أخبار الاستدامة

فنادق عائمة صديقة للبيئة.. مشروع صيني يعزز السياحة في مصر

فنادق عائمة صديقة للبيئة.. مشروع صيني يعزز السياحة في مصر

في مشهدٍ يعكس تحولًا جذريًّا في ملامح السياحة المصرية، استقبل وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، وفدًا رفيعًا لإحدى كبرى شركات السياحة العالمية؛ من أجل بحث سُبل إطلاق مشروع هو الأول من نوعه في مصر: سلسلة من الفنادق النيلية العائمة، تجمع بين الفخامة والابتكار البيئي.

لذا، سوف تتناول حماة الأرض في هذا المقال كيف يمكن لمشروع سياحي أنْ يتحول إلى نقطة انطلاق نحو نمط جديد من السياحة البيئية؟ وما الذي تعنيه الفنادق العائمة الصديقة؟ من خلال تسليط الضوء على هذه الشراكة بين مصر والصين؛ فتابعوا القراءة.

شراكة صينية لتطوير السياحة النيلية في مصر

في أوائل شهر يوليو الجاري، عقد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، اجتماعًا مهمًّا مع رئيس مجلس إدارة إحدى الشركات الصينية، وذلك في العاصمة الإدارية الجديدة. اللقاء لم يكن بروتوكوليًّا بقدر ما كان فرصة حقيقية لفتح أبواب الاستثمار البيئي في قطاع طالما عانى من التهميش: السياحة النيلية. وقد أكّد حضور رئيس اتحاد الغرف السياحية -حسام الشاعر- أن المسألة تتجاوز التنسيق الحكومي لتدخل في عمق الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص.

عقد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، اجتماعًا مهمًّا

في الوقت نفسه، أكد المسئولون المصريون ضرورة التقدم بخطة تفصيلية لتنفيذ المشروع، ما يعكس جدية الدولة في الموازنة بين الطموح الاستثماري والالتزام البيئي، لا سيما في مشروعات يمكن أن تُغيِّر مستقبل السياحة في جنوب مصر.

ولذلك أعرب الوزير المصري عن حماسته للمشروع، وعبَّر صراحةً عن تقديره لنموذج الفنادق العائمة التي تنوي الشركة الصينية إطلاقها. وفي رؤيته لا يقتصر الأمر على إضافة نوع جديد من أماكن الإقامة، بل على إعادة تعريف السياحة النيلية باعتبارها منتجًا استراتيجيًّا قائمًا بذاته، وقادرًا على منافسة الوجهات العالمية بفضل ما يملكه النيل من خصوصية بيئية وتاريخية وثقافية.

ومن جهته، عرض رئيس الشركة الصينية الخطوط العريضة لرؤية شركته في مصر، التي ترتكز على إطلاق سلسلة فنادق نيلية عائمة تعتمد على معايير عالية من الاستدامة والتكنولوجيا، بدءًا من الطاقة النظيفة ووصولًا إلى التصميم الذكي. ولم يكن الطرح نظريًّا؛ إذْ أوضح المسئول الصيني أن الإجراءات الفعلية قد بدأت بالفعل لإطلاق أول فندق ضمن خطة تشمل خمسة فنادق كمرحلة أولى، ما يعكس جدية الشركة في تحويل الأفكار إلى واقع ملموس.

وفي ختام الاجتماع، أبدى الوزير استعداد الوزارة للتعاون البنّاء، لكنه اشترط التقدُّم بخطة تنفيذية شاملة يمكن دراستها فنيًّا ومؤسسيًّا. هذا التوازن بين الترحيب السياسي والاشتراط التنفيذي يعكس إدراكًا عميقًا بأن التنمية السياحية، لكي تكون ناجحة، لا بد أن تُبنى على دراسات متكاملة وشراكات واضحة، قادرة على أن تُحوِّل نهر النيل من مشهد جامد إلى مسار حيّ للتنمية والاستدامة.

ما بين الماء والتكنولوجيا

وفق ما أعلنه رئيس مجلس إدارة الشركة الصينية فإنَّ المشروع سيبدأ بإطلاق أول فندق عائم يعتمد على الطاقة النظيفة والتكنولوجيا الذكية، مع خطة لتشغيل خمس فنادق في المرحلة الأولى. هذه الخطوة تُعد بداية لعصر جديد من السياحة التي لا تستهلك البيئة، بل تحتضنها.

فنادق عائمة تعتمد على الطاقة النظيفة.

وما يميّز هذه الفنادق أنها لا تكتفي بأن تكون مرافق إقامة فاخرة، بل تم تصميمها لتكون وحدات صديقة للبيئة، تعمل بأنظمة تحكم ذكية في الطاقة، ومعالجة ذاتية للمياه، وتقنيات حديثة للتخلص من النفايات. وهي بذلك لا تقدّم تجربة سياحية فريدة فحسب، بل تقدم أيضًا رسالة واضحة: يمكن للسياحة أن تكون جزءًا من الحل البيئي، لا جزءًا من المشكلة.

وكذلك فإنَّ الزيادة الملحوظة في أعداد السائحين الصينيين خلال العام الماضي تعني أن هناك فرصة حقيقية لمصر لإعادة بناء جسور الترويج والتوسع نحو شرق آسيا، لا عبر الحملات الإعلانية فقط، بل من خلال مشروعات نوعية على الأرض تخاطب احتياجات وأذواق السيّاح المعاصرين، لا سيّما أولئك الذين يفضّلون التجارب البيئية الأصيلة.

النيل منصة للعدالة المناخية

تُشير مبادرة الشركة الصينية إلى أن الاستدامة لم تعُد مجرد توصيات بيئية تُكتب في تقارير، بل باتت شرطًا أساسيًّا لبقاء القطاعات الاقتصادية، وعلى رأسها السياحة. فكل مشروع لا يأخذ بالاعتبار التأثير البيئي بات مشروعًا قديمًا في زمن جديد.

ومما يجعل المشروع أكثر أهمية هو موقعه: نهر النيل، الذي يعاني أصلًا من التحديات البيئية كالتلوّث والتعدّي العمراني، وهو بحاجة إلى مشروعات تحفظه وتستثمر فيه دون أن تؤذيه. ومن خلال هذه الفنادق العائمة الذكية، يمكن للنيل أن يستعيد جزءًا من بريقه الطبيعي دون أن يدفع ثمنًا بيئيًّا باهظًا.

علاوة على ذلك، يتقاطع المشروع مع عدد من أهداف التنمية المستدامة، مثل الهدف 11 المتعلّق بالمدن المستدامة، والهدف 12 الخاص بالاستهلاك والإنتاج المسئولين، والهدف 13 المرتبط بالعمل المناخي. وهذا يعني أن المشروع لا يخدم الاقتصاد فحسب، بل يساهم أيضًا في التزامات مصر الدولية تجاه المناخ.

ختامًا، فإنَّ مشروع الفنادق العائمة الصديقة للبيئة يأتي في لحظة فارقة تمزج بين الضرورات الاقتصادية والالتزامات البيئية؛ لأنه يؤسس لنموذج تنموي جديد يُعلي من شأن العدالة المناخية والشراكة الدولية. وفي هذا الإطار لا تبدو السياحة البيئية ترفًا أو خيارًا، بل ضرورة وخيارًا استراتيجيًّا لبناء اقتصاد مرن ومستقبل أكثر استدامة. وإذا ما أُحسن تنفيذ هذا المشروع فقد يُصبح نواة لتحول أوسع، يعيد للسياحة دورها الحقيقي بوصفها أداة لإعادة التوازن بين الإنسان والبيئة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى