علوم مستدامة

اكتشاف جديد.. الذكاء الاصطناعي ينقذ حياة الإنسان

الذكاء الصناعي

اكتشاف جديد.. الذكاء الاصطناعي ينقذ حياة الإنسان

مع تسارع التطور التكنولوجي، لم يعد التشخيص الطبي مقتصرًا على الفحوصات التقليدية مثل الأشعة والتحاليل، وإنما توسّع ليشمل تحليل نبرة الصوت للكشف المبكر عن أمراض عصبية مثل مرض باركنسون، والآن بمساعدة الذكاء الاصطناعي قد تنقذ مكالمة هاتفية عادية حياة إنسان.

وفي هذا السياق، أظهرت دراسة حديثة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تطورًا ملحوظًا في هذا المجال؛ إذ تم ابتكار خوارزمية ذكاء اصطناعي قادرة على اكتشاف علامات مبكرة لهذا المرض من خلال تحليل التسجيلات الصوتية فقط، هذا التطور يفتح آفاقًا جديدة لتشخيص أكثر دقة وسرعة، ويعزز إمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية في المناطق النائية والفقيرة.

وفي هذا المقال، تسلط حماة الأرض الضوء على هذا الابتكار العلمي، وتوضح كيف يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي أن تحسن جودة التشخيص الطبي، وتُحدث نقلة نوعية في الوقاية والعلاج، بما يدعم جهود التنمية المستدامة في تحسين الصحة العالمية؛ فتابعوا القراءة.

باركنسون مرض يسرق الحياة

مرض باركنسون عبارة عن اضطراب عصبي يصيب الدماغ، يتسلل ببطء إلى حياة المريض، ويؤثر تدريجيًّا في قدرته الحركية والنطق والتوازن، وغالبًا ما يصيب المرض كبار السن، غير أنه لا يستثني من هم في منتصف العمر أيضًا، وقد يبدأ بأعراض خفيفة تكاد تكون غير مرئية، مثل رجفة بسيطة في اليد، أو بطء في المشي، أو تراجع في نبرة الصوت.

تكمن خطورة المرض في صمته المبكر؛ فالأعراض المبدئية قد يخلطها البعض مع الإرهاق أو تقدم السن الطبيعي؛ مما يُؤخر عملية التشخيص والعلاج. ومع مرور الوقت، يبدأ المرض في السيطرة على العضلات، ويؤثر في حياة المريض بشكل جذري، مسببًا تحديات في التنقل والتواصل وحتى في القيام بأبسط المهام اليومية.

ورغم التقدم الكبير في علم الأعصاب، فلا يزال تشخيص باركنسون مبكرًا يمثل تحديًا طبيًّا؛ فالأدوات التقليدية لا تكتشف المرض إلا بعد تطوره، حين تكون الخلايا العصبية المسئولة عن الحركة قد تضررت بشدة، وهنا تبرز الحاجة إلى أدوات جديدة، أكثر دقة وأسرع استجابة، تنقذ المريض في الوقت المناسب، وهذا ما يفعله الذكاء الاصطناعي اليوم.

كيف يكشف الصوت المرض؟

في هذه الدراسة الثورية التي أشرنا إليها، قام الفريق البحثي بتدريب خوارزمية ذكاء اصطناعي على آلاف العينات الصوتية لأشخاص يعانون من باركنسون وآخرين أصحاء، ولم يكن الأمر يتعلق بكلمات أو جمل، وإنما بنبرة الصوت، وإيقاعه، واهتزازاته الدقيقة، وتمكنت الخوارزمية من اكتشاف تغيرات طفيفة في الصوت لا تستطيع الأذن البشرية تمييزها بسهولة.

ركزت التقنية على مؤشرات دقيقة مثل ارتجاف خفيف في الحنجرة، وتباطؤ في إيقاع النطق، وضعف في القوة الصوتية، وكلها علامات لا يلاحظها الطبيب أثناء الفحص الروتيني، إلا أن الذكاء الاصطناعي، عبر ما يُعرف بـ”التعلم العميق”، استطاع أن يتعلم أنماط هذه التغيرات ويستخرج منها إشارات مبكرة على وجود المرض.

الميزة الكبرى لهذه الطريقة أنها غير تدخّلية تمامًا؛ فالمريض لا يحتاج إلى زيارة المستشفى أو إجراء تصوير دماغي مكلف، وإنما يكفي أن يتحدث عبر الهاتف أو يسجل مقطعًا صوتيًّا ليتم تحليله لاحقًا، هذا الأسلوب قد يحدث نقلة نوعية في مجال طب الأعصاب، ويجعل التشخيص المبكر متاحًا للجميع، حتى في المناطق الريفية أو الدول ذات الموارد الطبية المحدودة.

وليست هذه التقنية محصورة في مرض باركنسون فقط، وإنما يرى العلماء أن استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل الإشارات العصبية في الصوت يمكن أن يُشكل انطلاقة نحو تشخيص أمراض عصبية أخرى، مثل الزهايمر أو التصلب الجانبي الضموري (Amyotrophic lateral sclerosis – ALS)، التي تمثل هي الأخرى تحديًا كبيرًا في الطب الحديث.

فهذا النوع من الأمراض غالبًا ما يترك آثارًا غير مباشرة في الصوت، أو الحركة، أو حتى الإيقاع السلوكي للمريض، وهي إشارات يمكن رصدها وتحليلها بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي. ومع تطور الأجهزة المحمولة، يمكن للتطبيقات الذكية أن تقوم بهذه المهمة دون حاجة لأجهزة خاصة؛ مما يجعل هذه التقنية ثورية من حيث إمكانية الوصول وسهولة الاستخدام.

غير أن الطريق إلى اعتماد هذه التكنولوجيا لا يزال طويلًا؛ إذ يجب أن تخضع لاختبارات سريرية دقيقة وتجارب متنوعة عبر بيئات وثقافات مختلفة، وهذا لا يقلل من قيمتها، وإنما يبرز مدى الحرص اللازم عند دمج الذَّكاء الاصطناعيّ في المجال الطبي الذي يتعلق بحياة الإنسان، ومع ذلك فإن التقدم الحالي يبشر بتحوّل جذري في أساليب تشخيص الأمراض العصبية والتعامل معها؛ مما يفتح آفاقًا جديدة لتحسين جودة الرعاية الصحية.

الذكاء الاصطناعي يدعم التنمية المستدامة

ما يحدث الآن لا يمكن فصله عن السياق العالمي لأهداف التنمية المستدامة، وتحديدًا الهدف (3) الذي يدعو إلى ضمان حياة صحية وتعزيز الرفاه للجميع؛ فتقنيات التشخيص المبكر القائمة على الذَّكاء الاصطناعيّ قد تسهم في تقليل أعداد الحالات المتقدمة من الأمراض، وتخفيف العبء المالي على أنظمة الرعاية الصحية، خاصةً في الدول النامية.

فعندما يتمكن المريض من اكتشاف المرض في وقت مبكر، تقل الحاجة إلى العلاجات المكلفة، ويصبح بالإمكان التعايش مع المرض بطريقة أفضل، مع تحكم أكبر في الأعراض، وتأخير تطور الحالة، كما أن هذا النوع من الابتكارات يعزز العدالة الصحية، حيث يمكن تعميمه على نطاق واسع دون تمييز طبقي أو جغرافي.

ومن هنا ترى حماة الأرض أن ربط التكنولوجيا بالصحة العامة أصبح ضرورة إنسانية، حيث يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا مكملًا للخبرة الطبية؛ إذ يوفر أدوات أكثر دقة وسرعة في التشخيص والتنبؤ بالأمراض؛ مما يعزز فرص تحقيق أهداف التنمية المستدامة، ويُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، ويحث على الاستمرار في دعم وتطوير هذه التقنيات لتعزيز صحة الإنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى