خطى مستدامة

العدالة الاجتماعية في مصر 2030: من رؤية استراتيجية إلى واقع ملموس

العدالة الاجتماعية

العدالة الاجتماعية في مصر 2030: من رؤية استراتيجية إلى واقع ملموس

لا تنهض الأمم على المال وحده، ولا تستقيم حضاراتها على نمو صناعي فقط، بل تستوجب التنمية الحقة أن تمسّ حياة الناس في عمقها الإنساني، حيث الكرامة، والتكافؤ، والعدالة الاجتماعية؛ ولذلك يغدو البعد الاجتماعي في مسار التنمية المستدامة أشبه بالوتر الخفي الذي يُنسج منه النسيج الوطني المتماسك.

وفي مصر -حيث تتداخل تحوُّلات الحاضر بطموحات المستقبل- تزداد الحاجة إلى ترسيخ هذا البُعد؛ لأنه دعامة تُفضي إلى استقرار عادل ونمو شامل يطال الجميع دون إقصاء أو تهميش، بما يحقق العدالة الاجتماعية في جميع صورها. ومن هذا المنطلق تسعى حماة الأرض إلى إلقاء الضوء عل أبرز جهود مصر في مجال تحقيق العدالة الاجتماعية، بما يجلي أهمية البعد الاجتماعي في أهداف التنمية المستدامة.

أبعاد التنمية المستدامة

تُعرف التنمية المستدامة بأنها التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها الخاصة. وهي تقوم على ثلاثة أبعاد رئيسية مترابطة ومتكاملة، تُعرف غالبًا بالأبعاد الثلاثة للتنمية المستدامة أو الركائز الثلاث؛ وهي:

البعد الاجتماعي

يركز هذا البعد على رفاهية الإنسان والعدالة الاجتماعية، ويهدف إلى تحقيق مجتمعات عادلة ومنصفة وشاملة، حيث يتمتع جميع الأفراد بفرص متساوية للوصول إلى الخدمات الأساسية، مثل التعليم الجيد، والصحة، والعيش بكرامة، والمشاركة الكاملة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ويشمل هذا البعد قضايا مثل القضاء على الفقر والجوع، تعزيز المساواة بين الجنسين، توفير التعليم الجيد، الرعاية الصحية، المياه النظيفة والصرف الصحي، العمل اللائق، والحد من أوجه عدم المساواة.

التعليم الجيد

البعد الاقتصادي

يركز هذا البعد على النمو الاقتصادي الذي يحقق الرخاء ويزيد من فرص العمل، مع ضمان الاستخدام الفعال والمستدام للموارد. ويهدف إلى تحقيق الازدهار الاقتصادي على المدى الطويل دون استنزاف الموارد الطبيعية أو الإضرار بالبيئة. ويشمل ذلك قضايا مثل الإنتاج والاستهلاك المستدامين، التمويل المستدام، والنمو الاقتصادي الشامل.

البعد البيئي

 يُعنى هذا البعد بحماية الموارد الطبيعية والنظم البيئية للأرض. ويهدف إلى الحفاظ على التنوع البيولوجي، ومكافحة التلوث، والتخفيف من تغير المناخ والتكيف معه، وإدارة الموارد الطبيعية بشكل مستدام.

موقع البعد الاجتماعي من الأبعاد الأخرى

البعد الاجتماعي ليس منفصلًا عن البعدين الاقتصادي والبيئي، بل هو متجذر فيهما ويتأثر بهما بشكل كبير، ويؤثر فيهما بدوره؛ إذْ إنَّ العلاقةَ بين هذه الأبعاد علاقةٌ تكامليةٌ وليست تنافسيةً، وإليكم في السطور الآتية لمحة عن هذا التكامل:

التكامل مع البعد الاقتصادي

ولا يمكن تحقيق نمو اقتصادي مستدام دون مجتمع صحي ومتعلم ومنتج؛ لأنَّ الاستثمار في التعليم والصحة والتدريب -البعد الاجتماعي- يؤدي إلى قوة عاملة أكثر كفاءة وإنتاجية؛ مما يدعم النمو الاقتصادي. وفي المقابل يوفر النمو الاقتصادي الموارد اللازمة للاستثمار في البرامج الاجتماعية والبنية التحتية التي تحسن حياة الناس.

البنية التحتية

التكامل مع البعد البيئي

المجتمعات التي تعيش في بيئة صحية تكون أكثر قدرة على التنمية والازدهار؛ فإنَّ توفير المياه النظيفة والصرف الصحي -بعد اجتماعي- يعتمد على إدارة الموارد المائية بشكل مستدام؛ وهذا بعد بيئي. كما أنَّ التدهور البيئي -مثل التلوث وتغير المناخ- يؤثر تأثيرًا مباشرًا وغير متناسب في الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع؛ ومِن ثَمَّ تتزايد أوجه عدم المساواة بين أفراد المجتمع الواحد؛ ولذلك فإنَّ حماية البيئة هي جزء لا يتجزأ من تحقيق العدالة الاجتماعية.

إذنْ، فإنَّ البعد الاجتماعي -باختصار- قلب التنمية النابض وغايتها الكبرى؛ لأننا بهذا البعد نخدم الإنسان في المقام الأول، وتكون الفوائد موزعة بشكل عادل، ليمثل في النهاية الهدف النهائي للتنمية المستدامة؛ من أجل إتاحة عالم يعيش فيه الناس بكرامة، وصحة، ومساواة، وذلك ضمن حدود كوكب مستدام.

