النمو الاقتصادي والاستدامة البيئية.. دروس من تجارب الدول العظمي

النمو الاقتصادي والاستدامة البيئية.. دروس من تجارب الدول العظمي
لقد شهد العالم في العقود الأخيرة تناقضًا متجددًا بين تطلعات النمو الاقتصادي والاستدامة البيئية، حيث يقف صانعو القرار أمام معادلة صعبة: كيف يمكن تعزيز التنمية من دون استنزاف الموارد الطبيعية أو تهديد مستقبل الأجيال القادمة؟
في هذا السياق، تبرز الصين والولايات المتحدة، باعتبارهما اقتصادين عملاقين غنيين بالموارد الطبيعية، ويلقي كلٌّ منهما بظلاله على السياسات العالمية المتعلقة بالصناعات الاستخراجية -مثل النفط- والصناعات الاستغلالية مثل استغلال الخشب في صناعة الأثاث.
وهو الأمر الذي بحثته دراسة حديثة في مجلة “فرونتيرز”Frontiers ؛ متناولةً العلاقةَ بين الانفتاح التجاري، والعمق المالي، والضرائب البيئية، والاستهلاك المتجدد للطاقة من جهة، وبين أنماط استخراج الموارد في البلدين من جهة أخرى.

ولذلك سوف تتناول مؤسسة حماة الأرض أبعادَ هذه الدراسة العلمية من منظور التنمية المستدامة، مؤكدة أنَّ تجارب الدول الكبرى كالصين والولايات المتحدة تقدم نماذجَ تستحق الدراسة لاستخلاص العبر وتكييفها مع احتياجات الدول الأخرى؛ انطلاقًا من أنَّ الحفاظ على البيئة أحد الأعمدة الرئيسية للاستقرار الدولي البعيد المدى.
العمق المالي والانفتاح التجاري
يُعد تعميق القطاع المالي (Financial Depth) مؤشرًا على مدى تطوير وتعقيد النظام المالي في دولة ما، حيث يسهم في ضخ الاستثمارات وتشجيع ريادة الأعمال ودعم الأنشطة الاقتصادية بشكلٍ عام. وعلى ذلك تشير الدراسة إلى أنَّ زيادة العمق المالي تشجع استغلال الموارد الطبيعية في المدى القصير؛ إذ إنَّ وفرة رأس المال وقنوات التمويل القوية تدفع بجزء كبير منه نحو المشروعات الصناعية والاستخراجية التي تتطلب تمويلًا ضخمًا.
وبالمثل، فإنَّ الانفتاح التجاري (Trade Openness) يعكس ارتباط الاقتصاد بالأسواق العالمية، ويتيح للمنتجين الاستجابة للطلب المتزايد على المواد الخام؛ فعند تعزيز الانفتاح التجاري، ترتفع الحاجة إلى الموارد الطبيعية لتلبية الطلب الإضافي، مما يرفع من وتيرة الاستخراج.
وقد لاحظت الدراسة أنَّ الأثر الطويل الأمد للانفتاح التجاري كان أوضح في الصين مقارنة بالولايات المتحدة، وهو ما يعكس تقلب السياسات التجارية الصينية مقارنةً بنهج أكثر استقرارًا في الولايات المتحدة.
وفي السياق نفسه، تؤكد النتائج أنَّ كلًّا من العمقِ المالي والانفتاحِ التجاري يشجعانِ عمليات استخراج الموارد الطبيعية؛ بالتالي فإنَّ أيَّ توسُّعٍ اقتصادي يعتمد -غالبًا- على زيادة الطلب على الموارد الطبيعية؛ من أجل معادلة هذا التوسع.
ومع ذلك، حذرت الدراسة من أنَّ الاعتماد المفرط على هذه الديناميكية يؤدي إلى ما يعرف بـ”لعنة الموارد” (ظاهرة تشير إلى أنَّ الدول الغنية بالموارد قد تحقق نموًّا اقتصاديًّا أضعفَ من الدول ذات الموارد القليلة)، حيث يُضعف الاعتماد على استخراج الموارد الطبيعية بقيةَ القطاعات الاقتصادية، ويجعل الاقتصادَ أكثر عرضةً لتقلبات أسعار الأسواق.

وبناءً على ذلك، يحتاج صانعو القرار إلى تحقيق توازن بين:
- الاستفادة من العمق المالي والانفتاح التجاري لتعزيز النمو.
- تطبيق سياسات تحفيزية وتنظيمية تقلل من المخاطر البيئية وتحمي الموارد.
الضرائب البيئية والطاقة المتجددة
تُعد الضرائب البيئية (Environmental Taxes) أداة سياسية رئيسية للحد من الأعباء البيئية للنشاط الاقتصادي؛ لأنَّها تفرض تكاليف إضافية على الأنشطة الملوثة أو المستهلكة للموارد، بهدف تعويض التكاليف الاجتماعية، وتحفيز التحول نحو ممارسات أكثر استدامة.
وقد أكدت الدراسة أنَّ الولايات المتحدة اعتمدت نظامًا ضريبيًّا بيئيًّا أكثر استقرارًا وصرامة؛ مما أسهم في تقليل وتيرة استخراج الموارد على المدى الطويل.
وفي الصين لا يزال الإطار الضريبي البيئي في طور التطوير، في محاولة للتوفيق بين التوسع الصناعي السريع والحفاظ على البيئة. وقد وجدت الدراسة أنَّ الضرائب البيئية التصاعدية تخفف من وتيرة الاستخراج المفرط بفاعلية أكبر كلما زادت صرامتها.
أما الطاقة المتجددة (Renewable Energy) فقد أظهرت نتائج الدراسة أنَّ زيادتها ترتبط ارتباطًا سلبيًّا باستخراج الموارد؛ أي أنَّ الاعتماد على الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح يقلل -نسبيًّا- من الاعتماد على المصادر الأحفورية، غير أنَّ الأثر الطويل الأمد لم يكن قويًّا من الناحية الإحصائية بما يكفي، ربما بسبب احتياجات الاستثمار الأولي والتحولات الهيكلية التي تتطلب وقتًا أطول.

ومِن هنا، تشير هذه النتائج إلى أنَّ السياسات الناجحة في هذا المجال يجب أنْ تجمع بين:
- دعم مصادر الطاقة المتجددة دعمًا ثابتًا ومستمرًّا؛ لتقليل الاعتماد على الموارد غير المتجددة.
- ضرائب بيئية مرنة وتصاعدية تعاقب الأنشطة الملوثة، وتشجع على التحول الأخضر.
الاتجاهات التاريخية لاستغلال الموارد
لقد أظهرت البيانات أنَّ الصين سجلت أعلى معدلات لاستخراج الموارد الطبيعية بين عامَي 2006 و2008، قبل أنْ تنخفض بشكل واضح خلال الفترة من 2013 إلى 2018؛ وهو ما يعكس تأثير السياسات الاقتصادية والتجارية المتقلبة. كما أظهر مؤشر الانفتاح التجاري الصيني تقلبات شديدة، بلغت ذروته في 2010 قبل أنْ يتراجع بحلول 2013.
في المقابل، أظهرت الولايات المتحدة منحنى أكثر استقرارًا في الضرائب البيئية، مع زيادة تدريجية بدلًا من الارتفاع والانخفاض الحاد. كما شهد مؤشر الانفتاح التجاري نموًّا مستقرًّا حتى 2009 قبل أنْ يتراجع تدريجيًّا حتى 2018.
هذه الاتجاهات تبرز اختلاف النهجين:
- الصين: ديناميكية سريعة وتغيرات حادة تعكس حساسية أكبر لتقلبات السوق.
- الولايات المتحدة: مسار أكثر تدرجًا واستقرارًا في التعامل مع السياسات الضريبية والتجارية.
وعلى ذلك أكد باحثو الدراسة أنَّ الاستجابة لتلك التغيرات تتطلب أنظمة إنذار مبكر ومؤشرات أداء دقيقة؛ من أجل متابعة استغلال الموارد، وتعديل السياسات بسرعة عند الحاجة.
من أجل النمو الاقتصادي
في إطار التنمية المستدامة توصلت الدراسة إلى أنَّ تعميق القطاع المالي وتوسيع نطاق التجارة الخارجية هما من العوامل الأساسية التي تدفع نحو استغلال الموارد، مع تأثير أطول أمدًا في الصين مقارنةً بالولايات المتحدة.
كما أشارت الدراسة إلى أنَّ الضرائب البيئية تمثل أداة فعّالة لتنظيم النشاط الاقتصادي، خاصة في الولايات المتحدة، حينما يسهم التحول إلى الطاقة المتجددة في تقليل وتيرة الاستخراج، وإن لم يظهر الأثر الطويل المدى بقوة إحصائية كافية.
كذلك أوضحت الدراسة أنَّ العلاقة بين النمو الاقتصادي واستخراج الموارد في الصين والولايات المتحدة علاقة معقدة وغير خطية؛ فقد عزز العمق المالي والانفتاح التجاري عمليات الاستخراج بشكلٍ متواصل، وفي الوقت نفسه أظهرت الضرائب البيئية دورًا كابحًا فعَّالًا، خصوصًا في الولايات المتحدة.

وبناءً على ذلك، يوصي الباحثون بضرورة:
- تصميم أطر تنظيمية مرنة تتناسب مع خصوصية كل اقتصاد.
- تعزيز الضرائب البيئية مع إعادة توجيه إيراداتها لدعم مشروعات الطاقة النظيفة.
- تطوير التعاون الدولي لتبادل الخبرات في حوكمة الموارد، بما ينسجم مع أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.
ومما سبق يتبين لنا كيف أنَّ تجارب الصين والولايات المتحدة خير دليل على أنَّ معادلة النمو الاقتصادي والاستدامة البيئية ليست سهلة، لكنها ممكنة إذا ما توفرت سياسات متوازنة ومرنة. ويتبين لنا أيضًا أنَّ التوسع المالي والتجاري يمثلانِ قوة دافعة لا غنى عنها للنمو، لكن من دون أدوات كابحة –كالضرائب البيئية والسياسات التحفيزية للطاقة النظيفة– يتحول هذا النمو إلى تهديدٍ ذي أمد طويل.
لذلك تدعو مؤسسة حماة الأرض إلى تبني نهج طويل الأمد في إدارة الموارد الطبيعية؛ من أجل ضمان توازن الاقتصاد مع البيئة، وحماية الأجيال القادمة، وهذا من خلال دمج السياسات الاقتصادية في معايير الاستدامة البيئية، والاستثمار المستمر في الطاقة المتجددة، ودعم التكنولوجيا الخضراء.




