الفجوة الرقمية في عصر الذكاء الاصطناعي، تنمية عادلة أم مستقبل غير متكافئ؟

الفجوة الرقمية في عصر الذكاء الاصطناعي، تنمية عادلة أم مستقبل غير متكافئ؟
تمثل الفجوة الرقمية اليوم أحد أبرز التحديات التي تعيد تشكيل مسار التنمية العالمية، في وقت تتسارع فيه دول العالم نحو التحول الرقمي، وتتزايد النقاشات حول حوكمة الذكاء الاصطناعي وضمان الابتكار المسؤول. غير أن هذا التقدم التقني اللافت يكشف، في المقابل، واقعًا مقلقًا يتمثل في بقاء ملايين البشر خارج نطاق الاتصال بالإنترنت، ما يبرز مفارقة صارخة بين عالم يتقدم رقميًّا وآخر لا يزال محرومًا من أبسط أدوات هذا التقدم.
وتُعرَّف الفجوة الرقمية بأنها الفارق بين المجتمعات التي تمتلك القدرة على الوصول إلى الإنترنت والتكنولوجيا الرقمية واستخدامها بفاعلية، وتلك التي تفتقر إلى هذه الإمكانات. وتكمن خطورة هذه الفجوة في أنها تقع في صميم معادلة التنمية المستدامة بوصفها قضية عدالة، وفرص، ومشاركة اقتصادية، واجتماعية. فالتقدم التكنولوجي يفقد معناه التنموي إذا ظل الوصول إليه غير متكافئ، وهو ما يجعل السؤال الجوهري عن مدى شموليته وقدرته على خدمة الجميع.
الفجوة الرقمية بين نطاق التغطية والاستخدام
ولفهم أبعاد الفجوة الرقمية، لا بد من التمييز بين توسع التغطية التقنية وبين الاتصال الفعلي. فقد شهد العالم خلال السنوات الأخيرة توسعًا غير مسبوق في تغطية شبكات الإنترنت، حتى باتت الغالبية العظمى من السكان تعيش ضمن نطاق هذه الشبكات، في إنجاز يُحسب للبنية التحتية الرقمية العالمية.
غير أن هذا التوسع أخفى حقيقة أساسية: وجود الشبكة لا يعني بالضرورة أن الأفراد متصلون بها. فملايين البشر، يعيشون داخل نطاق التغطية لكنهم يظلون خارج العالم الرقمي بسبب عوائق تتعلق بتكلفة الأجهزة والخدمات، أو نقص المهارات الرقمية، أو غياب المحتوى الملائم لاحتياجاتهم. وهنا تتجسد الفجوة الرقمية بوصفها فجوة استخدام لا مجرد فجوة تغطية، ما يحوِّل البنية المتاحة إلى فرصة غير مكتملة.
كما تمتد آثار هذه الفجوة إلى ما هو أبعد من الأرقام والبنية التحتية، لتطال قطاعات تمس حياة الأفراد اليومية، وهو ما يكشف البعد الإنساني العميق للفجوة الرقمية.

التنمية الرقمية في الميزان (التعليم، الصحة، الاقتصاد)
تنعكس الفجوة الرقمية بوضوح على ثلاثة مسارات رئيسية تشكل ركائز التنمية البشرية: التعليم، والصحة، والاقتصاد. فقد أصبح غياب الاتصال الرقمي عاملًا حاسمًا في ترسيخ الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي، متجاوزًا كونه مسألة تقنية بحتة.
مسار التعليم
يحرم ضعف الاتصال أو انعدامه ملايين الأفراد من الوصول إلى المعرفة والمنصات التعليمية الرقمية، ويعمِّق التفاوت بين من يمتلكون أدوات التعلم الحديثة ومن يُحرمون منها. ويؤدي ذلك إلى تراجع فرص بناء رأس مال بشري قادر على مواكبة متطلبات سوق العمل المتغير.
مسار الرعاية الصحية
يحدُّ غياب الاتصال من الاستفادة من خدمات الرعاية الصحية الرقمية، والتوعية، والمتابعة عن بُعد، ما يجعل الفئات الأكثر هشاشة عرضة لمخاطر مضاعفة، ويؤثر سلبًا على الوقاية وجودة الخدمات الصحية.
المسار الاقتصادي
تقيِّد الفجوة الرقمية قدرة الأفراد على المشاركة في الاقتصاد الرقمي، سواء عبر فرص العمل، أو إدارة المشروعات الصغيرة، أو الاستفادة من الخدمات المالية الرقمية. وتشير التقديرات الدولية إلى أن سد هذه الفجوة الرقمية قد يضخ قرابة 3.5 تريليون دولار في شرايين الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، ما يعكس حجم الخسائر الناجمة عن استمرار الإقصاء الرقمي.
غير أن تعمُّق الاعتماد على الحلول الرقمية يفتح نقاشًا جديدًا حول أثر التطورات التكنولوجية الأوسع، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، على الفجوة الرقمية، وهل سيسهم في تقليصها أم سيتحول إلى عامل رئيسي في توسيعها.
الذكاء الاصطناعي.. جسر للتمكين أم أداة للتهميش؟
يحمل الذكاء الاصطناعي وعودًا كبيرة بتحسين كفاءة الشبكات، وتوسيع نطاق الخدمات الرقمية، وإتاحة المحتوى باللغات المحلية. غير أن هذه الوعود تظل مشروطةً بتوافر الاتصال الرقمي ذاته؛ فالفئات غير المتصلة -رقميًّا- لن تكون قادرة على المشاركة في هذه التحولات، ناهيك عن الاستفادة منها.
ويبرز هنا خطر مضاعف يتمثل في التحيزات اللغوية والثقافية داخل نماذج الذكاء الاصطناعي، نتيجة هيمنة لغات وثقافات بعينها على بيانات تدريب تلك النماذج. وقد يؤدي ذلك إلى تهميش اللغات المحلية الأخرى وتعميق عدم المساواة الرقمية، ما لم تُدمج المجتمعات المحلية في تطوير نماذج تعكس تنوعها الثقافي والمعرفي.
ومن ثمَّ، يتضح أن الذكاء الاصطناعي قد يتحول من أداة للتمكين إلى عامل لتفاقم الفجوة الرقمية، إذا لم يُبنَ على أسس عادلة من الوصول والتمثيل الشامل.

سد الفجوة الرقمية كأولوية تنموية
في ضوء هذه التحديات البارزة، يصبح سد الفجوة الرقمية أولوية تنموية لا تحتمل التأجيل. فمعالجة هذه الفجوة تتطلب سياسات واضحة تعتبر الوصول إلى الاتصال والمهارات الرقمية حقًا أساسيًّا، لا امتيازًا.
ويعني ذلك تمكينًا تشريعيًّا، واستثمارًا موجَّهًا في البنية التحتية والقدرات البشرية، وتعاونًا دوليًّا يزيل العوائق أمام الاتصال الرقمي الشامل. كما يستلزم أن يُغذِّي هذا الاتصال منظومات الذكاء الاصطناعي ببيانات أكثر تنوعًا، بما يقلل التحيزات ويعزز الشمول.
وختامًا، تكشف هذه القراءة أن القضية المحورية لا تتعلق بمستقبل الذكاء الاصطناعي في حد ذاته، بقدر ما تتصل بمستقبل الملايين الذين قد يُتركون خارجه إذا استمرت الفجوة الرقمية في الاتساع دون خطوات حاسمة لمواجهتها.
ومن هذا المنطلق، ترى مؤسسة حماة الأرض أن وضع أطر تشريعية داعمة، والاستثمار في القدرات البشرية وتنمية المهارات الرقمية، إلى جانب دعم النماذج المحلية، تمثل أولويات تنموية أساسية لسد هذه الفجوة. ويُعد هذا المسار ضروريًّا لضمان أن يخدم التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي أهداف التنمية المستدامة، وأن يسهما في تعزيز الصمود المجتمعي وتوسيع دائرة الفرص، بدلًا من ترسيخ التهميش وعدم المساواة.