التمكين الاجتماعي في رؤية مصر 2030

من أجل أهمية البعد الاجتماعي في مسار تحقيق العدالة الاجتماعية تسعى مصر من خلال “رؤية مصر 2030” إلى دمج هذا البعد في سياساتها التنموية، عبر تحقيق العدالة، ودمج الفئات المهمشة، وتعزيز مشاركة المرأة والشباب وذوي الإعاقة في صياغة المستقبل.

ولذلك تم تطوير الرؤية لتكون أكثر شمولًا للعدالة الاجتماعية، مستهدفةً تحسين جودة الحياة لجميع المصريين، وتقليص الفجوات بين الفئات والمناطق. وقد شهدت مصر إطلاق حزمة من المبادرات التي تعكس هذا التوجّه، مثل:

مبادرة حياة كريمة

تُعَد مبادرة حياة كريمة من كبرى المبادرات الاجتماعية في تاريخ مصر، وتهدف إلى تحسين مستوى المعيشة في قرى الريف المصري، من خلال تطوير البنية التحتية، وتقديم خدمات التعليم والصحة، وتوفير سبل العيش الكريم.

برنامج تكافل وكرامة

إنَّ برنامج تكافل وكرامة يستهدف الأُسر الأولى بالرعاية، ويوفر دعمًا نقديًّا مشروطًا وغير مشروط.

التمكين الاقتصادي للمرأة

تقوم مصر بجهود ذات أثر فعَّال في مجال تمكين المرأة، وذلك من خلال سَنَّ التشريعات وإقرار القوانين التي تفتح الأفق أمام قدرات المرأة، وهو الأمر الذي نراه حاضرًا في برامج تدريبية ومبادرات لدعم رائدات الأعمال في المناطق الريفية والحضرية على حد سواء.

ومن أبرز هذه البرامج برنامج “رائدات الريف” و”هي تقود”، إذْ يركز البرنامج الأول على تأهيل النساء من خلال التدريب على المهارات الحرفية، والتوعية بالصحة والتغذية، وتسهيل إنشاء مشروعات منزلية في مجالات كصناعة الجبن والخبز. وأمَّا البرنامج الثاني فهو يسعى إلى بناء قدرات رائدات الأعمال الناشئات من خلال المعسكرات التدريبية، والتسويق الرقمي، وتنمية المهارات التقنية؛ مما فتح آفاقًا اقتصادية جديدة أمام الفتيات في البيئة الرقمية وسوق العمل.

العدالة الاجتماعية والمواطنة

يُعدّ تعزيز مفهوم المواطنة أحد المحاور الجوهرية في البعد الاجتماعي للتنمية المستدامة، وهو ما تكرّسه الدولة المصرية عبر ترسيخ قيم المشاركة والمسئولية المجتمعية، وبناء مؤسسات خدمية أكثر كفاءة وعدالة. ويتجلّى ذلك في سياسات تستهدف تحقيق العدالة في التوزيع، ودمج الفئات الأقل تمثيلًا، وتفعيل مبادئ الشفافية ومعايير الحوكمة الرشيدة.

الاستثمار في رأس المال البشري

وتشكل الصحة والتعليم محورًا رئيسيًّا في الجهود المبذولة لتعزيز البعد الاجتماعي في مسار تحقيق العدالة الاجتماعية، وقد كثفت الدولة استثماراتها في تطوير المنظومة التعليمية والصحية، من خلال:

  • مشروع التأمين الصحي الشامل: الذي يهدف إلى تغطية جميع المواطنين بخدمات صحية متكاملة.
  • خطط إصلاح التعليم: التي تشمل التحول الرقمي، وتطوير المناهج، وتحسين كفاءة المعلمين.

ويُنظر إلى هذه الجهود بوصفها استثمارًا بعيد المدى في رأس المال البشري، الذي يُعدّ الأساس لبناء اقتصاد مستدام ومجتمع قادر على التكيُّف مع التغيّرات الإقليمية والعالمية.

وكذلك تولي الدولة المصرية اهتمامًا كبيرًا بتمكين الشباب، باعتبارهم العمود الفقري لأي عملية تنموية؛ ولذا تم إنشاء منصّات حوارية مثل مؤتمرات الشباب، وتفعيل آليات المشاركة المجتمعية، وإطلاق المبادرات الريادية في مجالات التعليم والعمل التطوعي وريادة الأعمال.

التحول الرقمي

وقد انعكس ذلك في دعم مساحات الابتكار، وتوفير فرص التدريب، وربط التعليم بسوق العمل، بما يُعزز من إدماج الشباب في منظومة التنمية، من خلال مبادرات مثل “رواد 2030“، التي دعمت حاضنات الابتكار وريادة الأعمال بين الشباب، وبرنامج التعليم الفني المزدوج الذي يربط الدراسة بسوق العمل من خلال التدريب داخل المصانع، فضلًا عن مراكز الابتكار الصناعي التي تؤهّل الخريجين بمهارات تكنولوجية متقدمة؛ وكلها جهود مصرية تُجسّد توجهًا استراتيجيًّا نحو تمكين الشباب من الإسهام الفعَّال في التنمية المستدامة.

وفي الختام، فإنَّ مؤسسة حماة الأرض ترى في المشهد المصري الحالي جهودًا متسارعة في تعزيز البعد الاجتماعي للتنمية المستدامة، الأمر الذي يعكس تحولًا نوعيًّا في الفهم الرسمي والشعبي لمعنى التقدم، حيث إنَّ مواصلة الاستثمار في الإنسان، وتعزيز سياسات الحماية والتمكين، وضمان الشفافية والمساءلة، وتحقيق العدالة الاجتماعية؛ ركيزة ضرورية لضمان تحقيق جميع أهداف التنمية المستدامة بعدالة وشمولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى