صناعات مستدامة

مصر تخطو بثبات نحو توطين صناعة الدواء

الدواء

مصر تخطو بثبات نحو توطين صناعة الدواء

في إطار استراتيجية الدولة لتعزيز الأمن الدوائي، كثّفت الحكومة المصرية جهودها في مجال توطين صناعة الدواء، باعتبارها من ركائز الاستقرار المجتمعي والاقتصادي، وأحد المفاتيح الرئيسية لبناء منظومة أكثر قدرة على حماية الإنسان في أوقات الأزمات والتقلبات العالمية.

وتستند هذه الرؤية إلى هدف مزدوج: تأمين الاحتياجات المحلية من الأدوية والمستحضرات الحيوية، وفتح آفاق تصديرية جديدة تسهم في دعم الاقتصاد الوطني، وذلك في إطار رؤية متكاملة ترتكز على دعم التصنيع المحلي، وتوفير بنية تنظيمية وتشريعية محفزة، إلى جانب تشجيع الشراكات الدولية ونقل التكنولوجيا، وهو ما جعل مصر تُصنف اليوم ضمن أبرز الدول التي تسعى إلى أنْ تكون مركزًا إقليميًّا لصناعة الدواء في الشرق الأوسط وإفريقيا.

ومن هذا المنطلق، تسلط حماة الأرض الضوء في هذا المقال على الجهود المصرية في توطين صناعة الدواء، وتستعرض المسارات التي اتبعتها الدولة لتعزيز الاكتفاء الذاتي، وتناقش كيف تسعى مصر إلى توطين صناعة الدواء، وكيف يمكن أن تتحول إلى مركز إقليمي لإنتاج الأدوية في ظل التحديات العالمية المتزايدة في قطاع الصحة؛ فتابعوا القراءة.

بنية تنظيمية قوية تقود مسيرة التوطين

إن توطين صناعة الدواء في مصر يرتكز على تبني العديد من السياسات والمشروعات التي تدعم هذا التوجه؛ ولذلك شهدت السنوات الأخيرة  إقامة العديد من المشروعات، على رأسها تأسيس “هيئة الدواء المصرية” عام 2019؛ لتكون الجهة المسئولة عن تنظيم ومراقبة جودة وفعالية المستحضرات والمستلزمات الطبية والمواد الخام، وقد قامت الهيئة بترخيص 31 مصنعًا جديدًا حتى الآن، إلى جانب توطين 180 مستحضرًا مضادًا حيويًّا بتركيزات وأشكال صيدلية متنوعة، في خطوة تعكس الجدية في تقليل الفجوة الدوائية.

وتُعد هذه الإجراءات جزءًا من بناء قاعدة إنتاجية دوائية متكاملة، تعزز من قدرة الدولة على إنتاج الأدوية محليًّا، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، تمهيدًا للتوسع في أسواق التصدير. ووفقًا لما نشره المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، أعربت منظمة الصحة العالمية عن فخرها بوصول مصر إلى مستوى النضج الثالث في تنظيم الأدوية واللقاحات؛ لتتصدر بذلك القارة الإفريقية، وهو ما أكدته أيضًا المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض، معتبرة أن صناعة الأدوية في مصر تمثل نموذجًا متكاملًا في الإنتاج المحلي للدواء.

مدينة الدواء المصرية

وتمثل مدينة الدواء المصرية “جيبتوفارما”، التي افتُتحت عام 2021، نموذجًا فعليًّا لقدرة الدولة على تحقيق توطين صناعة الدواء؛ فهي أكبر مدينة دوائية في الشرق الأوسط من حيث الإمكانات والتكنولوجيا، وتنتج مدينة الدواء المصرية حاليًّا أكثر من 100 مليون عبوة دوائية سنويًّا، وتستهدف الوصول إلى 200 مليون عبوة هذا العام 2025، كما تسهم في سد الفجوة بين الاستهلاك المحلي والإنتاج، وتعمل على تصنيع أدوية كانت تُستورد بكثافة، مثل أدوية الأورام والمستحضرات الحيوية.

ويُعزز من دورها في التصدير أنها بدأت بشحن منتجاتها إلى الخارج بقيمة بلغت نحو 3 ملايين دولار، وهو مؤشر مشجع على قدرتها على المنافسة العالمية، وهذا يسهم في تحقيق الهدف (3) من أهداف التنمية المستدامة، الذي يدعو إلى تحقيق التغطية الصحية الشاملة، بما يشمل الحصول على الأدوية الأساسية والآمنة والفعالة بتكلفة ميسورة.

شراكات واستثمارات في صناعة الدواء

 من أجل دعم الصناعة الدوائية، وقّعت الدولة عدة اتفاقيات مع كبرى شركات الأدوية العالمية، مثل “أبوت” و”سانوفي”؛ لتوطين صناعة الدواء ونقل التكنولوجيا إلى الداخل المصري، كما تم تعزيز استثمارات شركات كبرى مثل “إيبيكو”، التي تمثل صادراتها 25% من إجمالي صادرات مصر الدوائية، وتسعى عبر مصنعها الجديد “إيبيكو 3” إلى إنتاج البدائل الحيوية باستثمارات تتجاوز 100 مليون دولار.

وتتفق هذه الشراكات مع توجه الدولة لبناء صناعة دوائية قائمة على المعرفة والتكنولوجيا، وهو ما يظهر أيضًا في دعم مجمع فاكسيرا لإنتاج اللقاحات البيطرية والبشرية بطاقة تبلغ 700 مليون جرعة سنويًّا؛ مما يوفر قاعدة تصنيعية ضخمة قابلة للتوسع التصديري.

ومن النماذج البارزة كذلك، مصنع “أسترازينيكا مصر” الذي تصل طاقته التصنيعية إلى 900 مليون قرص سنويًّا من خلال أربعة خطوط إنتاج، مع ضخ استثمارات جديدة بقيمة 50 مليون دولار؛ مما يعزز من استقرار الشراكات الدولية في السوق المصري.

تطور الإنتاج المحلي وزيادة الصادرات

وبناء على هذه الشراكات والاستثمارات، شهدت مؤشرات الإنتاج تطورًا ملحوظًا، حيث بلغ عدد مصانع المستحضرات الصيدلية والمواد الخام في مصر 179 مصنعًا، وبلغت نسبة الاكتفاء الذاتي من الأدوية نحو 91.3%، منها 93% تنتجه شركات القطاع الخاص، ويُعد ذلك دليلًا عمليًّا على نجاح جهود الدولة في تمكين القطاع المحلي وتحقيق الأمن الدوائي.

ومن الجدير بالذكر أن الدولة تُوفر مخزونًا استراتيجيًّا من المواد الخام يكفي لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر، مع نجاح كبير في التغلب على أزمة نواقص الأدوية بنسبة تتراوح بين 97 و98%؛ مما يبرز جدوى منظومة التدخل السريع والاستباقي في إدارة السوق الدوائي.

أما عن التصدير، فقد ارتفعت صادرات مصر الدوائية بنسبة 65.6% خلال خمس سنوات، لتصل إلى 447.1 مليون دولار عام 2024، مقارنة بـ 270 مليون دولار عام 2019، كما توسعت خارطة التصدير لتشمل 147 دولة، في مقدمتها السعودية وألمانيا وإسبانيا، وهو ما يعزز من فرص النمو المستقبلي لهذا القطاع الاستراتيجي.

وتُشير توقعات وكالة “فيتش سوليوشنز” إلى أن صادرات مصر الدوائية ستواصل النمو بنسبة 39% بحلول 2029 لتصل إلى 466.5 مليون دولار، وهو ما يعزز من التوجه الاستراتيجي نحو تصدير الفائض من الإنتاج.

توطين المواد الفعالة واللقاحات

بالتوازي مع المستحضرات النهائية، أولت الدولة اهتمامًا خاصًا بتوطين صناعة المواد الفعالة وغير الفعالة؛ فتم إنتاج 129 مادة فعالة محليًّا، كانت تُكلف الدولة نحو 633.7 مليون دولار سنويًّا في الاستيراد. كما بدأت مفاوضات لتوطين 30 مادة غير فعالة، تمثل نحو 60% من واردات مصر من تلك المواد.

وشهد القطاع أيضًا نجاحًا في إنتاج أول دفعة من عقار الإنسولين “جلارجين” محليًّا في ديسمبر 2024، وتوطين معظم مستحضرات علاج كورونا؛ مما أسهم في تقليص الفاتورة الاستيرادية السنوية بنحو 182 مليون دولار. وتُعد هذه النجاحات نموذجًا حيًّا لقدرة الدولة على توطين التصنيع الحيوي، وهو ما يمهد الطريق لمزيد من التقدم في هذا المجال.

وفي ضوء ما تقدم ترى حماة الأرض أن ما تحقق من إنجازات خلال السنوات القليلة الماضية يؤكد أن مصر تسير بخطى ثابتة نحو توطين صناعة الدواء، ليس فقط لتحقيق الاكتفاء الذاتي، وإنما لقيادة هذه الصناعة إقليميًّا، بما يخدم المواطن، ويعزز من قدرة الاقتصاد الوطني، ويُرسخ مفهوم التنمية الصحية المستدامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى