المتحف المصري الكبير حضارة خالدة برؤية مستدامة

المتحف المصري الكبير حضارة خالدة برؤية مستدامة
تسير مصر بخطى ثابتة نحو مستقبل يرتكز على الإنسان المصري وقدراته، في إطار رؤية مصر 2030 التي لا تقتصر على المشروعات الاقتصادية فقط، وإنما تشمل أيضًا بناء الإنسان وتعزيز الهوية الوطنية، ويُعد الاستعداد لافتتاح المتحف المصري الكبير خطوة مهمة تُجسد هذا التوجه الوطني، حيث يبرز التراث المصري العظيم باعتباره جزءًا من مستقبل التنمية المستدامة في البلاد.
يأتي ذلك وسط ترقب عالمي وشغف مصري متصاعد، حيث تتحول أنظار العالم في الثالث من يوليو المقبل إلى مدينة الجيزة، لافتتاح المتحف المصري الكبير رسميًّا، وهو الحدث الذي يوصف بالأبرز ثقافيًّا وحضاريًّا في القرن الحادي والعشرين، حيث يُعد هذا المتحف أكبر متحف مخصص لحضارة واحدة على مستوى العالم، وهو ما يجعله نقطة التقاء نادرة بين عراقة التاريخ وأحدث تقنيات العرض المتحفي.
وفي هذا المقال، تسلط حماة الأرض الضوء على هذا الحدث التاريخي الفريد، كاشفة تفاصيل المشروع والاستعدادات الحكومية الجارية، وردود الفعل الدولية لهذا الحدث، وأوجه الترابط العميق بين افتتاح المتحف المصري الكبير وأهداف التنمية المستدامة التي تسعى مصر إلى تحقيقها في إطار رؤية مصر 2030.
المتحف الكبير أكبر صرح عالمي لحضارة واحدة
على مساحة تتجاوز 117 فدانًا غرب القاهرة يتربع المتحف المصري الكبير، الذي يعد مشروعًا غير مسبوق في تاريخ المتاحف العالمية، فهو أضخم صرح مخصص لحضارة واحدة في العالم، يجمع بين روعة العمارة الحديثة وعمق التاريخ المصري القديم، وإلى جانب الموقع الاستثنائي قرب الأهرامات حظي المشروع باستثمارات ضخمة؛ إذ بلغت التكلفة النهائية للمتحف أكثر من مليار دولار، وهي ضعف الميزانية التي خُطط لها عند انطلاق المشروع عام 2002؛ مما يعكس حجم التحديات والطموحات المرتبطة بهذا المنجز الحضاري.
يحتوي المتحف على ما يقرب من 100 ألف قطعة أثرية نادرة من مختلف العصور الفرعونية، تتقدمها المجموعة الكاملة لكنوز الملك توت عنخ آمون، التي تُعرض لأول مرة مجتمعة في قاعة ضخمة تبلغ مساحتها نحو 7500 متر مربع، وتضم 5340 قطعة تروي قصة الملك بتفاصيلها.
وفي قلب المبنى يستقبل الزائرينَ تمثالٌ ضخمٌ للملك رمسيس الثاني يبلغ وزنه 83 طنًّا، واقفًا في المدخل الرئيسي على مساحة 7000 متر مربع، تحيط به خمس قطع أثرية عملاقة تُمهّد الطريق إلى “الدرج العظيم” الذي يعرض 87 قطعة ضخمة على امتداد 6000 متر مربع؛ مما يحوّل الدخول إلى المتحف ذاته إلى تجربة متحفية مبهرة.
ويمنح المتحف أهمية كبيرة للبعدين التعليمي والترفيهي؛ إذ تضم مخازن المتحف حوالي 50 ألف قطعة معدّة للترميم والدراسة، إلى جانب مركز حفظ وصيانة يُعد من بين الأكبر عالميًّا؛ مما يرسّخ مكانته باعتباره مؤسسة علمية تُسهم في صون التراث الإنساني.
ويتميز المتحف بتوفير بيئة تعليمية وترفيهية متكاملة، حيث يحتوي على قسم خاص للأطفال بمساحة 5000 متر مربع مزود بوسائط تفاعلية ونماذج تعليمية، إضافة إلى مكتبات متنوعة تشمل المكتبة الرئيسية، ومكتبة الكتب النادرة، والمكتبة المرئية، فضلًا عن قاعات عرض بمساحة 650 مترًا مربعًا مجهزة بأحدث المعايير لخدمة ذوي الاحتياجات الخاصة.

وبفضل استخدامه لأحدث تقنيات العرض التكنولوجي، يؤكد المتحف دوره كمؤسسة ثقافية وعلمية وسياحية مستدامة، تسهم بفعالية في تعزيز الوعي الثقافي والبحث العلمي، وهو ما أشادت به وكالة الأنباء الصينية “شينخوا” باعتباره نموذجًا رائدًا في تقديم تجربة زائر متكاملة ومتميزة.
ويُحيط بالمتحف أكثر من 200 ألف متر مربع من الحدائق والمساحات الخضراء، تتوزع بين “حديقة أرض مصر”، وحديقة المعروضات، وحديقة ترفيهية مفتوحة. كما يشمل الموقع متحفًا مستقلًا لمركب الشمس على مساحة 4000 متر مربع، ومجمعًا للمطاعم، وممرات تجارية؛ مما يجعله قادرًا على استقبال أكثر من 15 ألف زائر يوميًّا، أي ما يزيد على 5 ملايين زائر سنويًّا؛ ليصبح وجهة ثقافية وسياحية عالمية بكل امتياز.

المتحف المصري الكبير محرّك للتنمية المستدامة
ولذلك فإن بناء المتحف المصري الكبير يمثل مغامرة ثقافية بالإضافة إلى كونه مشروعًا تنمويًّا ضخمًا يحمل أبعادًا اقتصادية وسياحية ضخمة، وتتوقع مصر أن يصبح المتحف من أبرز مصادر دعم الاقتصاد السياحي المحلي، وخاصة بعد الأرقام القياسية التي حققتها البلاد في عام 2024 من حيث عدد السياح، وبهذا يصبح المتحف محركًا فعّالًا للدورة الاقتصادية من خلال توفير فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وتعزيز الاستثمارات في الفنادق والخدمات واللوجستيات.
الاستعدادات الحكومية لافتتاح المتحف المصري الكبير
وفي هذا الإطار تستعد مصر لافتتاح المتحف المصري الكبير، وهناك متابعة حكومية على أعلى مستوى، في ظل حرص الدولة على إنجاز هذا الحدث من خلال جوانب تنظيمية ولوجستية، وأيضًا من خلال التنسيق الدولي؛ مما يعكس الأهمية الاستراتيجية التي توليها الدولة لهذا المشروع.
ولا تقتصر هذه الاستعدادات على الجانب الاحتفالي فقط، وإنما تشمل أيضًا التخطيط لسلسلة من الفعاليات الثقافية والسياحية المقرر تنظيمها عقب الافتتاح في عدد من المواقع البارزة، بهدف تعزيز دور المتحف باعتباره مركز جذب يمتد تأثيره إلى مختلف المحافظات. وفي إطار هذه الاستعدادات، بدأت الدعوات الرسمية تصل إلى ملوك ورؤساء الدول، في مشهد احتفالي عالمي يليق بحضارة مصر؛ إذ من المقرر أن يستقبل المتحف وفودًا رفيعة المستوى من مختلف أنحاء العالم؛ ليكون منصة دبلوماسية ثقافية بامتياز، تحتفي بالماضي وتفتح أبواب المستقبل.

جوائز عالمية واحتفاء دولي
وفي هذا السياق، يحظى المتحف المصري الكبير باهتمام دولي متصاعد؛ لمكانته باعتباره أحد أبرز مشروعات التراث الثقافي المعاصر، ولكونه نموذجًا يُحتذى به في الدمج بين الحداثة والاستدامة، وقد نال المتحف جائزة فيرساي العالمية لعام 2024 بعد اختياره ضمن أجمل سبعة متاحف على مستوى العالم، تقديرًا لتصميمه المعماري المتفرد، وتجسيده لهوية مصر الحضارية، والتزامه الصارم بالمعايير البيئية.
وامتد هذا التقدير ليشمل كفاءة المتحف في الإدارة والتنفيذ، حيث فاز بجائزة أفضل مشروع عالمي لمستخدمي نماذج العقود الدولية “فيديك”، خلال احتفالية أقيمت في العاصمة البريطانية لندن، وهي سابقة أولى لمشروع مصري بهذا الحجم. وفي إنجاز نوعي آخر يعكس التزام مصر بالمعايير البيئية، نال المتحف الشهادة الدولية (EDGE Advance) للمباني الخضراء من مؤسسة التمويل الدولية؛ ليصبح أول متحف أخضر في إفريقيا والشرق الأوسط. وتُبرز هذه الشهادة أن تصميم المتحف وتشغيله يُنفذان وفق رؤية تنموية تضمن كفاءة استخدام الطاقة والمياه والموارد، بما يتوافق مع أهداف التنمية المستدامة.
وما بين إشادات مجلة (Travel + Leisure) الأمريكية، وتصنيف صحيفة تليجراف البريطانية للمتحف باعتباره من أبرز وجهات السفر لعام 2024، واهتمام صحيفة المونيتور بتحليل أثر المتحف في الاقتصاد المصري؛ بات المتحف المصري الكبير سفيرًا للهوية المصرية في الصحافة العالمية، ونقطة التقاء فريدة بين الحضارة القديمة وابتكارات المستقبل؛ لذا يؤكد هذا التقدير المتعدد الأوجه أن المتحف يمثل تجربة رائدة في توظيف الإرث الثقافي ضمن إطار يرسخ جهود التنمية المستدامة على جميع المستويات.

ومع اقتراب موعد الافتتاح، تؤمن حماة الأرض بأن هذا المشروع يمثل نموذجًا ملهمًا لمصر والعالم، ورسالة ترسخ وعيًا حضاريًّا يرتكز على احترام الماضي واستثمار الحاضر بحكمة ومسئولية، وتثمن الجهود الكبيرة التي بذلتها الدولة في إنجاز هذا الصرح الحضاري، وتتمنى أن يكون المتحف منارة تُضيء دروب التنمية المستدامة، وتلهم الأجيال القادمة.




