أُديرت هذه السياسات بفاعلية فإنها ستفتح الباب أمام نموذجٍ جديد للزراعة، نموذجٍ قادرٍ على الاستجابة لتحديات الأمن الغذائي والتغير المناخي في آن واحد.
إنَّ دمج المنظور الاقتصادي في الحوافز البيئية لا يعني حساب التكاليف والعوائد فقط، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والطبيعة في إطار اقتصادي جديد. وهذا الإطار يُدرك أنَّ التنمية المستدامة معادلة اجتماعية واقتصادية وبيئية شاملة؛ فهي تقوم على مبدأ أنَّ رفاهية الإنسان لا تنفصل عن صحة البيئة.
ومع تزايد الوعي العالمي بأهمية الاقتصاد الأخضر، فإنَّ أوروبا تضع نفسها في موقع الريادة من خلال هذه السياسات. غير أنَّ التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الرؤية إلى واقع يلمسه المزارعون والمجتمعات الريفية، عبر أدوات اقتصادية عملية تعزز الثقة في أنَّ الاستثمارَ في الاستدامة هو استثمارُ المستقبلِ الذي ترغب فيه جميع شعوب العالم.
ويمكن القول إنَّ المنظور الاقتصادي للحوافز البيئية في الزراعة الأوروبية يضعنا أمام حقيقة جوهرية؛ هي أنَّ الاستثمارَ في الأرض والبيئة ضرورة اقتصادية ملحِّة، وأنه على الرغم من التحديات والتكاليف الأولية، فإنَّ الفوائد الطويلة الأمد -من خلال الأمن الغذائي، وتقليل النفقات العامة، وتعزيز مرونة الاقتصاد الزراعي- تجعل هذه السياسات رهانًا رابحًا.
لذلك تشدد مؤسسة حماة الأرض على أنَّ دمجَ الاقتصاد في الاستدامة الزراعية الطريقُ الأمثلُ إلى حماية كوكبنا وأنظمته البيئية، بما يحقق جميع أهداف التنمية المستدامة للأجيال الحالية والقادمة بشكل عادلٍ وشاملٍ.




