إعلان المجاعة في غزة.. مأساة إنسانية تهدد التنمية وتتجاوز حدود الأمن الغذائي

إعلان المجاعة في غزة.. مأساة إنسانية تهدد التنمية وتتجاوز حدود الأمن الغذائي
في الأسابيع الأخيرة تحوَّل المشهد الإنساني في غزة إلى ما يشبه الكابوس، بعدما أعلنت المنظمات الأممية وصول القطاع رسميًّا إلى حالة المجاعة؛ ليكون هذا الإعلان تشديدًا على أنَّ الوضع قد تخطى حدود الأزمات المعتادة ليدخل مرحلة الانهيار الكامل على مستوى الأمن الغذائي والصحي.
من منظور شامل، تُبرز هذه الأزمة مدى ارتباط الأمن الغذائي بالسلام والاستدامة، وتوضح كيف يمكن للصراعات المستمرة والحصار أن تتحول إلى أدوات ضغط سياسية، بما يزيد من حجم المعاناة الإنسانية؛ لذا أكدت مؤسسات أممية وإقليمية أن توقف المساعدات وتدمير البنية التحتية زاد الأزمة تعقيدًا، وهو الأمر الذي تلقي مؤسسة حماة الأرض الضوء عليه في السطور القادمة؛ لتقديم رؤية واضحة حول كيفية ارتباط الأمن الغذائي بالسلام والاستقرار الإقليمي.
أصل المجاعة
لا يمكن فهم إعلان المجاعة في قطاع غزة بمعزل عن الحرب الأخيرة التي اجتاحت القطاع، حيث فرضت المواجهات المستمرة حصارًا خانقًا على دخول المساعدات الإنسانية، فضلاً عن استهداف البنية التحتية، وانهيار النظامينِ الصحي والاقتصادي.
ومع تصاعد التوتر في الشرق الأوسط، تحوّلت غزة إلى ساحة مفتوحة للصراع، يُستخدم فيها الحصار الغذائي سلاحًا سياسيًّا؛ مما قوَّض أبسط مؤشرات الحياة الفلسطينية؛ فمنذ اندلاع الحرب قد انقطعت سلاسل التوريد الأساسية، وأصبحت الموانئ والمعابر تحت سيطرة عسكرية مشددة تمنع مرور الشحنات الغذائية والدوائية. وفي الوقت نفسه تسببت الغارات المكثفة في تدمير الأراضي الزراعية ومخازن الغلال ومصانع الأغذية.

أمَّا التوتر الإقليمي فقد زاد الطين بلّة؛ لأنه مع اشتعال الأوضاع في أكثر من جبهة بالشرق الأوسط، باتت غزة ضحية حسابات سياسية معقدة، حيث تُستغل معاناتها كورقة ضغط بين القوى المتصارعة. وبدلًا من أنْ تكون المساعدات الإنسانية خارج معادلة الصراع، أصبحت رهينة المفاوضات والتجاذبات الدبلوماسية.
ثم كانت النتيجة المباشرة؛ وهي ما وصفته الأمم المتحدة بالانهيار الكامل للأمن الغذائي، حيث يعيش معظم سكان غزة اليوم على أقل من وجبة واحدة متواضعة؛ الأمر الذي تسبب في زيادة أعداد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد، وهذا بشكل ينذر بكارثة إنسانية لا مثيل لها في العقود الأخيرة.
الأبعاد الإنسانية للأزمة
إنَّ المجاعة في غزة لم تعد مجرد أزمة غذاء، بل تحولت إلى جريمة إنسانية مكتملة الأركان؛ فها هي المستشفيات بلا أدوية أو أي خدمات طبية، وهناك عائلات كاملة تعجز عن توفير الحليب لأطفالها؛ هؤلاء الذين أصبحت عيونهم غائرة وأجسادهم نحيلة؛ مما يؤكد وحشيةَ الحرب وحجمَ الألم الذي يعيشه المدنيون يوميًّا.
وذلك المجتمع الذي لا يجد قوت قومه أصبح يواجه انهيارًا غير مسبوق في نسيجه الاجتماعي؛ فالأسر أصبحت الآن تعتمد على مساعدات لا تصل إلا بشكل متقطع. أمَّا الفئات الأضعف -مثل كبار السن والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة- فهم الأكثر عرضة للموت البطيء، في ظل غياب أي نظام رعاية صحية.
وهناك النساء أيضًا اللواتي يتحملن عبئًا مضاعفًا؛ إذْ يواجهن مسئولية إطعام أطفالهنَّ في وقت يتراجع فيه وجود الطعام إلى مستويات كارثية. والعديد منهنَّ يضطر للعزوف عن أقل الاحتياجات الغذائية؛ من أجل إطعام أطفالهنَّ.
إنَّ الجوع في غزة أصبح أداة إذلال، وليس ذلك نتيجة عرضية للحرب، بل سياسة متعمدة لإضعاف المجتمع وكسر إرادته. وهذا ما يجعل الأزمة الحالية تحديًا إنسانيًّا، وقضيةً حقوقيةً وأخلاقيةً تتطلب تحركًا عاجلًا على المستويينِ الإقليمي والدولي.
التداعيات الاقتصادية على غزة والمنطقة
من منظور اقتصادي، تمثل المجاعة في غزة انهيارًا كاملًا للبنية الإنتاجية؛ فقد دمرت الحرب الأسواق المحلية، وأغلقت المصانع، وأوقفت التجارة الداخلية والخارجية، وكذلك فقد معظم العمال مصادر دخلهم؛ فجعل هذا الانهيارُ الإنسانيُّ الشاملُ سكانَ غزة عاجزين عن شراء الغذاء حتى في حال توفره بكميات محدودة.
ولم تبق الأزمة داخل حدود القطاع، بل امتدت آثارها إلى المنطقة بأسرها؛ فالتوتر المتزايد في الشرق الأوسط أدَّى إلى تقويض ثقة المستثمرين، وتعطيل المبادلات التجارية، ورفع أسعار السلع الأساسية في الأسواق الإقليمية؛ بالتالي فإنَّ غزة لم تعد مجرد قضية محلية، بل نقطة ارتكاز لانعكاسات اقتصادية تهدد الاستقرار الإقليمي برمته.
لذلك فإنَّ المؤسسات المالية الدولية تحذر من أنَّ استمرار الوضع على ما هو عليه قد يقود إلى أزمة أوسع نطاقًا، حيث يمكن أنْ تتأثر الدول المجاورة بموجات من اللجوء، وزيادة مالية في الإنفاق على المساعدات الإنسانية، إلى جانب تراجع الاستثمارات الطويلة الأجل؛ لأنَّ الاقتصاد لا ينفصل عن السياسة، وأي انهيار في غزة يترك أثرًا واضحًا على معادلة التنمية في المنطقة كلها.
الأخطر من هذا، هو أنَّ استمرار الحصار الاقتصادي يجعل أيَّ خطط مستقبلية لإعادة الإعمار أكثر صعوبة؛ إذْ كيف يمكن الحديث عن تنمية مستدامة في ظل تدمير البنية التحتية، وغياب الأمن الغذائي؟ وهذا السؤال يعكس المعضلة الحقيقية التي تواجه المنطقة العربية، حيث يصبح تحقيق أهداف التنمية المستدامة أمرًا بعيد المنال ما لم يتحقق السلام أولًا.

صمت دولي ومسئولية غائبة
أحد أكثر الجوانب المأساوية في إعلان قطاع غزة منطقة مجاعة هو غياب الاستجابة الدولية الفعالة؛ فعلى الرغم من الإدانات المتكررة فإنَّ العالم لم يتمكن -حتى الآن- من ضمان ممرات آمنة لدخول المساعدات الإنسانية، أو فرض ضغط حقيقي لوقف استهداف المدنيين، خاصة أنَّ البيانات الصادرة عن المؤسسات الدولية لا تكفي لإنقاذ حياة آلاف الأرواح التي تتلاشى يومًا بعد يوم.
وفي مجلس الأمن تعثرت القرارات بسبب الانقسامات السياسية بين القوى الكبرى، وفي الوقت نفسه بقيت وكالات الإغاثة عاجزةً أمام العقبات الميدانية والسياسية التي تقيد حركتها. وهذه الفجوة بين حجم الكارثة ورد الفعل الدولي تكشف هشاشة النظام العالمي وضَعف قدرته على حماية أبسط حقوق الإنسان.
وإنَّ المسئولية لا تقع فقط على عاتق القوى الكبرى، بل تشمل أيضًا الدول الإقليمية التي تملك القدرة على الضغط والتأثير؛ لأنَّ التصعيد المستمر في الشرق الأوسط يفرض على هذه الدول دورًا محوريًّا في صياغة حلول تضمن وصول المساعدات وإنهاء الحصار، غير أنَّ الحسابات السياسية غالبًا ما تطغى على الاعتبارات الإنسانية.

الموقف المصري
في خضم هذه الأزمة جاء الموقف المصري ليعكس إدراكًا عميقًا بخطورة الوضع، حيث أعلنت وزارة الخارجية المصرية عن “بالغ قلقها” إزاء تقارير المجاعة، مؤكدة أنَّ ما يحدث يُمثل كارثة إنسانية غير مسبوقة، وأنَّ مصر -التي لطالما لعبت دورًا محوريًّا في تسهيل إدخال المساعدات- شددت على ضرورة تحرك المجتمع الدولي بشكل عاجل لوقف تفاقم الأزمة.
ولم تقتصر التصريحات المصرية على الشجب، بل تضمنت كذلك دعوة واضحة إلى تحمل المجتمع الدولي مسئولياته. وقد أعاد هذا الموقف المصري التذكير بمبادرات القاهرة السابقة، التي دعَّمت سكانَ غزة، سواء عبر فتح معبر رفح لإدخال المساعدات الإنسانية، أو عبر تنظيم مؤتمرات دولية لإعادة إعمار غزة.
كما أنَّ مصر -من خلال تصريحاتها المتوازنة- وضعت الأزمة في إطارها الصحيح: قضية غزة ليست مجرد كارثة إنسانية، بل أزمة تهدد التنمية والحق في الغذاء والماء. وهذا الموقف ينسجم مع رؤية الاستدامة التي تُحمِّل الجميع مسئولية جماعية تجاه الأزمات، بعيدًا عن الانتقائية أو الحسابات الضيقة.

الأمن الغذائي ركيزة السلام والاستدامة
المجاعة في غزة ليست أزمة محلية يمكن احتواؤها بالمسكنات، وإنما هي إنذار صريح للعالم أجمع بأنَّ الحروب والتوترات الإقليمية تقوض أسس التنمية المستدامة، التي لا يمكن تحقيق أهدافها -من القضاء على الفقر والجوع إلى بناء مجتمعات آمنة وصحية- ما دام الغذاء سلاحًا وحصارًا وأداةَ عقابٍ جماعي!
لذا، فإنَّ الطريق نحو السلام في الشرق الأوسط يمر عبر ضمان الأمن الغذائي، انطلاقًا من أنَّ كرامة الإنسان وحياته غايةٌ يجب على الجميع تحقيقها؛ لذا تشدد حماة الأرض على أنَّ مستقبلنا المشترك يبدأ من حماية الأضعف، وضمان حق الجميع في البقاء والعيش بكرامة.




