صناعات مستدامة

هل تنجح المشروعات الصغيرة في كسر حواجز التجارة العالمية؟

التجارة العالمية

هل تنجح المشروعات الصغيرة في كسر حواجز التجارة العالمية؟

أثبتت المشروعات الصغيرة اليومَ أنها ذات دورٍ مؤكَّدٍ في دفع جهود التنمية الاقتصادية، خاصةً أننا نعيش في عالم تتشابك فيه سلاسل الإمداد، وتزداد فيه المنافسة؛ ولهذا فإنَّ هناك سببًا قويًّا لدمج المشروعات الصغيرة بمنظومة التجارة العالمية، حتى يمكن توسيع قاعدة النمو الاقتصادي، وعدم حصر فوائد هذا النمو في الشركات الكبرى وحدها.

ومن هنا، يسلط هذا المقال الضوء على كيفية نظر المؤسسات الدولية إلى المشروعات الصغيرة، والأدوات المطروحة لتمكينها من تجاوز الحواجز التجارية، والانخراط في الاقتصاد العالمي، وصولًا إلى دورها في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

لماذا أصبحت المشروعات الصغيرة قضية عالمية؟

في البدء ينبغي لنا أنْ ندرك أنَّ المشروعات الصغيرة هي كيانات اقتصادية محدودة الحجم من حيث العمالة ورأس المال، ولها دور مهم في تشغيل الأيدي العاملة، وتحريك الاقتصاد المحلي، وتتميز بمرونتها وقربها من احتياجات المجتمعات؛ مما يجعلها عنصرًا أساسيًّا في أي مسار تنموي شامل.

هذا الحضور الواسع يمنح المشروعات الصغيرة وزنًا اقتصاديًّا وأثرًا اجتماعيًّا لا يمكن تجاهلهما عند الحديث عن النمو أو الحد من الفقر. وبالرغم من هذا الدور المحوري فإنَّ إسهامها في التجارة الدولية محدودًا، وهذا مقارنةً بحجمها الحقيقي؛ إذْ تظل محاصَرةً بتحديات تنظيمية وإجرائية تتجاوز في كثير من الأحيان قدراتها.

وتتعدد هذه التحديات، ويأتي على رأسها الإجراءات الجمركية المعقدة، وطول فترة انتظار خروج البضائع، وارتفاع كلفة الالتزام بالمواصفات المطلوبة في الأسواق المختلفة، وكذلك صعوبة الوصول إلى المعلومات أو الشركاء والأسواق الخارجية.

وبسبب هذا التناقض الواضح بين أهمية المشروعات الصغيرة اقتصاديًّا والواقع العملي الذي يقيد مشاركتها في التجارة الدولية؛ أعادت المنظمات الدولية طرح سؤال جوهري، هو: كيف يمكن دمج المشروعات الصغيرة بالتجارة العالمية على نحوٍ أكثر عدالة واستدامة؟

برامج المشغِّل الاقتصادي المعتمد: فرصة غير مستغلة

إنَّ برامج المشغِّل الاقتصادي المعتمد (AEO) إحدى آليات دعم التجارة الدولية في الأعوام الأخيرة، وهي برامج تسعى إلى تبسيط الإجراءات الجمركية، وتعزيز الثقة بين الشركات والإدارات الجمركية؛ فتقوم هذه البرامج على منح الشركات الملتزمة بمعايير السلامة والامتثال مزايا عملية، مثل تقليص زمن الإفراج عن البضائع، وتقليل عمليات التفتيش، وهو ما ينعكس انعكاسًا مباشرًا على خفض التكاليف وتسريع حركة التجارة.

وتمثل هذه المزايا -نظريًّا- فرصة مهمة أمام المشروعات الصغيرة، غير أنَّ الواقع يُظهر فجوة واضحة بين الهدف المعلن لتلك البرامج ومستوى استفادة المشروعات الصغيرة منها على أرض الواقع! فلا تزال مشاركة المشروعات الصغيرة فيها محدودةً في كثير من الدول.

وتشير دراسة مشتركة أطلقتها منظمة التجارة العالمية ومنظمة الجمارك العالمية وغرفة التجارة الدولية إلى أنَّ المشكلة تكمن في صعوبة وصول المشروعات الصغيرة إلى هذه البرامج؛ بسبب نقص المعلومات، وتعقيد المتطلبات الإجرائية، وضعف القدرات المؤسسية، وهي فجوة لا تظهر بوضوح إلا عند النظر إلى تجارب رواد الأعمال أنفسهم.

الاقتصاد الرقمي

من السياسات إلى الواقع: صوت رواد الأعمال

تلك الفجوة التي كشفتها برامج المشغِّل الاقتصادي المعتمد بين تصميم السياسات وواقع التطبيق تتضح عند الاستماع إلى رواد الأعمال أنفسهم؛ فإنَّ كثيرًا من أصحاب المشروعات الصغيرة قد أشاروا إلى أنَّ التحديات الحقيقية تبدأ عند محاولة العبور إلى الأسواق الخارجية، حيث يواجهون صعوبة في العثور على شركاء موثوقين، وفهم متطلبات التصدير، والالتزام بتصنيفات المنتجات وملصقات بياناتها من سوقٍ إلى آخرَ.

ومن أمثلة ذلك ما روته رائدة الأعمال البريطانية “جوليان بونان” عن كيف تحولت متطلبات هذه الملصقات وإجراءات التوثيق في الأسواق المختلفة إلى عائق حقيقي أمام التوسع، بالرغم من جاهزية المنتج وجودته ونجاحه محليًّا.

وفي تجربة أخرى، أشار “سيجي سيكين” -رائد أعمال ياباني في القطاع الصناعي، بدأ نشاطه بورشة صغيرة قبل أنْ يتجه إلى الأسواق الخارجية- إلى أنَّ العثور على شريك دولي موثوق كان التحدي الأصعب، وليس القدرة على التصنيع أو جودة المنتج.

مثل هذه التجارب تعكس -بشكل عملي- ما أشارت إليه المؤسسات الدولية بشأن تعقيد الإجراءات ونقص المعلومات، وهي عوامل تجعل الوصول إلى برامج التسهيل التجاري -مثل برامج المشغِّل الاقتصادي- مهمة شاقة على مشروعات محدودة الموارد والقدرات.

دور المبادرات الإقليمية في دعم المشروعات الصغيرة

ومع اتساع التحديات التي تواجه المشروعات الصغيرة، بات واضحًا أنَّ تسهيل التجارة العالمية يحتاج إلى جهات وسيطة تساعد المشروعات الصغيرة على فهم القواعد وتطبيقها تطبيقًا عمليًّا. وهنا يظهر دور المبادرات الإقليمية ومنظمات الأعمال، التي تكون حلقةَ وصلٍ بين السياسات الدولية وواقع الشركات.

في منطقة آسيا والمحيط الهادئ -على سبيل المثال- يبرز دور منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي (APEC) من خلال مبادرات تدعم الشركات الناشئة والمشروعات الصغيرة، وتساعدها على التواصل مع شركاء محتملين، وتبادل الخبرات، وفهم متطلبات العمل عبر الحدود.

وبصورة مشابهة، تقوم جمعية الأعمال الأوروبية (European Business Association – EBA)، وهي منظمة تمثل مجتمع الأعمال الأوروبي والدولي في أوكرانيا؛ بدور عملي في مساعدة المشروعات الصغيرة على الصمود والتوسع، عبر برامج للتدريب، وتيسير الوصول إلى التمويل، وتقديم دعم موجِّه إلى جهود التصدير، خاصة في أوقات الأزمات.

وتُظهر مثل هذه الأدوار الإقليمية أنَّ بناء تجارة أكثر شمولًا يعتمد على وجود جهات داعمة تُترجم تلك القوانين إلى فرص حقيقية، وتمكِّن المشروعات الصغيرة من الاستفادة منها على نحوٍ عادلٍ، وبما يسهم في تحقيق الهدف (8) من أهداف التنمية المستدامة: العمل اللائق ونمو الاقتصاد.

الاقتصاد الدائري

وختامًا، فإنَّ تمكين المشروعات الصغيرة من الاندماج في التجارة العالمية مسارٌ تنموي يوسع من فرص العمل، ويمنح الفئات الأقل تمثيلًا فرصة حقيقية للنفاذ إلى الأسواق الدولية بصورة أكثر استدامة.

ومن منظور مؤسسة حماة الأرض تظل التنمية الحقيقية هي التي تضع الإنسان في قلبها، وتوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وتبني نماذج مستدامة لا تُقصي أحدًا عن الرَّكْب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى