العدالة الاجتماعية في شهر رمضان الكريم.. هل يتحول التكافل إلى مسار مستدام؟

العدالة الاجتماعية في شهر رمضان الكريم.. هل يتحول التكافل إلى مسار مستدام؟
تحتل قضية الفقر موقعًا مركزيًّا في الأجندة الدولية المعنية بالتنمية، لما تمثله من تحدٍّ مباشر أمام تحقيق العدالة الاجتماعية داخل المجتمعات كافةً. وهي القضية التي تبلورها أهداف التنمية المستدامة، مثل الهدف الأول: القضاء على الفقر.
سبب ذلك الموقع الذي تحتله قضية الفقر وما يرافقها من فجوات اجتماعية هو أنَّ تقديرات دولية تشير إلى أنه ما يزال مئاتٌ من ملايين البشر حول العالم يعيشون تحت خط الفقر، وهذه الفجوات العالمية تضع تحديات مستمرة أمام الحكومات والمجتمعات والأفراد على حد سواء.
وهنا تبرز العدالة الاجتماعية بوصفها مسارًا من المسارات الرئيسية القادرة على معالجة الفقر وفجواته؛ إذْ تضمن بدورها توزيعًا أكثر توازنًا للموارد والفرص، وذلك باتباع أنماط سلوك مجتمعي مسئول، وتنفيذ آليات تضامن وتكافل إنساني شامل.
وبالتزامن مع أيام شهر رمضان الكريم، تتجدد ممارسات التكافل بصور لافتة، من الزكاة والصدقات إلى المبادرات الأهلية؛ وهو ما يمنح هذا الشهر المبارك بُعدًّا اجتماعيًّا واقتصاديًّا يتيح قراءة أثر التضامن والعدالة الاجتماعية -وفق جوهر الدين الحنيف- في الحد من الفقر.
لذلك يبرز تساؤل ذو أهمية بالغة حول أثر الشهر الكريم في تحقيق العدالة الاجتماعية بين أفراد المجتمع، إلى جانب انعكاساته الاقتصادية، ودور السياسات العامة في تعميق آثاره الإيجابية، وكيفية الاستفادة من هذا الزخم الموسمي، ثم تحويله من استجابة ظرفية إلى مسار تنموي مستدام يدعم تحقيق الهدف الأول -القضاء على الفقر- على مدار العام.
العدالة الاجتماعية وتجليات التكافل في رمضان
مما هو مشاهد في شهر رمضان من كل عام أنَّ هناك ارتفاعًا واضحًا في حجم الزكاة والصدقات ومبادرات إطعام الصائمين، فضلًا عن جانب نشاط مكثف للجمعيات الأهلية والمتطوعين. وتؤدي هذه الممارسات إلى إعادة توزيع جزء من الموارد من الفئات القادرة إلى الأسر الأكثر احتياجًا، بما يخفف من الأعباء المعيشية، ويحد من فجوة الاستهلاك في أثناء الشهر الكريم.

وذلك كله له أثر واضح يتجلى في الحراك المجتمعي الذي هو أحد أبرز وجوه العدالة الاجتماعية؛ لأنه يتيح للفئات ذات الدخل المحدود الحصول على قدرٍ من الدعم، قدرٍ يخفف من مؤشرات اختلال توزيع الموارد داخل المجتمع.
ويحمل هذا التكافل أبعادًا أخرى غير بُعدَي توفيرِ الغذاء والدعمِ المالي؛ لأنه يعزز شعور الانتماء والمشاركة بين أفراد المجتمع، وتتشابك من خلاله جهود المؤسسات كلها في شبكة تضامن واسعة. ويجسد هذا التفاعلُ العدالةَ الاجتماعيةَ في صورتها العملية عبر تقاسم المسئولية، وتقليص الفجوات بين الفئات المختلفة؛ ليصبح مفهومها -أي مفهوم العدالة الاجتماعية- ممارسة يومية حاضرة في الواقع المجتمعي.
الأثران الاجتماعي والاقتصادي
إلى جانب البعد الخيري يحمل رمضان تأثيرًا اقتصاديًّا ملموسًا يمتد إلى قطاعات متعددة؛ فارتفاع الطلب على السلع الغذائية والاستهلاكية يظهر جليًّا في حركة الأسواق والتجارة الداخلية، ويؤدي إلى زيادة الإنتاج والتوزيع، كما يدفع بعض المنشآت إلى توسيع نشاطها مؤقتًا لتلبية الطلب المتزايد، وكذلك يستفيد من هذه الحركة عدد من العمالة الموسمية وسلاسل الإمداد المرتبطة بالتجارة الغذائية.
ومع ذلك فإنَّ هذا النشاط يرتبط أحيانًا -بشكل أو بآخر- بأنماط استهلاكية تتجاوز حدود الاحتياج الفعلي، وهو ما يبرز أهمية توجيه الإنفاق نحو استهلاك رشيد يدعم الإنتاج المحلي، ويحد من الهدر في شهر تحمل نفحاته الخير للجميع!
وفي الإطار نفسه، نجد أنَّ اتساع حملات التبرع وتكثيف نشاط الجمعيات الأهلية يسهمانِ في توجيه موارد مالية وعينية إلى الفئات الأكثر احتياجًا، وهو ما يخفف الضغط على ميزانيات الأُسر المحدودة الدخل، خاصةً في البيئات التي ترتفع فيها معدلات الفقر أو تتأثر بتقلبات الأسعار.
وهذا التفاعل بين النشاط الاقتصادي والعمل الخيري يبني بعدًا عمليًّا لمفهوم العدالة الاجتماعية، حيث تتقاطع آليات السوق مع شبكات التضامن لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، سوى أنَّ هذا الحراك يظل مرتبطًا بإطار زمني محدد؛ مما يجعل أثره الاقتصادي عرضة للتراجع عند انتهاء الموسم؛ وسبب ذلك هو أنَّ فرص العمل المؤقتة لا تتحول بالضرورة إلى مصادر دخل مستدامة، والدعم الغذائي لا يعالج أسباب الهشاشة الاقتصادية؛ وبالتالي يبرز هنا سؤال حول كيفية توظيف هذه الطاقة المجتمعية والاقتصادية في بناء أدوات أكثر استمرارية؛ كي تسهم في معالجة جذور الفقر، وتعزز العدالة الاجتماعية على مدار العام.
من العمل الموسمي إلى المسار المستدام
إنَّ تحويل الزخم الرمضاني إلى مسار مستمر يتطلب إعادة تنظيم العمل الخيري على أسس أكثر انتظامًا، وأيضًا يمكن أنْ يشمل ذلك توجيه جزء من التبرعات إلى برامج تمكين اقتصادي، مثل دعم المشروعات الصغيرة أو التدريب المهني، بما يعزز قدرة الأُسر على توليد دخل مستقر، كما أنَّ إنشاء قواعد بيانات دقيقة للفئات المستحقة يرفع من كفاءة التوزيع، ويحد من الازدواجية.
وعلى المستوى الفردي يمكن أنْ يتجاوز أثر التبرع حدود الدعم الفوري عبر خطوات عملية أكثر استدامة، من بينها:
- تخصيص جزء من الزكاة أو الصدقات لدعم مشروع صغير يدر دخلًا مستمرًّا لأسرة محتاجة.
- الإسهام في تعليم أو تدريب مهني لشباب من الأسر ذات الدخل المحدود؛ لتمكينهم من فرص العمل اللائق.
- الاشتراك في مبادرات توفر دعمًا دوريًّا بدلًا من المساعدة مرَّةً واحدة.
- تحويل المساعدات العينية إلى أدوات إنتاجية، مثل معدات بسيطة، أو مستلزمات عمل.
هذا التحول في نمط العطاء يعزز العدالة الاجتماعية في شهر رمضان وغيره عبر الانتقال من الإعانة المؤقتة إلى التمكين الاقتصادي، كذلك يسهم ربط مبادرات الزكاة والصدقات ببرامج الحماية الاجتماعية في تعزيز استدامة الأثر المجتمعي الإيجابي، حينما تصبح المساعدات جزءًا من منظومة متكاملة تدعم العدالة الاجتماعية على مدار العام.
دور السياسات العامة في ترسيخ العدالة الاجتماعية
وعلى ذلك النحوِ التكافليِّ بين رمضانَ وجوهرِ الاستدامة تؤدي الدولة دورًا محوريًّا في تحويل المبادرات المجتمعية إلى سياسات أكثر اتساقًا واستمرارية؛ لأنَّ دمجَ جهود العمل الخيري ضمن شبكات الحماية الاجتماعية، وتوفيرَ أطر تنظيمية واضحة، وتعزيزَ الشراكات مع القطاع الخاص؛ كلها خطوات تدعم انتقال الجهود من الطابع الفردي إلى الطابع المؤسسي.

وفضلًا عمَّا سبق، نجد أنَّ الاستثمارَ في نظم المعلومات والتقييم يتيح قياس الأثر الحقيقي للمبادرات التكافلية، ويعزز مسار توجيه الموارد إلى الأكثر احتياجًا؛ وحينئذٍ تصبح العدالة الاجتماعية نتيجة لتكامل أدوار بين المجتمع والدولة.
وختامًا، يكشف شهر رمضان الكريم عن قدرة قيم المجتمع على دعم العدالة الاجتماعية من خلال إعادة توزيع الموارد، وتعزيز التضامن الشامل، غير أنَّ الأثر المستدام يتطلب الانتقال من المبادرات الموسمية إلى منظومة متكاملة تسهم في تقليل الفقر بصورة مستمرة، بما ينسجم مع الهدف الأول من أهداف التنمية.
ومن جانبها، ترى مؤسسة حماة الأرض أنَّ تحويل التكافل الرمضاني إلى إطار مؤسسي مستدام يمثل فرصة لتعزيز العدالة الاجتماعية عبر أدوات قائمة على التخطيط والحوكمة والتنسيق بين مختلف الفاعلين، بما يرسخ مسارًا تنمويًّا أكثر استقرارًا على المدى الطويل.




