علوم مستدامة

كيف تواجه المدن المستدامة أزمة الإسكان والتغير المناخي؟

المدن المستدامة

كيف تواجه المدن المستدامة أزمة الإسكان والتغير المناخي؟

تمثل المدن المستدامة اليوم محورًا أساسيًّا في رسم مستقبل البشرية، في وقت يعيش فيه أكثر من نصف سكان العالم داخل المدن، وهو رقم يُتوقع أن يرتفع بنحو 2.4 مليار نسمة بحلول عام 2050. هذا التوسع المتسارع يجعل المدن مركزًا للحياة الاقتصادية والاجتماعية، لكنه في الوقت ذاته يضعها في مواجهة مباشرة مع تحديات متزايدة، في مقدمتها تغير المناخ، واتساع الفجوات الاجتماعية، وتزايد الضغوط الاقتصادية.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم المدن المستدامة بوصفه إطارًا لإدارة هذا النمو المتسارع، بما يوازن بين التنمية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، وحماية البيئة، عبر توفير سكن مناسب وخدمات أساسية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع التغير المناخي. غير أن الانتقال إلى هذا النموذج لا يحدث تلقائيًّا، فإنه يمر عبر فهم أعمق للمشكلات التي تواجه المدن اليوم، وكيف يمكن للمدن المستدامة أن تقدم بديلًا عمليًّا لهذه الأزمات.

وانطلاقًا من ذلك، يناقش هذا المقال التحديات الرئيسية التي تواجه المدن في ظل النمو السريع، بدءًا من التوسع غير المخطط، مرورًا بالضغوط الاجتماعية والاقتصادية، وصولًا إلى دور السياسات العامة والإسكان والخدمات الأساسية في تحويل المدن من بؤر للأزمات إلى مساحات للحل.

المدن المستدامة أمام التوسع غير المنظم

لم يعد توسع المدن مجرد نتيجة طبيعية للنمو السكاني، فقد تحول في كثير من الحالات إلى أزمة معقدة؛ فالحاجة المتزايدة إلى السكن دفعت إلى انتشار العمران العشوائي داخل المدن، وتوسع المناطق غير المخططة التي يعيش فيها أكثر من 1.1 مليار شخص حول العالم، غالبًا في بيئات تفتقر إلى التخطيط والخدمات الأساسية.

ويتسبب نمو المدن في زيادة المخاطر المناخية، خاصة أنَّ قطاع المباني والإسكان مسئول عن نحو 40% من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة عالميًّا. وفي الوقت نفسه تتراجع المساحات الخضراء داخل المدن بشكل مستمر، حيث انخفضت من نحو 19.5% إلى أقل من 14% عام 2020 -وفق تقرير المدن العالمية 2024، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية- دون تحسُّن ملحوظ في السنوات التالية.

المدن المستدامة

هذا التراجع يقلل من قدرة المدن على امتصاص الحرارة، ويزيد من حدة موجات الحر والجفاف والفيضانات، وغالبًا ما تتحمل الفئات الأكثر فقرًا وسكان المناطق غير المخططة العبءَ الأكبر؛ مما يبرز الفجوة بين التوسع الحضري السريع والحاجة إلى بناء مدن قادرة على حماية سكانها.

وفي مواجهة هذه التحديات، تبرز المدن المستدامة بوصفها مقاربة عملية للحد من آثار توسع العمران العشوائي والمخاطر المناخية، عبر التخطيط المتكامل لاستخدام الأراضي، وحماية المناطق الخضراء، وتشجيع أنماط البناء الموفِّرة للطاقة. كما تسهم هذه النماذج في تقليل الانبعاثات من خلال رفع كفاءة المباني والنقل، وتعزيز قدرة المدن على التكيُّف مع موجات الحر والفيضانات. لكن آثار هذا التوسع العمراني تمتد لتكشف عن تحديات أعمق داخل المجتمع والاقتصاد ولا تتوقف عند البيئة والمناخ فقط.

ضغوط اجتماعية واقتصادية متراكمة داخل المدن

إلى جانب المخاطر البيئية، تواجه المدن خسائر اقتصادية واجتماعية متزايدة. وتشير التقديرات إلى أن الخسائر السنوية الناتجة عن الكوارث الطبيعية قد تتجاوز تريليون دولار بحلول منتصف القرن، وهو ما يفرض أعباء كبيرة على الاقتصادات المحلية والوطنية.

وفي الوقت ذاته، يعاني العالم من أزمة إسكان تطال أكثر من 2.8 مليار شخص، في ظل تراجع الاستثمارات في الإسكان الاجتماعي، حيث تخصص معظم المناطق أقل من 0.5% من ناتجها المحلي الإجمالي لهذا القطاع. ويؤدي هذا الوضع إلى تفاقم الفجوات داخل المدن، ويجعل الحصول على سكن لائق تحديًا متزايدًا لشرائح واسعة من السكان.

وتزداد هذه الضغوط مع تصاعد الهجرة الداخلية الناتجة عن النزاعات والكوارث الطبيعية، إذ تتجه أعداد كبيرة من المهاجرين إلى مدن تعاني بالفعل من ضغط شديد على مواردها وخدماتها، ما يزيد من تعقيد المشهد داخل المدن ويعمِّق التحديات القائمة أمام الانتقال إلى المدن المستدامة. وأمام هذا الواقع، يصبح السؤال المطروح: كيف تستطيع المدن المستدامة أن تواجه هذه الأزمات بدلًا من أن تتحول إلى مساحات لتراكمها؟

الإسكان والخدمات الأساسية كمدخل عملي للحل

يمثل الإسكان نقطة انطلاق أساسية ترتكز عليه المدن المستدامة لمعالجة كثير من أزمات المدن. فإلى جانب كونه حقًّا اجتماعيًّا، يلعب الإسكان دورًا اقتصاديًّا مهمًّا من خلال خلق فرص عمل وتنشيط الاقتصاد المحلي، خاصةً عند الاعتماد على مواد بناء مستدامة مثل الصلب المعاد تدويره، والخيزران، والعزل عالي الكفاءة.

كما أن دمج خدمات الطاقة النظيفة، والمياه، والصرف الصحي، والنقل في التخطيط ضمن رؤية المدن المستدامة يعزز قدرة المجتمعات على التكيُّف مع تغير المناخ، ويحسن جودة الحياة اليومية للسكان. وتؤكد تجارب متعددة أن الاستثمار في الإسكان والبنية الأساسية يمثل فرصةً لتوسيع النشاط الاقتصادي وتحقيق عوائد طويلة الأجل، فمن الممكن لإنشاء 100 وحدة سكنية ميسورة التكلفة أن يوفر أكثر من 160 فرصة عمل محلية خلال عام واحد. غير أن تحقيق هذه النتائج يتطلب سياسات أوسع تعيد تنظيم طريقة إدارة المدن نفسها.

إعادة التفكير في سياسات المدن واستخدام الأراضي

لا يمكن للمدن أن تتحول إلى مساحات أكثر عدلًا واستدامة دون مراجعة شاملة للسياسات التي تحكم استخدام الأراضي، والتشريعات، وآليات التمويل. ويشمل ذلك تحسين استغلال الأراضي داخل المدن لتحقيق توازن بين المكاسب البيئية والاقتصادية والاجتماعية، بما يقلل الانبعاثات ويحسن الوصول إلى الخدمات.

وتبرز هنا أهمية دمج المناطق غير المخططة في نسيج المدن بدلًا من التعامل معها باعتبارها مساحات هامشية، وأيضًا باعتبارها مراكز رئيسية للنشاط الاقتصادي غير الرسمي، ففي العديد من دول الجنوب العالمي (ويقصد بها إفريقيا وأجزاء من آسيا وأمريكا اللاتينية)، يشكل النشاط غير الرسمي جزءًا كبيرًا من الاقتصاد، وتشير بيانات منظمة العمل الدولية إلى أن نحو 98.5% من القوى العاملة في النيجر، و97.5% في جمهورية الكونغو الديمقراطية، يعملون في هذا القطاع.

ضغوط اجتماعية واقتصادية متراكمة داخل المدن

ويعكس ذلك الحاجة إلى سياسات أكثر واقعية تعترف بهذه الأنشطة وتدمجها في التخطيط داخل المدن، بوصف هذا الدمج أحد المسارات العملية لبناء المدن المستدامة القادرة على تقليص الفجوات الاجتماعية، وتعزيز الاقتصاد المحلي، وتحويل المناطق المهمَّشة إلى جزء فاعل من النسيج العمراني. ويشمل ذلك تحسين خدمات السكن والمرافق، وتوفير أطر قانونية مرنة تسمح بدمج الاقتصاد غير الرسمي في المنظومة الرسمية، بما يوسع القاعدة الضريبية، ويعزز الاستقرار الاجتماعي، ويحوِّل هذه المناطق من بؤر هشاشة إلى محركات تنمية داخل المدينة.

وختامًا، تكشف هذه القراءة أن مستقبل المدن لا ينفصل عن قدرتها على إدارة النمو بطريقة عادلة وشاملة. فالمدن التي تستثمر في الإسكان والخدمات الأساسية، وتعيد تنظيم استخدام الأرض، وتضع الإنسان في قلب التخطيط، تصبح أكثر قدرة على مواجهة تغير المناخ وتقليص الفجوات الاجتماعية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.

ومن هذا المنطلق، ترى مؤسسة حماة الأرض أن بناء المدن المستدامة بات ضرورة تنموية لضمان أن تتحول المدن إلى مساحات عادلة تتيح الفرص للجميع، بدلًا من أن تُعمِّق الإقصاء وعدم المساواة. فالمدن التي تُصمَّم حول احتياجات الإنسان، وتوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية وحماية البيئة، هي الأقدر على تحقيق التنمية المستدامة وصناعة مستقبل شامل لا يُقصي أحدًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى