صناعات مستدامة

فجوة الاستثمار في الطاقة: تحدٍ رئيسي أمام التوسع في إنتاج الطاقة النظيفة

الطاقة المتجددة

فجوة الاستثمار في الطاقة: تحدٍ رئيسي أمام التوسع في إنتاج الطاقة النظيفة

يشهد العالم تغيرًا متسارعًا في قطاع الطاقة، يتجاوز ملف المناخ، ليمس قضايا أخرى مؤثرة مثل أمن الإمدادات، وتكلفة الطاقة، وقدرة الاقتصادات على دعم الصناعة والنمو. وفي هذا الإطار يتصدر الاستثمار في الطاقة المشهد، باعتباره المفتاح لتوسيع ملف الطاقة المتجددة وبناء بنية تحتية قادرة على تلبية الطلب المتزايد بصورة مستقرة وميسورة.

وقد تحقق تقدم واضح عالميًّا في استخدام مصادر الطاقة المتجددة، حيث أصبحت الطاقة النظيفة -مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح- الجزء الأكبر من القدرات الجديدة المضافة، وتسهم بنحو 40% من توليد الكهرباء. ومع ذلك، يفرض هذا التوسع تحديات متزايدة على البنية التحتية القائمة، ويجعل تحديث الشبكات وتعزيز مرونتها شرطًا أساسيًّا للحفاظ على استمرارية هذا التقدم.

ويتناول المقال هذه القضية من زوايا متعددة، تبدأ برصد فجوة الاستثمار في البنية التحتية للطاقة، ثم تناقش كلفة تأخر الاستثمار وأثره على الأسعار والصناعة وثقة الجمهور، مع استعراض لنماذج رائدة في هذا الملف، قبل الانتقال إلى مسارات الحل والخيارات العملية القادرة على دفع الاستثمار في الطاقة إلى الأمام خلال المرحلة المقبلة.

أزمة الاستثمار في الطاقة

تُظهر الخبرة العملية في تشغيل أنظمة الطاقة أن البنية التحتية أصبحت في صدارة نقاشات أمن الطاقة، مع اتساع الفجوة بين الطموحات السياسية وحجم الاستثمار الفعلي المطلوب لتنفيذها. وقد أعادت الانقطاعات المتكررة وتعثر الشبكات خلال عام واحد فقط تسليط الضوء على حالة الضغط التي تعمل تحتها منظومات الطاقة، في وقت يتسارع فيه الطلب وتتوسع فيه مصادر التوليد.

وفي أوروبا -على سبيل المثال- برز هذا التناقض بوضوح؛ إذ دفعت صدمة الطاقة بعد حرب أوكرانيا إلى توسع سريع في الطاقة المتجددة، لترتفع حصتها من 38% إلى 47% من توليد كهرباء الاتحاد الأوروبي خلال أربع سنوات. ومع ذلك، ظهرت اختناقات البنية التحتية وتقادم أجزاء منها بوصفها عاملًا يؤثر في استدامة هذا التقدم، ويكشف أن التوسع في الإنتاج لم يواكبه استثمار في الطاقة بنفس الوتيرة.

ومن هنا، لم تعد فجوة الاستثمار في الطاقة مسألة تقنية تخص قطاعًا بعينه، بل تحولت إلى عامل مؤثر في أداء الاقتصاد، واستقرار الأسعار، وثقة المجتمع في قدرة أنظمة الطاقة على تلبية الاحتياجات الأساسية، وهو ما يضع كلفة هذا التأخر في صدارة النقاش العام.

أثر فجوة البنية التحتية على الاقتصاد والمجتمع

تؤدي أعطال البنية التحتية للطاقة إلى انقطاعات واسعة للكهرباء، تمتد آثارها من تعطِّل الأنشطة الاقتصادية إلى اضطراب الحياة اليومية للمجتمعات. وقد أسهم تقادم الأصول، وضعف وتيرة الاستثمار، والضغط المتزايد على الشبكات في وقوع انقطاعات كبرى خلال الفترة الأخيرة، من بينها الانقطاع الذي شهدته إسبانيا والبرتغال في أبريل 2025، بما عكس حجم الهشاشة التي تعيشها أنظمة الطاقة.

وتقدِّر وكالة الطاقة الدولية أن العالم يحتاج إلى مضاعفة قدرات الشبكات القائمة خلال الخمسة عشر عامًا المقبلة لتحقيق الأهداف المناخية. ومع تباطؤ الاستثمار، تتكدس مشروعات طاقة متجددة بقدرة تصل إلى 1,500 جيجاوات في انتظار الربط بالشبكات، ما ينعكس على فرص التصنيع، ومسارات خفض الانبعاثات، ويزيد من أعباء كلفة الطاقة المرتبطة بالاعتماد على الواردات من الوقود التقليدي.

وتسهم اختناقات الشبكات في ارتفاع أسعار الطاقة، وتباطؤ النمو الصناعي، وتآكل ثقة الجمهور في قدرة الأنظمة على توفير طاقة ميسورة. وقد كشفت موجات ارتفاع الأسعار خلال الأزمات الأخيرة عن حساسية الاقتصادات تجاه الفجوة بين التوسع في الإنتاج وجاهزية البنية التحتية. وفي أوروبا -على سبيل المثال-، أثرت القيود الشبكية في الأسعار واستخدام الطاقة المتجددة، بينما أدت محدودية البنية التحتية في آسيا والمحيط الهادئ إلى تعطُّل توسيع استخدام الكهرباء وحرمان شرائح واسعة من إمدادات مستقرة.

ومع اتساع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، يؤدي تأخر الاستثمار في الشبكات والبنية التحتية إلى زيادة كلفة استيعاب هذه المصادر داخل أنظمة الطاقة. ومع ارتفاع هذه الكلفة، تصبح القدرة على توفير طاقة بأسعار ميسورة عاملًا حاسمًا في نجاح مسار التوسع الحالي. وفي هذا السياق، يتقدم الاستثمار في الطاقة إلى صدارة الأولويات العامة، بوصفه قضية ترتبط بإدارة الموارد، وتوقيت القرارات، وتكامل أدوات التخطيط والتنظيم.

ومن هذا المنطلق، يبرز السؤال العملي المتعلق بآليات التنفيذ، وكيفية تحويل هذه الأولوية إلى مشروعات فعَّالة قادرة على التعامل مع التعقيدات التنظيمية والتمويلية والمجتمعية المحيطة بقطاع الطاقة.

كيف يمكن تجاوز معضلة التنفيذ؟

يتطلب تطوير البنية التحتية للطاقة تحركًا منسقًا يجمع بين السياسات العامة ورأس المال الخاص. فقد اعتمدت تجارب ناجحة، مثل التوسع المبكر لطاقة الرياح في الدنمارك، على شراكات بين القطاعين العام والخاص، جمعت بين الحوافز الحكومية والابتكار الخاص. وأسهمت أدوات مثل البنوك الخضراء والتمويل المدمج في توجيه مليارات الدولارات نحو تحديث الشبكات وتعزيز جاهزيتها.

كما ساعدت الأطر التنظيمية المرنة على تسريع هذا المسار، من خلال إتاحة مساحات تجريبية لتطبيق نماذج جديدة، واختبار تقنيات متقدمة، وتشجيع المرونة اللامركزية، بما يحقق توازنًا أفضل بين مصالح مشغلي الشبكات والمستهلكين. وقد برز هذا النهج في الولايات المتحدة وألمانيا ودول الشمال الأوروبي، حيث جرى توظيف التنظيم كأداة داعمة للاستثمار.

ويظل دعم المجتمع عنصرًا أساسيًّا لنجاح الاستثمار في الطاقة، ففي عام 2024، استخدمت شركة Iberdrola أسلوبًا تفاعليًّا لتوضيح تحديات التحول في الطاقة لعملائها، ما ساعد على رفع مستوى الفهم وبناء القبول. وتُظهر هذه التجربة أهمية التواصل المباشر والشفافية في تعزيز الثقة، خاصة مع توسع مشروعات البنية التحتية.

وترتبط قدرة هذه النماذج على الاستمرار بمدى تحقيق توازن بين تمويل الاستثمارات والحفاظ على كلفة طاقة ميسورة، مما يضعنا أمام تجارب رائدة وناجحة نجحت في تحويل المبادئ العامة إلى سياسات قابلة للتطبيق، وهو ما يدفع إلى التوقف عند نماذج دولية بعينها لفهم كيف أمكن ترجمة الاستثمار في الطاقة إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

دروس الصين ودول الشمال في الاستثمار في الطاقة

تعكس التجربة الآسيوية حجم التحولات الجارية في الطلب على الطاقة، حيث يدفع النمو الاقتصادي وتوسُّع استخدام الكهرباء إلى احتياجات غير مسبوقة من الاستثمار في الطاقة، خاصة في البنية التحتية. ووفقًا لأبحاث صادرة عن البنك الآسيوي للتنمية والمنتدى الاقتصادي العالمي، تمثل منطقة آسيا والمحيط الهادئ نحو 60% من الانبعاثات الكربونية العالمية، وتضم 60% من سكان العالم، ما يجعل قرارات الاستثمار في أنظمة الطاقة فيها ذات تأثير مباشر على مستقبل الاستدامة عالميًّا.

ثاني أكسيد الكربون

وفي السياق ذاته، تبرز الصين باعتبارها نموذجًا لنهج استثماري واسع النطاق في قطاع الطاقة. فقد ضخت نحو 625 مليار دولار في الطاقة النظيفة خلال عام 2024، متجاوزة حجم الاستثمارات في أوروبا وأمريكا الشمالية. والأهم أن هذا التوسع في التوليد رافقه استثمار موازٍ في البنية التحتية، بما يعكس إدراكًا لأهمية التوازن بين إنتاج الطاقة ونقلها وتوزيعها.

