علوم مستدامة

24 ساعة من انقطاع الكهرباء.. أزمة الوقود تدفع كوبا لتسريع حلول الطاقة المتجددة

الطاقة المتجددة

24 ساعة من انقطاع الكهرباء.. أزمة الوقود تدفع كوبا لتسريع حلول الطاقة المتجددة

يشهد قطاع الطاقة في العديد من الدول النامية ضغوطًا متزايدة نتيجة تداخل الأزمات الاقتصادية مع اضطرابات أسواق الوقود وتزايد تأثيرات التغير المناخي. وتبرز الطاقة المتجددة بوصفها أحد المسارات الرئيسية التي تتجه إليها الحكومات لتعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود المستورد. وتزداد أهمية هذا التحول في الاقتصادات التي تعاني من هشاشة في منظومة الكهرباء وارتفاع تكلفة الوقود، ما يدفعها إلى البحث عن مصادر طاقة محلية أكثر استقرارًا على المدى الطويل.

وتعد كوبا مثالًا واضحًا على هذا الاتجاه، حيث تواجه البلاد مزيجًا معقدًا من التحديات المرتبطة بتراجع إمدادات الوقود وتهالك البنية التحتية الكهربائية وتزايد تأثيرات الظواهر المناخية المتطرفة. وفي ظل هذه الظروف، بدأت الحكومة تسريع مشاريع الطاقة الشمسية والرياح في محاولة لتخفيف أزمة الكهرباء وإعادة تشكيل مزيج الطاقة الوطني.

ومن خلال هذه التحولات، يسلِّط المقال الضوء على أبعاد أوسع تشمل توسع مشاريع الطاقة النظيفة، والتحديات المرتبطة بالبنية التحتية والاستثمارات، إضافة إلى الآثار الاجتماعية للتحول في قطاع الطاقة داخل البلاد.

الطاقة المتجددة استجابة لأزمة الكهرباء في كوبا

شهدت كوبا خلال الأشهر الأخيرة واحدة من أشد أزمات الطاقة منذ سنوات، مع انقطاعات كهرباء امتدت في بعض المناطق إلى نحو 24 ساعة متواصلة. ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، أبرزها تراجع إمدادات النفط القادمة من فنزويلا تحت تأثير الضغوط والعقوبات الأمريكية، إضافة إلى الأعطال المتكررة في محطات الكهرباء القديمة التي تشكل العمود الفقري لنظام التوليد في البلاد.

ومع ارتفاع تكلفة الوقود وتراجع القدرة على استيراده، بدأت الحكومة الكوبية في توسيع اعتمادها على الطاقة المتجددة بوصفها أحد المسارات الممكنة لتخفيف الضغط على الشبكة الكهربائية. كما تزداد أهمية هذا التوجه بالنظر إلى هشاشة نظام الطاقة الحالي، إذ يعتمد جزء كبير من إنتاج الكهرباء على منشآت حرارية قديمة تعاني من أعطال متكررة وتكاليف تشغيل مرتفعة.

وفي ظل هذه الظروف، يبدو التحول نحو مصادر طاقة محلية أقل اعتمادًا على الواردات خطوة تهدف إلى تعزيز قدر من الاستقرار في الإمدادات الكهربائية. ويقود هذا الواقع إلى النظر في كيفية توسع مشاريع الطاقة النظيفة داخل البلاد.

استيعاب الطاقة القادمة من مصادر متجددة بشكل مرن

توسع مشاريع الطاقة الشمسية والرياح

استجابة لهذه التحديات، وضعت الحكومة الكوبية خططًا لتوسيع مشاريع الطاقة المتجددة خلال السنوات المقبلة، مع التركيز على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. إذ تشير الاستراتيجية الوطنية للتحول في قطاع الطاقة إلى هدف رفع حصة المصادر المتجددة إلى نحو 26% من إجمالي مزيج الطاقة بحلول عام 2035. وفي هذا الإطار، أعلنت السلطات عن خطط لإنشاء 92 محطة طاقة شمسية بقدرة إجمالية تصل إلى نحو 2 جيجاوات بحلول عام 2028.

وقد شهد عام 2025 تسارعًا ملحوظًا في تنفيذ هذه المشاريع، حيث ارتفعت القدرة الإنتاجية للطاقة المتجددة بنحو 350% خلال عام واحد، بينما وصل عدد محطات الطاقة الشمسية المكتملة إلى 35 محطة بقدرة تقارب 750 ميجاوات. كما يجري تطوير مشاريع طاقة الرياح، من بينها مزرعة رياح في منطقة “هيرادورا” يُتوقع أن تنتج نحو 33 ميجاوات عبر 22 توربينًا.

ويأتي جزء مهم من هذه المشاريع بدعم وتمويل صيني، في مؤشر على دور الشراكات الدولية في دعم التحول نحو الطاقة النظيفة في الاقتصادات التي تواجه قيودًا مالية. وتشير تقارير إلى أن بعض مشاريع الطاقة الشمسية تم تمويلها عبر ترتيبات تبادل موارد، حيث تحصل الشركات الصينية على إمدادات من النيكل الكوبي –الذي تمتلك البلاد أحد أكبر احتياطياته عالميًّا– مقابل توريد الألواح الشمسية والمعدات المرتبطة بها، في نموذج يعكس تزايد الترابط بين سلاسل المعادن الاستراتيجية وتقنيات الطاقة النظيفة، غير أن توسع القدرة الإنتاجية يطرح بدوره تساؤلات حول قدرة البنية التحتية الحالية على استيعاب هذا التحول.

فخ البنية التحتية المتهالكة

على الرغم من التقدم الملحوظ في مشاريع الطاقة المتجددة، فإن التحول الكامل لمنظومة الطاقة في كوبا يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالبنية التحتية والاستثمارات المطلوبة. فشبكة نقل الكهرباء في البلاد تعاني من تقادم واضح، ما يؤدي إلى فقدان نحو 16% من الكهرباء المنتجة في أثناء عملية النقل، وفق تقديرات خبراء الطاقة. ويشير ذلك إلى أن التوسع في التوليد وحده لن يكون كافيًا دون تحديث شامل للشبكة الكهربائية.

استهلاك الكهرباء

إضافة إلى ذلك، يتطلب تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للتحول في قطاع الطاقة استثمارات تتراوح بين 8 و10 مليارات دولار خلال العقد المقبل، وهو رقم كبير بالنسبة لاقتصاد يواجه ضغوطًا مالية حادة. كما تبرز مشكلة تخزين الكهرباء باعتبارها أحد التحديات التقنية الرئيسية، إذ تعتمد الطاقة الشمسية على ساعات النهار بينما يبلغ ذروة الطلب على الكهرباء في المساء، ما يستدعي استثمارات إضافية في تقنيات البطاريات وأنظمة التخزين. هذه التحديات التقنية والمالية من شأنها أن تفتح نقاشًا أوسع حول الأبعاد الاجتماعية لهذا التحول داخل البلاد.

التحول للطاقة النظيفة والعدالة الاجتماعية

إلى جانب التحديات الاقتصادية، يبرز البعد الاجتماعي كعامل مؤثر في مسار انتشار الطاقة المتجددة داخل كوبا. فمع استمرار انقطاعات الكهرباء، بدأ بعض السكان في تركيب ألواح شمسية صغيرة لتأمين احتياجاتهم الأساسية من الكهرباء. غير أن هذه الحلول تبقى محدودة الانتشار بسبب ارتفاع تكلفتها مقارنة بمستويات الدخل المحلية.

وتشير تقديرات محلية إلى أن سعر اللوح الشمسي الواحد قد يصل إلى نحو 130 دولارًا، في حين يبلغ متوسط الدخل الشهري في بعض المناطق نحو 10 جنيهات فقط. ونتيجة لذلك، تميل القدرة على الاستفادة من الطاقة الشمسية إلى الارتباط بالطبقات الأكثر قدرة ماليًّا، مثل أصحاب المشاريع الصغيرة أو الأسر التي تتلقى تحويلات مالية من الخارج. ويعكس هذا الواقع تحديًا إضافيًّا يتمثل في ضرورة ضمان وصول هذا التحول إلى مختلف الفئات الاجتماعية دون تعميق الفجوة الاقتصادية.

نصائح ترشيد الكهرباء

في الختام، تكشف تجربة كوبا أن التحول نحو الطاقة المتجددة قد يبدأ بوصفه استجابة لأزمة طاقة حادة، لكنه يتحول تدريجيًا إلى مسار استراتيجي لإعادة بناء منظومة الطاقة الوطنية. فمع تزايد تقلبات أسواق الوقود وتأثيرات التغير المناخي، أصبح تنويع مصادر الطاقة عنصرًا أساسيًّا في تعزيز أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي في العديد من الدول.

وترى من جانبها مؤسسة حماة الأرض أنَّ تجربة كوبا تعكس أهمية دمج التحول في قطاع الطاقة مع سياسات تنموية شاملة تراعي تحديث البنية التحتية وضمان العدالة في الوصول إلى الطاقة. فالتوسع في مصادر الطاقة النظيفة يسهم في دعم الهدف 7 من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالطاقة النظيفة وتوفيرها بأسعار معقولة، كما يرتبط بتعزيز البنية التحتية والابتكار الصناعي ضمن الهدف 9، إضافة إلى دعم جهود العمل المناخي المرتبطة بالهدف 13.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى