تحديات النمو الاقتصادي في ظل الأزمات البيئية والجيوسياسية

تحديات النمو الاقتصادي في ظل الأزمات البيئية والجيوسياسية
يشهد النمو الاقتصادي العالمي مرحلة انتقالية غير مسبوقة، فقد بدأ التحول في مجال الطاقة بعيدًا عن الوقود الأحفوري، خاصةً بعد أنْ أعادت جائحة كورونا تشكيل سلوك المستهلكين وأسواق العمل وممارسات الأعمال. هذا التحول جاء مصحوبًا باضطرابات جيوسياسية وحروب أعادت رسم خرائط الشبكات التجارية التقليدية.
وقد أثر ذلك تأثيرًا مباشرًا في مصادر الطاقة ومعدلات استهلاكها، فضلًا عن زيادة الانبعاثات الكربونية المسببة للاحتباس الحراري، وتلوث الهواء المحلي؛ حتى أصبح النمو الاقتصادي التقليدي أمام تحديات بيئية وجيوسياسية غير مسبوقة في تاريخ العالم.
وفي محاولة لفهم هذا التحول، دعا الباحثون إلى اعتماد إطار جديد يقيس النمو الاقتصادي بطريقة متكاملة تشمل رصد المخزونات والتدفقات العالمية لرأس المال الطبيعي، بما يعكس القيمة الحقيقية للاقتصاد في ظل الضغط على البيئة. الفكرة الأساسية هنا هي أن النمو الاقتصادي لا يمكن أن يُقاس بزيادة الناتج المحلي الإجمالي فقط، وإنما يجب الأخذ في الاعتبار تكلفة استنزاف الموارد الطبيعية والأضرار البيئية الناتجة عن النشاط الاقتصادي كله.
الأضرار المالية الناتجة عن تلوث الهواء
وقد ركزت دراسة نشرت في مجلة (Communications Earth & Environment)، على تقدير الأضرار المالية الناتجة عن تلوث الهواء بالجسيمات الدقيقة (PM2.5) وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون في أكثر من 150 دولة حول العالم. وأظهرت النتائج أن تحويل هذه الأضرار إلى قيم نقدية يوفر لصانعي السياسات أداة قياس أكثر دقة للنمو المستدام، بما يتيح اتخاذ قرارات توازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة.
كما أشارت الدراسة إلى أنَّ التحولات الحالية تؤكد الحاجة الملحة لتطوير نماذج اقتصادية جديدة، لا تركز فقط على الإنتاج والنمو، وإنما على كيفية استدامة الموارد الطبيعية ودمج المخاطر البيئية في الحسابات الاقتصادية، بما يضمن قدرة الدول على تحقيق التنمية دون المساس بالبيئة أو رفاهية الأجيال القادمة.
إعادة تعريف النمو الاقتصادي
اعتمد الباحثون تعريفًا للنمو المستدام قدمه اقتصاديون سابقون، وينص على أن النمو يُعتبر مستدامًا إذا كان تكوين رأس المال غير سلبي؛ أي كان مراعيًا الأبعاد البيئية. وهذه الرؤية تتعدى مجرد الأصول المادية التقليدية لتشمل رأس المال الطبيعي، مثل الغابات والمياه والتربة، التي تعد دعائم أساسية للنمو الاقتصادي على المدى الطويل.
الفكرة الجوهرية هي أن استنزاف الموارد الطبيعية يجب أن يقابله إنتاج اقتصادي ذو قيمة أعلى، وإلا فإن النمو يصبح غير مستدام، حيث ينخفض رأس المال المتاح للأجيال القادمة؛ مما يفرض على صانعي السياسات الاقتصادية التفكير في تكلفة الاستهلاك البيئي ضمن قرارات الاستثمار والتنمية.
طبق الباحثون هذا الإطار على عاملين أساسيين للنمو المستدام؛ هما:
- الأضرار المالية الناتجة عن تلوث الهواء بالجسيمات الدقيقة.
- انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.
وقد جمع الفريق بيانات شاملة عن هذينِ العاملينِ من 165 دولة بين عامَي 1998 و2018؛ مما أتاح تقدير الأضرار الخارجية الإجمالية (GED) على مستوى كل دولة في كل عامٍ من هذه الأعوام، وربطها بالناتج الاقتصادي لتحديد مستوى النمو الاقتصادي الحقيقي بعد احتساب تكلفة التلوث.

يُظهر هذا المنهج الجديد أنَّ النمو الاقتصادي لا يمكن قياسه بالناتج المحلي الإجمالي فقط، وإنما يجب أنْ يُدمج في مؤشرات بيئية شاملة، مثل جودة الهواء وانبعاثات الكربون، وهو ما يمكِّن الدول من اتخاذ إجراءات وقائية؛ من أجل الحد من الأضرار المحتملة، وضمان استمرارية التنمية.
كيفية قياس النمو الاقتصادي
لتطبيق النتائج على السياسات الاقتصادية، دمج الباحثون تقديرات الأضرار الاجتماعية ضمن الحسابات القومية التقليدية، عن طريق خصم الأضرار الخارجية الإجمالية (GED) من الناتج المحلي الإجمالي؛ مما أنتج مقياسًا أكثر شمولية يسمى القيمة المضافة المعدلة بيئيًّا (EVA)، هذا المقياس لا يلتقط فقط التكاليف المباشرة للتلوث، مثل ارتفاع معدلات الوفاة المبكرة نتيجة التعرض للجسيمات الدقيقة، وإنما يشمل -أيضًا- تأثيرَ التغير المناخي في الأجيال المقبلة.
وباستخدام هذا المقياس الجديد في التحليل، تمكّن الباحثون من تتبع المنحنى الزمني لمعدلات التلوث العالمي؛ وهناك أظهرت النتائج أنَّ أشد معدلات التلوث العالمي قد بدأت في الارتفاع -بعد تسعينيات القرن الماضي- مدفوعةً بالنمو الاقتصادي الكبير وارتفاع شدة التلوث في الصين والهند، حيث شهدت هذه الدول توسعًا صناعيًّا سريعًا أفرز زيادة في الانبعاثات الضارة.
أهمية البيانات البيئية في توجيه السياسات الاقتصادية
بالرغم من أنَّ الدراسة أنتجت أول مجموعة بيانات متكاملة على مستوى الدول والأعوام تشمل التكاليف البيئية والاقتصادية، أكد الباحثون أنَّ هذه الحسابات ليست شاملة تمامًا بعدُ، حيث تم استبعاد بعض المؤشرات كالتنوع البيولوجي، والخدمات البيئية، وتلوث المياه.
بالرغم مما سبق فإنَّ الدراسة أظهرت أنَّ الأضرار الناتجة عن الجسيمات الدقيقة والانبعاثات الكربونية قد مثَّلتْ نسبة كبيرة من الناتج الوطني لبعض الدول كالولايات المتحدة الأمريكية؛ مما يجعل هذه البيانات مؤشرًا أساسيًّا لصانعي القرار.

ويشير الباحثون إلى أنَّ الاعتماد التقليدي على الحسابات القومية لا يوفر صورة كاملة عن النمو الاقتصادي، وهو ما قد يعيق تحقيق أهداف السياسات الاقتصادية الطويلة الأجل. ومن المتوقع أنْ تواجه الاقتصادات العالمية زيادة في الأضرار الناتجة عن التلوث الكربوني والجسيمات الدقيقة مع استمرار التنمية الاقتصادية في القطاعات الصناعية وغيرها.
مِن هنا ترسم الدراسة مسارًا يلقي الضوء على أهمية البيانات البيئية في تعزيز التخطيط الاقتصادي الوقائي، وتمكين الدول من وضع استراتيجيات تحد من الأخطار البيئية، مثل العمل على تحسين جودة الهواء، والسعي إلى خفض الانبعاثات الكربونية؛ بما يضمن استدامة الموارد الطبيعية، ويقلل من الأضرار الاقتصادية والاجتماعية المحتملة.
الاقتصاد المستدام ورؤية المستقبل
تفتح هذه الدراسة نافذة جديدة لفهم العلاقة بين النمو الاقتصادي والاستدامة البيئية، مؤكدة ضرورة دمج المعايير البيئية ضمن استراتيجيات التنمية الوطنية؛ لأنَّ التركيز على رأس المال الطبيعي وقياس الجسيمات الدقيقة وانبعاثات الكربون يوضحانِ أنَّ النمو الحقيقي لا يقتصر على زيادة الناتج المحلي الإجمالي، بل يشمل القدرة على الحفاظ على البيئة والموارد للأجيال القادمة.

على ما سبق، يمكننا القول بأنَّ التحولات الأخيرة تثبت أنَّ النمو الاقتصادي لا يمكن أنْ يستمر بمعزل عن أهداف التنمية المستدامة بأبعادها المختلفة؛ بالتالي يصبح دمج رأس المال الطبيعي في الحسابات الاقتصادية مدخلًا ضروريًّا لإعادة تعريف النمو بما يوازن بين رفاه الحاضر وحقوق الأجيال المتعاقبة.
وفي هذا السياق، تتبنى مؤسسة حماة الأرض مقاربةً تُعلي من شأن العدالة التنموية في ظل اقتصاد مستدام لا يُختزل في مؤشرات الإنتاج وحدها، بل في القدرة على صون الموارد وضمان استمراريتها، وهو ما يشكل القاعدة الحقيقية لبناء مستقبل أكثر صلابة ومرونة أمام أزمات المناخ وجميع تحديات التنمية المستدامة.