ويجسِّد نظام النقل فائق الجهد (UHV Transmission) في الصين هذا التوجه، إذ صُمم لدمج موارد متجددة واسعة ونقل الكهرباء لمسافات طويلة بكفاءة عالية. ويُعد خط نينغشيا–هونان (Ningxia-Hunan)، الذي بدأ تشغيله في أغسطس 2025، مثالًا على ذلك، بقدرته على تزويد نحو 10 ملايين منزل بالكهرباء المعتمدة أساسًا على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

في المقابل، تواجه أوروبا تحديًا يتمثل في تسريع وتيرة الاستثمار في الطاقة لمواكبة توسعها في مصادر التوليد المتجددة. ويمكن للقارة الاستفادة من خبرة دول الشمال الأوروبي، التي راكمت أكثر من أربعة عقود من تطوير أنظمة طاقة متقدمة، شملت بناء شبكات ربط عابرة للحدود، وتعزيز الاستثمارات في البنية التحتية، والتركيز على المرونة والأتمتة الرقمية.

وتشير التقديرات الأوروبية إلى حجم الفجوة القائمة، إذ أوصى تقرير دراجي (Draghi) المنسوب لرئيس الوزراء الإيطالي السابق ورئيس البنك المركزي الأوروبي الأسبق ماريو دراجي حول التنافسية الأوروبية – وهو خطة استراتيجية شاملة لاستعادة القوة الاقتصادية لأوروبا –باستثمار نحو 300 مليار يورو سنويًّا في قطاع الطاقة، تشمل الشبكات ومصادر التوليد. ورغم توقع تجاوز استثمارات شبكات الكهرباء في الاتحاد الأوروبي 70 مليار يورو عام 2025، أي ضعف ما كانت عليه قبل عقد، فإن وتيرة الاستثمار لا تزال أقل من سرعة التوسع في الطاقة المتجددة، ما يفرض ضغوطًا متزايدة على أنظمة الطاقة.

وتكشف هذه التجارب مجتمعة أن نجاح الاستثمار في الطاقة لا يرتبط بحجم التمويل وحده، بل بكيفية توجيهه، وتكامله مع السياسات والتنظيم والحوكمة. وهو ما يفتح النقاش حول الخطوات العملية التي تحتاجها الدول لتعزيز هذا الاستثمار وتحويله إلى نتائج مستقرة وقابلة للاستمرار.

توصيات استثمار البنية التحتية للطاقة

تمتلك الحكومات والمستثمرون المجتمعون في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي 2026 في دافوس فرصة حقيقية للعمل المشترك وقيادة التغيير في ملف الاستثمار في بنية الطاقة التحتية، وذلك عبر التركيز على المحاور التالية:

  • منح الأولوية للاستثمارات الاستباقية: الانتقال من التخطيط بوصفه “رد فعل” إلى التخطيط “الاستشرافي” الذي يدمج الطاقات المتجددة، وتقنيات التخزين، ومرونة الشبكات على نطاق واسع.
  • تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص: حشد رأس المال والخبرات لتحديث الشبكات بسرعة عبر الاستفادة من التمويل المبتكر والدعم التنظيمي، حيث ستكون الاستثمارات الوطنية المدعومة برأس المال الخاص ضرورة حتمية.
  • تسريع الابتكار التنظيمي: تبني أطر عمل عابرة للحدود وتعريفات مرنة للكهرباء، ما سيؤدي إلى فتح الباب أمام الاستثمارات الخاصة، والتقنيات الجديدة، ونماذج الأعمال المبتكرة.
  • إشراك الجمهور: يجب التواصل بوضوح مع المجتمعات حول الفوائد الضخمة لهذه الاستثمارات، بما في ذلك أمن الطاقة، وخفض التكاليف، والنمو الاقتصادي، وإزالة الكربون، مع إشراكهم الفعلي في الحوار حول تطوير هذه البنية التحتية.

يرتبط نجاح مسار التحول في الطاقة بقدرة الدول على تبني رؤية شاملة لأنظمة الطاقة، تقوم على الاستثمار في الطاقة بوصفه ركيزة أساسية في البنية التحتية والمرونة التشغيلية، وليس مجرد استجابة ظرفية للأزمات. فبناء أنظمة طاقة ميسورة التكلفة، وقادرة على الصمود، يتطلب قرارات استباقية تنظر إلى الاستثمار باعتباره عامل استقرار طويل الأجل يدعم النمو الاقتصادي وأمن الإمدادات.

ومن جانبها، تشدد مؤسسة حماة الأرض على ضرورة تعزيز الوعي بأهمية الاستثمار المتوازن في الطاقة لارتباطه مباشرة بتحقيق عدد من أهداف التنمية المستدامة، وفي مقدمتها الهدف السابع المتعلق بالطاقة النظيفة وبأسعار ميسورة، والهدف التاسع الخاص بالبنية التحتية والصناعة المستدامة، إلى جانب الهدف الثالث عشر المعني بالعمل المناخي. ومن هذا المنطلق، تطرح المؤسسة هذه القضية في سياق تحليلي وتوعوي يربط بين أمن الطاقة، والعدالة الاقتصادية، وحماية الموارد، بما يسهم في بناء فهم أوسع لمسارات تطوير قطاع الطاقة ودوره في تحقيق تنمية أكثر استدامة للأجيال الحالية والمقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى