علوم مستدامة

مكافحة الفقر وتمكين الشباب.. أثر برامج الشمول الاقتصادي ونتائجها على المجتمع

الشمول الاقتصادي

مكافحة الفقر وتمكين الشباب.. أثر برامج الشمول الاقتصادي ونتائجها على المجتمع

تحولت قضايا الفقر وعدم المساواة والبطالة من أرقام تتداولها التقارير الدولية إلى واقع يفرض نفسه بقوة، ويضغط على قدرة المجتمعات في الصمود أمام اضطرابات اقتصادية ومناخية متلاحقة. وفي مواجهة هذا المشهد، يبرز الشمول الاقتصادي بوصفه أحد المسارات التي تعوِّل عليها المؤسسات الدولية لتعزيز الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.

ويشير مفهوم الشمول الاقتصادي -إجمالًا- إلى تلك البرامج التي تستهدف تمكين الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع -مثل الفقراء، والنساء، والشباب- من المشاركة الفعلية والمستدامة في النشاط الاقتصادي.

وعلى نحوٍ تفصيليٍّ فإنَّ مفهوم الشمول الاقتصادي يُترجَمُ إلى مساعدة الأسر الفقيرة على تحسين مستويات الدخل وتنمية الأصول عبر التحويلات النقدية الرقمية، والتدريب المهاري، وتوفير رأس المال للمشروعات الصغيرة، والإرشاد، وتسهيل الوصول إلى الأسواق. وهي أدوات تفتح مسارات جديدة نحو فرص اقتصادية أكثر استدامة ولا تكتفي بتقديم الدعم المباشر.

وضمن هذا التوجه حدَّد البنك الدولي هدفًا بتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتصل إلى 500 مليون شخص بحلول عام 2030، بينهم 250 مليون امرأة. ويمتد هذا النهج إلى منظومة تدخلات مترابطة تُترجم مفهوم الشمول الاقتصادي على أرض الواقع، بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة، لا سيما القضاء على الفقر، والمساواة بين الجنسين، والعمل اللائق.

ووفقًا لـ “تقرير حالة الشمول الاقتصادي 2024″ الصادر عن البنك الدولي، توسعت هذه البرامج لتصل إلى 15 مليون أسرة -أي أكثر من 70 مليون شخص في 88 دولة- تدير الحكومات معظمها، وتعمل المنظمات غير الحكومية على توسيع نطاق الدعم واستكماله. ورغم هذا التقدم يبقى الفقر المدقع تحديًا مُلحًّا، إذ يعيش نحو 700 مليون شخص بأقل من 2.15 دولار يوميًّا، ما يجعل تسريع نطاق هذه البرامج ضرورة عاجلة.

قوة الشمول الاقتصادي في تمكين المجتمعات

وتكشف التجارب الدولية أن برامج الشمول الاقتصادي تمتلك قدرة عالية على تحسين حياة الأسر الفقيرة وتعزيز استقرارها المالي؛ ومن بين أبرز هذه التجارب:

النيجر

في النيجر ارتفع إنفاق الأسر على الغذاء والرعاية الصحية والتعليم والسلع والخدمات الأخرى بنسبة 15% بفضل تطبيق تلك البرامج محليًّا، فيما تضاعفت إيرادات مشروعات النساء؛ مما يعكس أثرًا مباشرًا على تعزيز استقلاليتهن الاقتصادية.

زامبيا

وفي زامبيا أيضًا، حقق برنامج دعم سُبل عيش النساء” نموًّا يقارب 20% في الإنفاق على السلع الغذائية وغير الغذائية، و45% في أرباح المشروعات، وتمكن من تغطية تكلفته خلال عام واحد فقط، وهو مؤشر واضح على كفاءته الاقتصادية.

أفغانستان

وأيضًا تُقدم تجربة أفغانستان في هذا السياق نموذجًا معبِّرا عن مدى فاعلية هذه البرامج؛ إذ حققت الأسر المشاركة زيادة نسبتها 32% في الدخل وتنوعًا أكبر في مصادر الكسب بعد مرور خمس سنوات على تطبيق برامج الشمول الاقتصادي؛ الأمر الذي عزز قدرتها على مواجهة تحديات الجفاف والصراعات المتكررة.

وتُجمِع كل تلك النماذجُ على أنَّ برامج الشمول الاقتصادي استثمارٌ تنمويٌّ ذو عائدٍ مرتفعٍ، خاصةً عند دمج هذه البرامج بالأنظمة الحكومية، وحينها تتحول إلى رافعة تنموية قادرة على توسيع فرص العمل، وتحسين قدرة الصمود على المدى الطويل.

إشراك النساء والشباب لتحقيق تغيير مستدام

ومن بين أبرزِ آثارِ برامجِ الشمول الاقتصادي قدرتها على خلق فرصِ عملٍ منتِجةٍ للنساء، فعلى الرغم من أن 90% من هذه البرامج تستهدف النساء بشكل عام، فإن ثلثها فقط يركز بشكل صريح على تمكينهن اقتصاديًا. كما يمكن تعزيز هذه الجهود عبر إدخال بعض التعديلات على تصميم البرامج، لمعالجة قضايا مثل التقاليد الاجتماعية، وأعباء الرعاية، والعقبات القانونية، والتنظيمية.

من جهة أخرى، تمثل بطالة الشباب أولوية أخرى، لا سيما في المناطق التي تشهد نموًا سريعًا في تعدادها السكاني، وفي هذا السياق، نجد أن نحو ثلثي برامج الشمول الاقتصادي في مثل هذه المناطق تركز على الشباب، وهذا من خلال التشجيع على العمل الحر في البيئات الريفية، فيما تبرز في المدن الحاجة إلى برامج تُوسّع فرص العمل، من خلال التدريب على المهارات، وبرامج التدريب المهنية، وبناء شراكات مع أصحاب العمل، بما يوفّر للشباب مسارات اقتصادية أكثر تنوعًا واستدامة.

وفي بنجلاديش -على سبيل المثال- يُقدَّم نموذج ناجح تعاون فيه البنك الدولي مع الحكومة لتمكين الشباب الأكثر احتياجًا للدعم، خاصة النساء، من خلال التدريب والإرشاد وفرص التعلُّم المهني في مجالات جديدة، بما يعزز مشاركتهم الاقتصادية ويخلق مسارات أكثر استدامة.

توسيع نطاق الشراكات لترك أثر شامل

يتطلب توسيعُ برامجِ الشمول الاقتصادي ورفعُ فاعليتها تعزيزَ كفاءة تنفيذها وجودتها، وهو ما يمكن تحقيقه عبر أنظمة حكومية مدعومة بالتقنيات الرقمية، وبالشراكة مع المنظمات غير الحكومية والمجتمعية والقطاع الخاص لضمان وصول أكبر إلى الفئات الأكثر هشاشة.

ويعتمد هذا النهج على تكييف تصميم البرامج مع طبيعة كل مجتمع ومنطقة، بما يسهِّل توسعها واستدامتها عند دمجها ضمن منظومات الحماية الاجتماعية الوطنية. ويُعد النموذج المتكامل الذي يوفر فرص عمل للفقراء والفئات الضعيفة -مع ضمان حماية مناسبة خلال الأزمات- استثمارًا فاعلًا لأي حكومة جادة في مكافحة الفقر وتوفير فرص متكافئة تمكِّن المواطنين من تحسين أوضاعهم واستثمار إمكاناتهم.

تجربة مصرية رائدة

وفي سياق الجهود الوطنية لتعزيز العدالة الاجتماعية والحد من الفقر، تمثل تجربة برنامج تكافل وكرامة أحد أبرز النماذج الوطنية التي تجسِّد مبادئ الشمول الاقتصادي التي تناولها المقال؛ لأنَّ البرنامج يوفر مساعدات نقديةً مشروطةً للأسر الأشد فقرًا، ويمتد ليشمل المزج بين الدعم المالي وتمكين الأفراد عبر ربط المساعدات بالتعليم والصحة، بما يعزز بناء رأس مال بشري مستدام قادر على تحسين فرص الدخل على المدى الطويل.

ويستهدف البرنامج فئات متعددةً تشمل الأطفال، والنساء، وكبار السن، وذوي الإعاقة، وفق معايير محددة تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه. وقد شهد البرنامج توسعًا ملحوظًا خلال الأعوام الأخيرة، ليغطي نحو 5.2 مليون أسرة بإجمالي21 مليون مواطن، وبتمويل يصل إلى 41 مليار جنيه، في خطوة تعكس توجه الدولة نحو منظومة حماية اجتماعية أكثر شمولًا تتوافق مع أهداف التنمية المستدامة، مثل الهدف الأول: القضاء على الفقر.

نحو مستقبل أكثر صمودًا وعدالة

إنَّ تقرير حالة الشمول الاقتصادي 2024 يشير إلى أنَّ هذا الشمول يتجاوز كونه خيارًا استثماريًّا أمام الحكومات، ليصبح مسارًا قادرًا على تغيير حياة ملايين الأشخاص الذين يواجهون الفقرَ يوميًّا وغيابَ الفرص وتراجعَ الأمل.

وسواء تعلق الأمر بصنَّاع السياسات أو خبراء التنمية أو الشركاء الدوليين، يظل توسيع برامج الشمول الاقتصادي حيثما أمكن ضرورةً ملحَّة. وإذا ما أرادت المجتمعات بناء مستقبل أكثر صمودًا وشمولًا وإنصافًا، فإن تعزيز هذه البرامج هو أحد المفاتيح الأساسية لتحقيق تلك الغاية.

ومن هنا، ترى مؤسسة حماة الأرض ضرورة بذل مزيد من الجهد لتعزيز برامج الشمول الاقتصادي، خاصة مع التجارب الوطنية الرائدة مثل تكافل وكرامة، التي أثبتت قدرة الحماية الاجتماعية -حين تُدمج بالتمكين الاقتصادي- على إحداث أثر حقيقي في حياة الفئات الأكثر هشاشة؛ بما يدعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة المرتبطة بالقضاء على الفقر، والعمل اللائق ونمو الاقتصاد؛ تمهيدًا لمستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا للجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى