المناخ في اجتماعات بون محطة حاسمة على طريق التنمية المستدامة

المناخ في اجتماعات بون محطة حاسمة على طريق التنمية المستدامة
بينما تشتد وتتزايد مسببات التغيرات المناخية، تتجلى أهدافُ التنمية المستدامة باعتبارها بوصلة تشير إلى طريق النجاة؛ فهي خريطة طريق إلى مستقبل تُستعادُ فيه عدالةُ كوكب الأرض، وتتآلفُ فيه رفاهية الإنسان مع استدامةِ الموارد؛ فهل نعي أنَّ مصيرنا واحد؟ وأنَّ حماية المناخ هي جوهر تحقيق أهداف التنمية المستدامة الشاملة؟
وللإجابة عن هذين السؤالين تلقي حماة الأرض الضوء في السطور القادمة على اجتماعات بون للمناخ، التي تنطلق فعاليتها اليومَ في دورتها الثانية والستين، حيث تكون هذه المدينة الألمانية مقرًّا لمناقشات مناخية من 16 يونيو إلى 23 من الشهر نفسه؛ من أجل مراجعة حقيقية لتقييم التقدم المحرز بعد القمم المناخية السابقة، وتحديد الخطوات اللازمة قبل فوات الأوان، واستعدادًا أيضًا لمؤتمر المناخ القادم “COP30“.
مفترق طرق بين باكو وبيليم
تأتي هذه الاجتماعات المناخية السنوية بعد أشهر قليلة من اختتام مؤتمر الأطراف (COP29) في باكو بأذربيجان، وقبل أشهر من انطلاق (COP30) في بيليم بالبرازيل؛ ولذلك تُعد اجتماعات بون 2025 حلقة وصل حاسمة ضمن “خريطة الطريق من باكو إلى بيليم“، التي تهدف إلى تحويل الاتفاقيات النظرية إلى خطط تنفيذية واضحة.
ويشارك في هذه الاجتماعات أكثر من 5000 مشارك من مفاوضين وخبراء وممثلين عن المجتمع المدني، وتتركز النقاشات حول ملفات مصيرية تشمل التمويل المناخي، والعدالة في الانتقال إلى الطاقة النظيفة، والتكيف مع آثار التغير المناخي.
وفي صلب هذه النقاشات تبرز المساعي العالمية إلى تأمين تمويل قدره 1.3 تريليون دولار لدعم الجهود المناخية، وفقًا للخطة الممتدة من باكو إلى بيليم. ويمثل هذا التمويل مفتاحًا لباب العدالة المناخية للدول الأكثر تضررًا، التي لم تسهم تاريخيًّا في التغيرات المناخية، وفي الوقت نفسه تتحمل آثارها الأشد.
لذلك تُعد اجتماعات بون للمناخ هذا العام اختبارًا حقيقيًّا لمدى التزام العالم بتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وخاصة الهدف الثالث عشر المتعلق بالعمل المناخي، والهدف السابع عشر المرتبط بتعزيز الشراكات لتنفيذ هذه الأهداف.
التكيف والانتقال العادل
من أبرز الملفات المطروحة للنقاش هذا العام، يبرز ملف “الهدف العالمي للتكيف”، وهو الهدف الذي تسعى الدول إلى تحويله من تعهد فضفاض إلى مؤشرات واضحة قابلة للقياس والتنفيذ. واللافت للنظر هنا، هو أنَّ النقاش حول التكيف يرتبط مباشرة بقضية التمويل؛ فدون تمويل حقيقي ومستدام لا يمكن للدول النامية أنْ تطور بنيتها التحتية أو تجهز أنظمة الإنذار المبكر أو تبني مجتمعات مقاومة للمخاطر المنَاخية.
وأما “الانتقال العادل”، فهو التحدي الأكثر حساسية؛ إذْ لا يمكن للعالم أنْ يتحول إلى اقتصاد منخفض الانبعاثات دون ترك ملايين العمال خلف الرَّكْبِ؛ لذا يجب أنْ نضمن ألا يكون التحول إلى الطاقة النظيفة سببًا في انهيار مجتمعات أو فقدان الوظائف، وذلك التحدي هو أهم الموضوعات التي ستكون حاضرة بقوة في بون، وستكون محورية في أي اتفاق مستقبلي.
الشفافية والخسائر
جانب محوري آخر في اجتماعات بون للمناخ يتمثل في شبكة سانتياجو للخسائر والأضرار، التي سيكون لها نقاش خاص من خلال تنظيم فعالية مخصصة لها في 25 يونيو، حيث يتناول المشاركون أهمية هذه الشبكة بوصفها إطارًا مؤسسيًّا للتعامل مع الآثار المنَاخية، التي تجاوزت حدود التكيف، مثل الأعاصير المتكررة، وذوبان الجليد، وتدهور الأراضي الزراعية.
المحيطات في قلب الحدث
تمس هذه القضايا بشكل مباشر أهداف التنمية المستدامة، لا سيما الهدف الأول: القضاء على الفقر، والهدف العاشر: الحد من أوجه عدم المساواة؛ مما يؤكد أنَّ قضية المنَاخ هي قضية إنصاف عالمي بامتياز.
ومِن هنا يُعقد حوار خاص يوم 18 يونيو حول المحيطات وتغير المنَاخ؛ من أجل النظر إلى دور المحيطات في تنظيم المنَاخ وامتصاص ثاني أكسيد الكربون، وكيفية حمايتها -والحياة تحت الماء كلها- من التحمض وارتفاع درجات الحرارة والصيد الجائر.
ومن المتوقع أنْ تكون الدول الجزرية الصغيرة من أكثر الأطراف اهتمامًا بهذا الملف، إذْ إنها تواجه تهديدًا وجوديًّا مباشرًا، كما بدأت المجتمعات الساحلية حول العالم تشعر بتغيرات المد والجزر بشكل غير مسبوق، وهو ما ينعكس على سبل العيش، والأمن الغذائي، والتنمية المستدامة كلها.
في الختام تؤمن حماة الأرض بأنَّ الطريق إلى الاستدامة لا يُعبَّد بالوعود وحدها، وإنما بالإرادة، والمحاسبة، والعدالة المنَاخية الحقيقية؛ وهو ما يجعل من اجتماعات بون للمناخ 2025 اختبارًا عالميًّا للوفاء بالمسئوليات والالتزامات التنموية تجاه كوكب الأرض.




